بين طلب الدنيا ورجاء الآخرة

مصعب بن الزبير وإخوته في الحِجْر.. أمنيات كشفت معادن الرجال

أمنيات الحِجْر عند الكعبة وقصة مصعب بن الزبير وابن عمر، تصوير رمزي لمشهد تاريخي عند الحِجْر في الكعبة يعكس اختلاف الطموحات والغايات.

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن مصعب بن الزبير(1)، فيقول: وروى ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: اجتمع في الحِجْر(2) عبدالله، ومصعب، وعروة -بنو الزبير- وابن عمر، فقال: تمنوا، فقال ابن الزبير: أتمنى الخلافة، وقال عروة: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين.

فقال ابن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة، فنالوا ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر له.

تكشف هذه الواقعة القصيرة، التي جرت في جوار الكعبة المشرفة، عن مشهد بالغ الدلالة في فهم النفس البشرية؛ فهي لا تعرض مجرد أمنيات عابرة، بل ترسم خريطة داخلية لأربعة رجال من أعلام ذلك الجيل، وتكشف اختلاف التصورات حول معنى النجاح والرفعة.

ففي لحظة واحدة اجتمع الطموح السياسي، والطموح العلمي، والطموح الاجتماعي، والطموح الأخروي، ولم يكن اختلاف الإجابات اختلافًا في المكانة أو القدرة، بل اختلافًا في الغاية التي يراها كل إنسان جديرة بأن تكون محور حياته.

دلالة الحِجْر في كشف الأولويات النفسية

اختيار الحِجْر مكانًا لهذه المحاورة يحمل دلالة خاصة؛ فهو موضع متصل بالبيت الحرام، وفيه اجتمع رجال ينتمون إلى بيت واحد تقريبًا، لكنهم حملوا تصورات مختلفة تمامًا عن المستقبل، وتكشف هذه المحادثة عن حقيقة إنسانية أصيلة؛ أن قيمة الإنسان وأولوياته الباطنة تتجلى في نوعية ما يطلبه ويتمناه في مواطن التجرّد. ويتأكد هذا المعنى من خلال شواهد تاريخية مستقلة:

  • قدسية الموضع وأثره في إخلاص السريرة: التوجيه النبوي الكاشف عن مكانة الموضع في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين أرادت دخول الكعبة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلِّي فِي الْحِجْرِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ»(3)؛ ما يسبغ على المكان مهابة قدسية تجعل الخاطر فيه مستجمعاً لصدق النية والتعبير عما في أعماق النفوس أمام الله.
  • كشف الأولويات بنوع الطلب: موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال لجلسائه «تمنوا»(4)؛ فتمنى أحدهم مالاً جزيلاً ينفقه في سبيل الله، بينما تمنى عمر رجالاً صالحين من طراز أبي عبيدة بن الجراح ليستعملهم في طاعة الله؛ ما أثبت أن نوعية الأمنيات الميزان الذي يكشف عمق المقاصد والمعادن القيادية والروحية.

فعبدالله بن الزبير تطلع إلى الخلافة كأعلى مراتب السلطة، وعروة تطلع إلى العلم كميراثٍ أصيل، بينما جمع مصعب في أمنيته بين الإمارة والجاه والجمال، وجاء جواب عبدالله بن عمر ليضع الميزان الأسمى «المغفرة»، ليؤكد أن قدر الإنسان لا يُقاس فقط بما يطلبه من جاه السلطة أو مظاهر الدنيا، بل بما تكشفه أمنياته عن سريرته وأولوياته الداخلية.

عناصر أمنية مصعب بين السلطة والوجاهة

لم تكن أمنية مصعب بن الزبير في الحِجْر مجرد رغبة عابرة، بل كانت تعبيراً عن شخصية أرستقراطية ترى نفسها مهيأة لمقامات القيادة، وتتطلع إلى الكمال في اجتماع العناصر الكبرى؛ السلطة السياسية، والجمال، والوجاهة الاجتماعية؛ حيث تمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين. ويتسق هذا التطلع مع نماذج تاريخية جمعت بين الشرف والولاية والجمال:

  • الجمع بين الشباب والولاية والجاه: سيرة عبدالله بن عامر بن كُريز رضي الله عنه؛ إذ كان أميراً شاباً فارساً، جمع بين قيادة الفتوحات وولاية الأقاليم العظام كالبصرة وفارس، وبين السخاء، والوسامة، ومظاهر الشرف والجمال الأرستقراطي في قريش.
  • كمال الهيبة والسلطان في قريش: هيئة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في ولايته؛ إذ كان يجمع بين البلاغة، وحسْن الهيئة، وجلال السلطة، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استحسن التجمل والسيادة في شخصيته؛ فقد أخرج الطبراني عن سعيد المقبري، قال: قال عمر بن الخطاب: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية!

فإمرة العراق مثلت القوة السياسية والنفوذ الواسع في أثمن أقاليم الدولة، والزواج من شخصيتين بارزتين من نساء قريش وآل البيت أضفى شرف النسب والمكانة الاجتماعية العلياء؛ لتعكس هذه الأمنية التكوين النفسي والاجتماعي لمصعب بن الزبير، أميراً عُرف بالجمال والسخاء والهيبة، ولم يزل يرى القوة والجمال أمرين لا يفترقان في صناعة القيادة.

الميزان الشرعي والأخلاقي لطلب الولايات والمباحات

قد يُفهم طلب مصعب بن الزبير للإمارة وتطلعه لمتاع الدنيا على أنه تعلق بالمظاهر المجردة، لكن السياق التاريخي لا يقدم ذلك بوصفه ذمًا مباشرًا، بل يضعه في سياق تباين الهمم وأنواع الطموح، فالطموح إلى المباحات وتسنم المناصب ليس مذمومًا في ذاته، وإنما يكون محل النقد والذم حين يتحول إلى مظلمة، أو استعلاء، أو تقديم للدنيا على حساب الحق. ويتأكد هذا المعنى من خلال شواهد تاريخية ناصعة:

  • التأصيل النبوي للمتاع والجاه الصالح: حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه حين قال له: «نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ»(5)، تثبيتاً لأن حيازة المباحات أو الجاه أو وسائل القوة ليست مذمومة لذاتها، بل تُحمد متى كان صاحبها صالحاً يُسخرها في الحق وإقامة العدل وإغناء الأمة.
  • طلب التكليف للمصلحة العامة: التأصيل القرآني في مسلك نبي الله يوسف عليه السلام؛ حين طلب الولاية والإدارة قائلاً: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: 55)، تبياناً لأن طلب الإمارة والمسؤوليات لم يُذم شرعاً متى اقترن بالكفاءة والأمانة وإقامة العدل.

وقد عرف التاريخ الإسلامي رجالًا جمعوا بين طلب المسؤولية والقدرة على خدمة الناس بحزم وعدل، كما عرف رجالًا آثروا الابتعاد عنها وإيثار الخلوة والتعبد، والميزان الحقيقي في نقد الشخصيات لا يكمن في مجرد وجود الطموح، بل في طريقة حمله، ونزاهة الوسائل، والآثار التي يتركها القائد على مجتمعه.

مقارنة بين أنماط الطموح لدى الصحابة

تكشف الإجابات الأربع في الحِجْر عن أنماط مختلفة من القيادة والنجاح والغاية؛ فعبدالله بن الزبير اختار الخلافة والقيادة السياسية العليا، وكان ذلك متناسبًا مع تكوينه الشغوف بالسلطة وموقعه التاريخي حتى وصل إليها، وعروة بن الزبير اختار العلم؛ فصار من أئمة الفقهاء وعلماء المدينة الذين بقي أثرهم الخالد بعد زوال الدول، أما مصعب بن الزبير فاختار إمرة العراق وما يتصل بها من وجاهة وجاه، فنال الولاية وكان ألمع أمراء عصره، ثم جاء عبدالله بن عمر فقال: «أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ»، ليضع غايةً سامية لا تتبدل بتغير الزمان ولا بتقلبات السياسة. ويتأكد هذا التباين الإنساني المحمود في شواهد تاريخية ناصعة:

  • انكشاف المعدن الداخلي عند التخيير: موقف الصحابي ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه؛ حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «سَلْنِي»، فلم تتجه همته إلى عرض دنيوي أو جاه مباح، بل قال ببديهة صادقة: «أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ»(6)، فكشف طلبه عن البوصلة الروحية التي تحكم وجدانه.
  • امتداد ميزان التجرد عند البيت الحرام: صنيع التابعي سالم بن عبدالله بن عمر؛ حين التقاه الخليفة سليمان بن عبدالملك في الطواف وقال له: «سلني حاجة»، فقال سالم: «إِنِّي لأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَسْأَلَ فِي بَيْتِهِ غَيْرَهُ»(7)، مشكّلاً امتداداً تربوياً لمسلك والده ابن عمر في إيثار طلب المغفرة والتجرد أمام الله.
  • التنوع الفطري في المسارات القيادية والروحية: التمايز الطبيعي بين أكابر الصحابة والتابعين؛ حيث اختار بعضهم أعباء الدولة والسياسة كأبي بكر، وعمر، واختار آخرون إرساء الفقه والعلم كعبدالله بن مسعود، وابن عباس، بينما آثر فريقٌ آخر طريق الورع والتبتل ورجاء المغفرة كأبي الدرداء، وابن عمر، لتعبر كل شخصية عن القيمة العليا في ميزانها الباطن.

وهكذا تكشف الواقعة أن الإنسان يسعى دائماً نحو الغاية التي يراها أعظم قيمة في ميزانه الداخلي؛ فمنهم من يرتقي في درجات السلطة والعمران، ومنهم من يغرس أثره في ميادين العلم، ومنهم من يرى الفوز الحقيقي في سلامة الصدر ومغفرة رب العالمين.

مآلات تحقيق الطموح بين السلطة والعلم

قال الراوي: «فَنَالُوا مَا تَمَنَّوْا»، وتحمل هذه العبارة جانباً من العجب الشديد، لكنها تطرح سؤالاً قيادياً ووجودياً أعمق: هل كان الوصول إلى الأمنية يعني نهاية القصة وكمال السعادة؟

لقد نال عبدالله بن الزبير الخلافة، ونال مصعب إمرة العراق، لكن كلاً منهما دخل بعد ذلك في صراعات سياسية واضطرابات معقدة انتهت بمقتلهما وانقضاء سلطانهما، أما عروة بن الزبير فقد بقي أثر علمه ممتدًا عبر الأجيال؛ لأن العلم نوعٌ من الملك الخالد الذي لا يسقط بسقوط الدول، وأما ابن عمر، فكانت أمنيته متعلقة بأمر غيبي يتجاوز الدنيا، لا يراه الناس وإنما يُرجى من عفو الله ورحمته. ويتجلى هذا الميزان في شواهد تاريخية ناصعة:

  • بقاء أثر العلم مقابل زوال بهجة السلطان: رؤية الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله لمآلات الملوك والأمراء؛ حيث كان يعاين المناصب السياسية والإمارات تنتهي بالقتل والزوال وتنهمك في الصراعات، بينما كان يرى أثر العلم والفقه ثابتاً لا ينقطع، محفوفاً بإجلال الأمة وحاجتها إليه بعد رحيل الحكام.
  • خلود الميراث المعرفي للصحابة: مآل أماني أئمة العلم كعبدالله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهما؛ إذ نال بعض معاصريهم الولايات والفتوح ثم انقضت آثار إماراتهم بوفاتهم، بينما بقي الفقه والقرآن الذي بثوه مرجعاً أبدياً للأمة لا تتأثر قيمته بتغير الأنظمة والسياسات.

ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين أمنيةٍ وقتية تنتهي بانتهاء ظرفها السياسي، وأمنيةٍ مباركة يتجاوز أثرها ونفعها حدود عمر الإنسان.

كيف تحول المسؤوليات والعلم إلى اختبارات؟

لا تكشف الواقعة عن رفض مطلق للدنيا أو زهد سلبي فيها، بل عن ضرورة معرفة موقعها في قلب الإنسان؛ فالإمارة قد تكون مساحة لإقامة العدل وخدمة الحق، والعلم قد يكون الميراث الخالد، وطلب المغفرة هو الغاية النهائية التي يلتقي عندها كل نجاح أصيل، ولهذا فإن العبرة ليست في مجرد نوع الأمنية والتطلع، بل في قدرة الإنسان على إدارة ما يناله؛ إذ قد يكون المنصب اختباراً، وقد يكون العلم مسؤولية، وقد يكون المال أمانة. ويتأكد هذا المعنى من خلال شواهد تاريخية ناصعة:

  • المنصب ابتلاء لا غنيمة: تجربة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله حين أُسندت إليه الخلافة؛ فلم يفرح بالسلطة، بل صعد المنبر وجلاً وقال: «إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ غَيْرِ رَأْيٍ كَانَ مِنِّي وَلا طَلَبَةٍ لَهُ»(8)، فما زادته ولاية الملك إلا خضوعاً وإصلاحاً، معتبراً الإمارة محنة تختبر دينه وأمانته.
  • مسؤولية العلم وأمانة المال: وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد؛ حين فصّل في تفاوت المكتسبات قائلاً: «الْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الإِنْفَاقِ»(9)، لتتحدد مسؤولية صاحب العلم في بذله، وأمانة صاحب المال في صرفه في حق الله.
  • اختبار الجاه والفرار من فتنة الظهور: موقف الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين دعاه ابنه لطلب الخلافة في زمن الفتنة، فزجره سعد وقال: أَفِي الْفِتْنَةِ تَأْمُرُنِي أَنْ أَكُونَ رَأْسًا؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ»(10)، كاشفاً عن خطورة السعي خلف جاهٍ يورث الشبهات.

وفي واقعنا المعاصر، يحتاج الإنسان دائماً إلى مراجعة أولوياته وأمانيه؛ هل يبتغي النجاح والتصدر لمجرد تحصيل المكانة والظهور الصوري، أم يبتغي بناء أثرٍ نافع ومباركٍ يبقى ممتداً في صحيفته بعد رحيله عن هذه الحياة؟

مواجهة مصعب بن الزبير لتكاليف السلطة

تكشف أمنية مصعب بن الزبير في الحِجْر جانبًا أصيلاً من شخصيته قبل أن تكشفها أحداث حياته اللاحقة؛ فقد كان رجلًا يطمح إلى الجمع بين القوة والمكانة والجمال، ثم عاش بالفعل أبعاد هذه الأمنية حين تولى إمرة العراق وتزوّج بشريفات من قريش، غير أن سيرته بعد ذلك أظهرت أن الوصول إلى القمة لا يلغي صعوبة البقاء فيها؛ فالسلطة تحتاج إلى حكمة ومؤسسات بقدر حاجتها إلى الشجاعة والهيبة الذاتية. ويتجلى هذا المعنى في شواهد تاريخية ناصعة:

  • ثقل التكاليف في بيئة الحكم: تجربة الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه حين تولى الكوفة؛ إذ نال الولاية ثم واجه اضطراب أهل العراق وتقلبات السياسة التي أرهقت كاهله حتى استعفى منها، تبياناً لأن نيل المنصب يحمل معه أعباءً جسيمة لا تُقاس بلذة تحصيله.
  • تبعات المجد والسيادة: سيرة الصحابي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه؛ إذ كان طامحاً سخياً صاحب مجد وجاه، فلما خاض أمواج الأحداث والفتنة واجه التكاليف العظمى لمقامه حتى استشهد، فصارت سيرته عبرةً في أن المراتب العالية تقترن دائماً بمسؤوليات قاسية.
  • الوعي بتكاليف الرعاية: وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه للولاة: «إِنَّ أَسْعَدَ الرُّعَاةِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ سَعِدَتْ بِهِ رَعِيَّتُهُ، وَإِنَّ أَشْقَى الرُّعَاةِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ شَقِيَتْ بِهِ رَعِيَّتُهُ»(11)، تذكيراً بأن الحكم ابتلاء يتطلب الحكمة وبناء العدل لا مجرد حيازة النفوذ.

ولهذا، فإن قصة مصعب بن الزبير لا تُقرأ باعتبارها قصة طموحٍ تحقق ونُفّذ فحسب، بل باعتبارها قصة إنسان اختبر أمنيته واقعاً، ثم واجه تكاليفها الباهظة في قلب التاريخ.

كيف ينبغي للمسلم ترشيد طموحاته الدنيا؟

تضعنا هذه الواقعة التاريخية عند الكعبة أمام سؤال إنساني وقيادي دائم: ماذا يتمنى الإنسان لو أُتيح له أن يطلب أعظم ما يريد؟ فبعض الناس يرى مجده في السلطة والسيادة، وبعضهم في العلم الخالد، وبعضهم في الوجاهة والقبول الاجتماعي، بينما يرى أولو البصائر أن أعظم المكاسب أن يخرج الإنسان من الدنيا خفيف الحِمل وقد نال رحمة الله ومغفرته، والحكمة ليست في إلغاء الطموح، بل في حسن توجيهه؛ فالعاقل من يجعل أهدافه الدنيوية خادمة لغاية أعلى، ولا يجعلها بديلاً عنها. ويتجلى هذا الدرس في شواهد ناصعة من الفكر والسلوك القيادي:

  • توجيه الطموح نحو الغاية الباقية: أثر التابعي أبي حازم الأعرج رحمه الله في ضبط بوصلة الرغبات؛ حيث قال: «مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ فِي الآخِرَةِ فَقَدِّمْهُ الْيَوْمَ، وَمَا كَرِهْتَ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ فِي الآخِرَةِ فَاتْرُكْهُ الْيَوْمَ»(12)، ليضع المعيار الذي تُقاس به مشروعية الطموحات ومقاصدها.
  • العمل والنية بعد نيل المطالب: قول التابعي الجليل مطرّف بن عبدالله بن الشّخّير رحمه الله: «صَلاَحُ الْقَلْبِ بِصَلاَحِ الْعَمَلِ، وَصَلاَحُ الْعَمَلِ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ»(13)، مؤكداً أن العبرة ليست ببريق الأمنية أو نيل المنصب، بل بالإخلاص والعدل وصالح العمل الذي يعقب تحصيل المراد.

لقد اختلفت أمنيات هؤلاء الرجال في الحِجْر، لكن التاريخ حفظ ذكرهم جميعاً؛ لأن قيمة الإنسان لا يصنعها مجرد ما يطلبه ويرجوه، بل ما يصنعه ويقدمه لمجتمعه وأمته بعد أن يُمنح ما طلب

الهوامش
  • 1 مصعب بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو عبدالله، وُلد سنة 26هـ، تابعي جليل وأمير شجاع، اشتهر بالفروسية والكرم الفائق وجمال الصورة، وتولى إمرة العراق نيابة عن أخيه فقضى على المختار الثقفي، سكن الحجاز ثم انتقل إلى العراق، وقُتل فيه بشجاعة في معركة «دير الجاثليق» سنة 72هـ، وكان من أبطال قريش المعدودين، أحبه أهل العراق لجوده وسخائه.
  • 2 هو الحائط الواقع شمال الكعبة المشرَّفة على شكل نصف دائرة.
  • 3 أخرجه أبو داود (2028)، والترمذي (876) واللفظ له، والنسائي (2912)، وأحمد (24616).
  • 4 أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (1280)، والحاكم (5005)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 102) باختلاف يسير.
  • 5 أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (299)، والحاكم (2130)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1248).
  • 6 أخرجه أبو داود (1320) واللفظ له، والنسائي (1138)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (2387) باختلاف يسير.
  • 7 سير أعلام النبلاء (4/ 467).
  • 8 صفة الصفوة (1/ 365).
  • 9 أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (1/ 79)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 182)، وسبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص»، ص389، باختلاف يسير.
  • 10 أخرجه مسلم (2965) بلفظ مقارب، وأحمد (1441)، وأبو يعلى (737).
  • 11 كتاب الخراج لأبي يوسف، ص 24.
  • 12 الزهد الكبير للبيهقي (1/ 136/ 256).
  • 13 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 199).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة