نقل المعلمين في الكويت.. خطوة نحو مدارس أكثر استقراراً

أحمد جمال

28 أكتوبر 2026

10

نقل المعلمين في الكويت.. خطوة نحو مدارس أكثر استقراراً

في المدرسة لا يمكن تبديل قطعة من جدول الحصص كما تُبدَّل خانة في ملف إلكتروني، فوراء كل حصة معلم اعتاد طلابه طريقته، وخطة دراسية تسير بإيقاع محدد، ومدير مدرسة يحاول الحفاظ على انتظام يوم دراسي لا يحتمل أي ارتباك.

لهذا لم يكن غريباً أن تثير قرارات وزارة التربية الكويتية بإعادة توزيع ونقل آلاف المعلمين جدلاً واسعاً، فالمسألة لا تتعلق بمكان العمل وحده، وإنما بكيفية إدارة التغيير داخل مؤسسة تتعامل مع وقت الطلاب وتحصيلهم ومستقبلهم.

في 6 أكتوبر الجاري، أعلنت الوزارة إصدار 8703 قرارات لإعادة توزيع الكوادر التعليمية، شملت 8310 معلمين ومعلمات، و393 من شاغلي الوظائف الإشرافية، وقالت: إن الخطة رفعت نسبة معالجة التفاوت في توزيع الكوادر بين المدارس من 34% إلى 82%.

لكن القرار واجه اعتراضات كثيرة، تمت ترجمتها من خلال تقديم عدد كبير من المعلمين طلبات لمراجعة قرارات نقلهم، قبل أن تعلن الوزارة في 13 أكتوبر قبول 1311 تظلمًا بعد دراسة المستندات والحالات المقدمة.

وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز تأييد القرار أو رفضه، عن كيفية معالجة اختلالات تراكمت في توزيع المعلمين من دون أن تتحول عملية الإصلاح نفسها إلى مصدر اضطراب داخل المدرسة؟ وهل يكفي أن يصبح التوزيع أكثر توازناً في الجداول إذا احتاج المعلم والطالب والإدارة المدرسية إلى وقت جديد للتكيف مع التغيير؟

أرقام متباينة

تستند الوزارة في قرارات نقل المعلمين إلى مبررات تنظيمية تقول: إنها لا يمكن تجاهلها، ففي تصريحات لصحيفة «الأنباء»، في 8 أكتوبر، أوضح الوكيل المساعد للشؤون التعليمية حمد الحمد أن الوزارة رصدت تفاوتاً كبيراً في أعداد المعلمين بين المدارس والتخصصات، وضرب أمثلة بوجود 66 معلمة في إحدى المدارس، و12 معلم ديكور في معهد ديني لا تُدرَّس فيه المادة، إلى جانب تفاوت في أعداد رؤساء الأقسام، مؤكداً أن الاحتياج الفعلي يجب أن يُحدد وفق عدد المعلمين المطلوب لكل مادة، لا بمجرد إجمالي العاملين في المدرسة.

هذه الأمثلة تشرح لماذا قد تحتاج المؤسسة التعليمية إلى إعادة تنظيم مواردها البشرية، فوجود فائض في مدرسة لا يعالج بالضرورة نقصاً في مدرسة أخرى، ما لم تتوافر آلية تنقل الكفاءات إلى المكان الذي يحتاج إليها فعلاً.

ومن منظور أكاديمي، تناولت د. سلوى عبدالله الجسار، أستاذة المناهج وطرق التدريس وإعداد المعلمين بكلية التربية في جامعة الكويت، قرارات إعادة توزيع المعلمين في مقال نشره موقع «أكاديميا»، في 9 أكتوبر، بعنوان «قرار وزارة التربية.. بين الإصلاح والعدالة».

وأكدت الجسار أهمية معالجة الفائض وسد العجز في المدارس، مشيرة إلى أن نجاح هذه الخطوة يرتبط بوضوح معايير التوزيع ودقة بيانات الاحتياج الفعلي لكل مدرسة وتخصص.

ويضيف هذا الطرح الأكاديمي بُعداً مهنياً للنقاش، فإعادة توزيع الكوادر ليست مجرد إجراء إداري، وإنما عملية تخطيط تستهدف تحقيق التوازن بين احتياجات المدارس والاستفادة من خبرات المعلمين، وكلما استندت هذه العملية إلى بيانات دقيقة ومتابعة مستمرة تعززت فرص الحفاظ على استقرار البيئة المدرسية ودعم جودة التعليم كما أوصت الجسار.

صوت الميدان

لم تقتصر الاعتراضات على رفض مبدأ إعادة توزيع المعلمين، ففي تغطية صحيفة «الراي»، في 7 أكتوبر، تحدث معلمون مشمولون بالقرارات عن حالات قالوا: إنها تستحق المراجعة، منها نقل معلمين في التخصص نفسه بين مدارس، فضلًا عن حالات قال أصحابها: إنهم نُقلوا مجدداً بعد صدور موافقات سابقة على نقلهم.

أما جمعية المعلمين الكويتية، فاختارت موقفًا يجمع بين الاعتراف بصعوبة معالجة الفائض والتنبيه إلى تبعات التنفيذ، ففي تصريح نقلته جريدة «الجريدة»، في 9 أكتوبر، وصفت الجمعية معالجة فائض المعلمين بأنها قرار صعب، مشددة على ضرورة وجود معايير واضحة للنقل، ومراعاة الظروف الاجتماعية والاستقرار النفسي للمعلمين، وحماية سير المناهج الدراسية.

واقترحت الجمعية ضمن مذكرة قالت: إنها أعدتها لقيادات الوزارة فتح المجال أمام التبادل الاختياري بين مدارس العجز، وضبط حالات الندب والتعيين، وتوجيه التعيينات الجديدة إلى المدارس التي تعاني نقصًا، وعدم إصدار قرارات ندب للوظائف الإشرافية قبل استقرار حركة النقل، وهي مقترحات تفتح مجالاً للنقاش حول كيفية جعل الإصلاح أقل كلفة على الميدان، لا حول ضرورة معالجة التفاوت من عدمها فحسب.

الطالب أولاً

في خضم الجدل الإداري يسهل أن تتحول القضية إلى مواجهة بين جهة تصدر القرار ومعلمين يعترضون عليه، غير أن الطالب هو الطرف الذي ينبغي أن يُقاس عليه أثر التغيير، فإذا أدى النقل إلى سد نقص حقيقي في مادة دراسية، فقد يكون ذلك مكسباً مباشراً للطلاب، أما إذا تسبب في انقطاع متابعة المعلم لفصل دراسي أو تأخر شرح أجزاء من المنهج أو تحميل مدرسة أعباء انتقالية لم تستعد لها، فإن نجاح إعادة التوزيع سيحتاج إلى مراجعة تتجاوز عدد القرارات المنفذة.

ولا يعني ذلك أن كل نقل يضر باستقرار التعليم، أو أن بقاء المعلم في مدرسته الخيار الأفضل في جميع الحالات، فاستقرار المدرسة لا يتحقق بمجرد تجميد أوضاعها، إذا كانت تعاني نقصًا في تخصصات أساسية أو تفاوتاً في الأنصبة التدريسية، لكن التغيير الناجح يحتاج إلى خطة انتقال واضحة تتضمن معرفة ما إذا كانت المدرسة الجديدة جاهزة لاستقبال المعلم، وضمان تسليم المهام التعليمية، ومتابعة انتظام الحصص، وإتاحة قناة سريعة لمعالجة الحالات التي يظهر فيها خلل بعد التنفيذ.

وفي بيانها المنشور في 13 أكتوبر، قالت وزارة التربية: إن نسبة الأنصبة التدريسية الواقعة ضمن الحدود المناسبة استقرت بعد دراسة التظلمات عند 75% على مستوى المناطق التعليمية، مقارنة بـ34% قبل تنفيذ الخطة، كما أقرّت بوجود عجز متبقٍّ في بعض التخصصات، مؤكدة استمرار العمل على معالجته.

وتوفر هذه البيانات نقطة بداية للتقييم، لكنها تستدعي نشر مؤشرات لاحقة توضح ما إذا كان التحسن في توزيع الأنصبة قد انعكس على انتظام الدراسة وجودة التعليم.

إصلاح مستمر

تقدم قرارات إعادة توزيع المعلمين اختباراً مهماً للإدارة التعليمية من حيث قدرتها على الانتقال من معالجة الخلل بعد تراكمه إلى تخطيط مستمر يستند إلى بيانات دقيقة عن أعداد الطلاب والفصول والتخصصات والاحتياجات المتوقعة؟ فالوزارة نفسها أشارت إلى العمل على ربط سجل المعلم بسجل الطالب لتحديد الاحتياج الفعلي لكل مادة، وهي خطوة يمكن أن تقلل من القرارات المبنية على أرقام غير مكتملة أو قديمة، إذا اقترنت بتحديث البيانات ومراجعتها دوريًا.

كما أن قبول 1311 تظلمًا يوضح أهمية إبقاء باب المراجعة مفتوحاً، وأن تُعامل الحالات الصحية والاجتماعية وبُعد المسافة وفق معايير معلنة، لا باعتبارها استثناءات تُبحث بعد تصاعد الاعتراضات.

إن جهود وزارة التربية الكويتية لإعادة توزيع الكوادر التعليمية تعكس توجهاً نحو تعزيز كفاءة المنظومة المدرسية وتحقيق الاستفادة المثلى من الخبرات المتاحة، بما يدعم انتظام العملية التعليمية ويلبي احتياجات المدارس بمختلف المناطق والتخصصات، كما أن دراسة التظلمات والاستجابة لعدد منها تؤكد أهمية المتابعة المستمرة ومراعاة خصوصية الحالات، في إطار الحرص على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والظروف الإنسانية والمهنية للمعلمين.

وتظل هذه الجهود خطوة مهمة نحو بيئة تعليمية أكثر استقراراً وتكاملاً تتضافر فيها مسؤولية الإدارة التربوية وخبرات المعلمين من أجل الغاية الأسمى وهي توفير تعليم أفضل للطلاب، وتعزيز جودة المخرجات التعليمية بما يواكب تطلعات الكويت ومستقبل أبنائها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة