موسوعة ديوان الحديث النبوي.. مشروع علمي كويتي في خدمة السُّنة النبوية
من الأعمال التي تستحق الإشادة والتقدير، لما تحمله من قيمة علمية وحضارية بالغة، مشروع «ديوان الحديث النبوي»؛ تلك الموسوعة الحديثية المحققة التي تجمع أمهات كتب السُّنة النبوية، وتقدمها للباحث والقارئ في صورة علمية موثقة، بعد عمل واسع في جمع النسخ الخطية ومقابلتها وتحقيق نصوصها وفهرستها وإخراجها.
وتزداد قيمة هذه
المبادرة حين نعلم أن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي أسهمت في رعاية هذا المشروع،
بالتعاون مع الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، ضمن مبادرة «نور الكويت لنشر
ديوان السُّنة حول العالم»، وهذه الرعاية تستحق ثناءً خاصًا؛ لأنها تعكس مفهومًا
واسعًا للتقدم العلمي لا يحصر المعرفة في العلوم التطبيقية والتقنية وحدها، وإنما
يدرك أن خدمة التراث العلمي للأمة، وتحقيق مصادره وفق قواعد البحث والتوثيق، عمل
علمي وحضاري جدير بالدعم والرعاية.
تراث نبوي حمله العلماء جيلاً بعد جيل
إن أعظم ما يلفت
النظر في «ديوان الحديث النبوي» أنه لا يقدم للقارئ مجرد مجموعة من الكتب القديمة
أعيدت طباعتها، وإنما يضع بين يديه جانبًا عظيمًا من التراث الحديثي الذي وصل
إلينا عبر قرون طويلة من الجهد العلمي المتواصل.
فالسُّنة
النبوية لم تصل إلى الأجيال اللاحقة بلا جهد؛ وإنما حملها الصحابة، ثم نقلها
التابعون ومن جاء بعدهم، وظهر من علماء الأمة رجال أفذاذ أفنوا أعمارهم في سماع
الحديث وروايته وجمع طرقه ومعرفة رجاله وتمييز صحيحه من سقيمه، ورحل بعضهم من بلد
إلى بلد من أجل حديث واحد أو التحقق من راوٍ أو سماع رواية من مصدرها.
ومن رحم ذلك
الجهد العظيم ظهرت المصنفات التي أصبحت أعمدة علم الحديث، وفي مقدمتها صحيحا
الإمامين البخاري ومسلم، والسنن والمسانيد والمصنفات والجوامع وغيرها.
وهذه الكتب لم
تكن ثمرة جهد فرد واحد أو جيل واحد، بل كانت حصيلة سلسلة حضارية هائلة من الحفظ
والنقل والتدوين والنقد والمقارنة والمراجعة، ثم جاء علماء المخطوطات والمحققون في
العصر الحديث ليواصلوا المهمة، فيقابلوا النسخ ويضبطوا نصوصها، وصولًا إلى طبعات
علمية محققة تحفظ النص كما نقله العلماء، وتيسّر الانتفاع به للباحثين والقراء.
ولهذا، فإن
الاحتفاء بمشروع «ديوان الحديث النبوي» هو، في جانب منه، احتفاء بذلك التاريخ
الطويل من خدمة سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
موسوعة ديوان الحديث النبوي: موسوعة ضخمة بلغة الأرقام
وتكشف الأرقام
المنشورة عن حجم المشروع واتساعه؛ فبحسب التعريف المصاحب للمبادرة، تضم الموسوعة
19 مصدرًا حديثيًا أصليًا من أمهات كتب السُّنة النبوية، صدرت في 142 مجلدًا، وبلغ
عدد ملزماتها 5335 ملزمة طباعية.
أما العمل
العلمي وراءها، فتشير بيانات المشروع إلى مشاركة 70 عالمًا وباحثًا في التحقيق، مع
139446 حديثًا موثقًا رواها 59518 راوياً (دون تكرار).
وهذه الأرقام
وحدها تعطي تصورًا عن حجم العمل المطلوب لإنجاز مشروع من هذا النوع؛ فالتعامل مع
آلاف النسخ الخطية، ومقارنة الروايات، وضبط النصوص، ثم إعداد الفهارس العلمية، ليس
عملًا طباعيًا اعتياديًا، وإنما مشروع بحثي يحتاج إلى سنوات من الصبر والخبرة
والتخصص.
لماذا يحتاج تراث الحديث إلى التحقيق؟
قد يسأل البعض:
إذا كانت كتب الحديث معروفة ومتداولة منذ مئات السنين، فما الحاجة إلى تحقيق جديد
لها؟
والجواب أن
النصوص التراثية وصلت إلينا عبر نسخ خطية متعددة، وقد تختلف النسخ في بعض الألفاظ
أو الضبط أو ترتيب المواضع، ولذلك يحتاج المحقق إلى الرجوع إلى أقدم النسخ
وأوثقها، ودراسة أسانيد النسخ والروايات ومقابلة بعضها ببعض.
ولهذا يشير
تعريف «ديوان الحديث النبوي» إلى اعتماد منهج يقوم على ضبط النصوص على أوثق أصولها
الخطية، والتشكيل، والترقيم، وتخريج الأحاديث، والعناية بتحفة الأشراف وإتحاف
المهرة، والتعريف بالأسانيد، وإعداد الفهارس العلمية المتخصصة.
إنها عملية أقرب
إلى إعادة بناء النص العلمي بأكبر قدر ممكن من الدقة والأمانة.
ومن هنا، تتضح
الصلة بين علماء الحديث المتقدمين والمحققين المعاصرين؛ الأوائل حفظوا الرواية
وجمعوها ونقدوها وصنفوها، والمتأخرون يبحثون عن النسخ التي حفظت مؤلفاتهم
ويقابلونها ويحققونها، حتى ينتقل ذلك التراث إلى الأجيال الجديدة بأوثق صورة
ممكنة.
مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.. رعاية تستحق التقدير
وهنا ينبغي
الوقوف بصورة خاصة عند مؤسسة الكويت للتقدم العلمي والإشادة بدعمها لهذا المشروع.
فالمؤسسات
العلمية الكبرى لا تقاس فقط بعدد المشروعات التي تمولها، وإنما أيضًا بقدرتها على
التعرف على المشروعات ذات الأثر الممتد عبر الأجيال، ودعم نشر موسوعة علمية ضخمة
للحديث النبوي يندرج ضمن الاستثمار طويل الأجل في المعرفة.
إن وجود اسم
مؤسسة كويتية علمية عريقة إلى جانب مشروع بهذا الحجم يضيف إلى سجل الكويت في دعم
الثقافة والعلم والتراث، ويؤكد أن خدمة المعرفة الإسلامية يمكن أن تتم من خلال عمل
مؤسسي منظم يجمع التمويل العلمي والخبرة البحثية والتخصص والتحقيق والنشر.
كما تستحق
الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التقدير على مشاركتها في هذه المبادرة والعمل
على إيصال الموسوعة إلى المؤسسات العلمية المستفيدة، في إطار العمل الخيري المؤسسي
المعتمد لدى وزارة الشؤون الاجتماعية في دولة الكويت، التي تضطلع بدور مهم في
تنظيم ورعاية العمل الخيري والإشراف على مؤسساته، بما يعزز الثقة بهذه المبادرات
ويهيئ لها بيئة مؤسسية تسهم في تحقيق أهدافها العلمية والإنسانية.
من الكويت إلى المؤسسات العلمية في العالم
وتحمل المبادرة
عنوانًا جميل الدلالة «نور الكويت لنشر ديوان السنة حول العالم»، وهي لا تستهدف
توزيع الكتب بلا ضوابط، بل وضعت معايير للاستفادة منها.
فالمستفيدون
المستهدفون يشملون الجامعات الإسلامية وكلياتها وفروعها العلمية، ووزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومراكز الفتوى وهيئات كبار العلماء، والمراكز العلمية المتخصصة
في العلوم الإسلامية.
كما وضعت
المبادرة معايير للمؤسسات والأفراد، من بينها إثبات الصفة الرسمية أو العلمية،
ووجود نشاط علمي قائم ومستمر مرتبط بالدراسات الإسلامية، وتوفير مكتبة ملائمة لحفظ
الموسوعة وإتاحتها للباحثين.
وهذه نقطة تستحق
الثناء؛ لأن قيمة الكتاب لا تتحقق بمجرد طباعته، وإنما بوصوله إلى المكان الذي
يُقرأ فيه ويُدرس ويُستفاد منه.
الكويت.. وخدمة السُّنة النبوية الشريفة
إن مثل هذه
المبادرات تقدم صورة مشرقة عن العمل الثقافي الكويتي، فالكويت عُرفت تاريخيًا
بمبادراتها الثقافية والعلمية والخيرية خارج حدودها، ومن الجميل أن يمتد هذا
العطاء إلى خدمة مصادر السُّنة النبوية وإتاحتها للمراكز والجامعات والباحثين.
ولعل أجمل ما في
المشروع أنه يجمع ثلاثة أزمنة في عمل واحد: جهد علماء الحديث في الماضي، وأدوات
التحقيق العلمي في الحاضر، وحفظ المعرفة للأجيال القادمة.
فحين يفتح
الباحث اليوم مجلدًا محققًا من صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو السنن أو المسانيد،
فإنه يرى الكتاب مطبوعًا أمامه في صفحات مرتبة، لكنه قد لا يرى وراء تلك الصفحات
آلاف العلماء والرواة والنساخ والمحدثين الذين تعاقبوا عبر القرون حتى وصل النص
إليه.
ومن هنا تأتي
القيمة الرمزية والعلمية لـ«ديوان الحديث النبوي»: فهو يذكرنا بأن هذا التراث لم
يصل إلينا مصادفة، وإنما وصل بعد رحلة علمية شاقة وطويلة؛ رجال رحلوا لطلب الحديث،
وعلماء أفنوا أعمارهم في نقد الرجال والأسانيد، ومصنفون جمعوا الروايات ورتبوها،
ونساخ حفظوا الكتب، ومحققون قابلوا المخطوطات وأعادوا النصوص إلى أقرب صورها
الموثقة.
وفاء للعلم وأهله
إن الثناء على
«ديوان الحديث النبوي» ليس ثناءً على مجموعة مجلدات فحسب، وإنما هو تقدير لمنهج
كامل في صيانة المعرفة.
وحين تسهم مؤسسة
الكويت للتقدم العلمي في رعاية نشر هذا العمل، وتشارك الهيئة الخيرية الإسلامية
العالمية في إيصاله إلى المؤسسات والباحثين، فإنهما تسهمان في حلقة جديدة من حلقات
سلسلة بدأت قبل أكثر من ألف عام؛ سلسلة حفظ السُّنة والعناية بها ونقلها إلى
الأجيال.
إن علماء الحديث
الأفاضل الذين حفظوا هذا التراث، من البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه، وأحمد.. وغيرهم من أئمة هذا الفن، قدموا للأمة تراثًا علميًا
فريدًا يقوم على التوثيق والسند والنقد والتمحيص، ومن الوفاء لذلك الجهد أن تستمر
المؤسسات العلمية في تحقيق مصنفاتهم وصيانتها وإتاحتها للدارسين.
ولهذا تستحق
مبادرة «نور الكويت لنشر ديوان السُّنة حول العالم» الإشادة، وتستحق مؤسسة الكويت
للتقدم العلمي ثناءً خاصًا على رعايتها، كما يستحق كل عالم ومحقق وباحث ومؤسسة
شاركت في إخراج هذا العمل التقدير.
فالمشروعات
الحضارية الحقيقية هي التي تصل الماضي بالحاضر، وتحفظ للأجيال ذاكرتها العلمية،
وتضع المعرفة الموثقة في أيدي الباحثين.
و«ديوان الحديث
النبوي» مثال واضح على ذلك؛ تراث حمله علماء أجلاء عبر القرون، وحفظته المخطوطات،
وخدمه المحققون، ثم جاءت المؤسسات الكويتية لتسهم في نشره وإيصاله إلى طلاب العلم
والجامعات والمراكز العلمية حول العالم.
وما أجمل أن
يكون للكويت سهم في هذا العمل؛ سهمٌ في حفظ العلم، وخدمة السُّنة النبوية، وتكريم
جهود أولئك العلماء الذين بذلوا أعمارهم حتى يصل إلينا حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم محفوظًا ومدروسًا وموثقًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً