فقه القيادة عند لحظة الانكسار

هشاشة السلطة.. بشر بن مروان بين الإمارة والموت

أحمد سعد الدين

03 سبتمبر 2026

217

لوحة تعبيرية للأمير بشر بن مروان جالساً على عرش مذهّب داخل قاعة قصر أموي مزخرفة، يرتدي ثياب الإمارة الفاخرة ويحمل مخطوطة، وهو يخاطب حشداً من الرعية والجنود المنصتين له.

أورد الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، ترجمة التابعي الجليل بشر بن مروان(1)، أحد أبرز أمراء الدولة الأموية، الذي اجتمع له شرف النسب، وسعة الولاية، واشتهر بالجود والكرم، غير أن سيرته لا تُقرأ بوصفها خبراً تاريخياً عن أمير مضى فحسب، بل تحمل في طياتها تأملاً عميقاً في طبيعة الإنسان وتقلب أحواله؛ إذ تكشف كيف ينتقل المرء من رحابة السلطان وهيبة المنصب إلى مواجهة لحظات الضعف والمرض وحقيقة المصير.

ومن خلال التأمل في قصة بشر بن مروان تتجلى دروس متعددة في معنى القيادة، وحدود النفوذ، وحقيقة العلاقة بين الإنسان والنعم التي بين يديه؛ فالسلطة مهما اتسعت، والمكانة مهما علت، تبقى خاضعة لسنن الله التي تجري على الخلق جميعاً.

وقد جاءت ولاية بشر بن مروان في مرحلة دقيقة من التاريخ الأموي، عقب مقتل مصعب بن الزبير واستعادة الخليفة عبدالملك بن مروان السيطرة على العراقين، حيث أصبحت هذه الولاية من أهم ركائز تثبيت الدولة وإعادة إحكام نفوذها، ومن هنا تبدو شخصية بشر بن مروان نموذجاً كاشفاً لطبيعة القيادة السياسية في ذلك العصر؛ قيادة تستند إلى قوة النسب، وهيبة السلطان، والقدرة المالية، لكنها في الوقت ذاته تظل محكومة بحدود الإنسان، فلا تعصم صاحبها من سنن الابتلاء والتغير والزوال.

بين طموح التوسع السياسي وهشاشة الوجود الإنساني

كان بشر بن مروان صورة للأمير الذي أحاطت به أسباب القوة؛ فهو ابن خليفة وأخو خليفة، وصاحب ولاية واسعة، وقد نقلت الأخبار عنه الجود والكرم، لكن الإنسان مهما ارتفع مقامه يبقى أسير طبيعته البشرية، وهذا ما يظهر في انتقال شخصيته بين حالين متناقضين؛ حال الاستقرار والتمكين، ثم حال العجز أمام الألم.

إن طلبه المزيد من الولايات حين قال لأخيه: إن إحدى يديه مشغولة بالعراق والأخرى فارغة يكشف طبيعة الطموح السياسي عند أصحاب المناصب الكبرى؛ فالمسؤولية قد تتحول أحياناً من خدمة للمجال الموكل إلى رغبة في توسيع دائرة النفوذ، والانغماس في السعي نحو مظاهر التمكن وزخرف السلطان، وليس المقصود من ذلك الحكم على النيات، وإنما قراءة الظاهرة الإنسانية التي تجعل القوة مجالاً للامتداد المستمر، وتدفع صاحبها لطلب المزيد مما يظنه خلوداً وتمكيناً.

وهذا النزوع البشري نحو الانبهار بالجاه والافتتان بالطيبة المعجّلة يضعنا أمام مفارقة عميقة حين يُقاس بالمنظور الرسالي للأشياء؛ ويظهر هذا المعنى جلياً في موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فرآه على حصير قد أثّر في جنبه، وعلى رأسه وسادة من أَدَمٍ حَشْوُها ليف، فنظر عمر في البيت فلم يرَ إلا أَهَباً عطِناً في ناحية، فلم تملك عينُه الدمعَ أمام هذا العيش الكفاف، فبكى وقال: يا رسول الله، أنت رسول الله وخيرته، وهذا كسرى وقيصر في الذهب والحرير! فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ليعيد تصحيح الموازين الحاكمة للملك والنعم، قائلاً: «أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا»(2).

إن هذا الموقف النبوي يضع سلطة الجاه وزينة الملك في نصابها الصحيح، ويكشف سرعة تحول أحوال الإنسان حين يغفل عن حقيقة وجوده؛ وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً) (الأنعام: 44)، فالمشكلة ليست في امتلاك النعمة ولا في اتساع النفوذ، وإنما في غياب الوعي بأن النعم عارية مؤقتة لا تمنح صاحبها حصانة من قدر الله، وأن الاستغراق في النعيم المعجل قد يحجب البصيرة عن إدراك حقيقة الزوال.

كيف يحافظ العالم على استقلاله عند الحكام؟

تكشف مقابلة بشر للحسن البصري عن جانب آخر من المشهد؛ فالأمير الذي تحيط به الحراسة والهيبة يستدعي عالماً من علماء البصرة ليسأله عن مسألة تتعلق بالزكاة، وهنا ينجلي الفارق الدقيق بين هيبة السلطان ونور العلم؛ فقد دخل الحسن البصري مجلس الأمير دون أن يفرط في استقلاله العلمي، أو ينزلق إلى فتنة القرب من السلطة، مستحضراً ببصيرته ذلكم التحذير المبكر الذي أطلقه الصديق أبو بكر رضي الله عنه حين دخل عليه عبد الرحمن بن عوف في مرض موته، فقال بلسان الخبير بغوائل الزمان: «رأيت الدنيا قد أقبلت ولما تقبل وهي جائية، وستتخذون ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألمون ضجائع الصوف الأذربي كأن أحدكم على حسك السعدان، ووالله لئن يقدم أحدكم فيضرب عنقه في غير حد خير له من أن يسبح في غمرة الدنيا»(3).

لقد تمثل الحسن البصري هذا الفهم الحذر لخطورة الانغماس في «غمرة الدنيا» وزخرفها؛ فأجاب الأمير بجواب يجمع بين الفقه والحكمة، دون أن تستبده فخامة المجلس أو يطغى عليه بريق الرياسة، لم يكن موقف الحسن مواجهة صدامية مع السلطة تُغلق أبواب النفع، ولا خضوعاً لها يمحو استقلال العالم، بل كان نموذجاً فريداً للتعامل الحكيم الذي يوازن بين بيان الحق وحفظ المقاصد، وهذا هو عين فقه الدعوة؛ فالكلمة الحكيمة لا تقاس فقط بصحتها الفقهية، بل بقدرتها على الوصول إلى مكامن التأثير في الوقت المناسب وبالأسلوب المناسب.

وفي واقع الناس اليوم، يشتد احتياج أصحاب العلم والإصلاح إلى هذا المزيج من الحكمة والترفع في التعامل مع أصحاب النفوذ والمؤسسات؛ ليتحقق السلام الداخلي للداعية والسلامة لمشروعه، فالغاية ليست مجرد إعلان الموقف واستعراض المبدأ، بل تحقيق أثر الإصلاح بأكبر قدر من الرشد، والنفاذ بالحق دون السباحة في غمرة الجاه أو الغرق في حبال السلطان.

مفارقة القيادة بين إدارة الدولة ومواجهة العجز

أظهر بشر قدرة فائقة على إدارة شؤون ولاية واسعة، لكنه عند ابتلاء الجسد دخل في اختبار مختلف تماماً؛ فإدارة الدولة وحشودها شيء، وإدارة الخوف الداخلي أمام الألم والضعف شيء آخر، وتكشف قصة المرض عن جانب نفسي عميق؛ أن الإنسان قد يكون قوياً في ساحات النفوذ والسطوة، لكنه يواجه حقيقة نفسه حين يفقد السيطرة على جسده، إذ يوضح رفض القرار المؤلم في لحظة المرض أن القيادة لا تكتمل أبداً بمجرد القدرة على إصدار الأوامر للآخرين، بل تتطلب بناء قيادة داخلية شجاعة تملك زمام النفس وتتخذ القرارات الصعبة حين تكون الكلفة شخصية ومؤلمة.

وتتجلى ذروة هذه القيادة الداخلية في أحلك لحظات الخطر، حين تستعلي النفس على الفزع وتملك زمام أمرها، كما تمثلت في أعلى صورها وأجلّها في ثبات النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ فعندما انكمش المسلمون وتراجعوا في مضايق الوادي تحت رشق السهام المتساقطة، ثبت صلى الله عليه وسلم على بغلته وسط أخطار المعركة المحاطة بالموت، يركض بها نحو العدو ويُنادي بشجاعة وضبط نفسي عظيم: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»(4)، وأدار الأزمة بنفسه بصلابة وثبات حتى ثاب المسلمون وانقلبت الهزيمة نصراً.

إن هذا المبدأ يتكرر في حياة القادة والمديرين وأصحاب المسؤوليات في كل عصر؛ فقد ينجح الإنسان في قيادة الآخرين، لكنه يحتاج دوماً إلى بناء تلك السيطرة والقيادة الداخلية لنفسه في لحظات الضعف أو الانكماش، ولهذا كانت من أعظم صفات القائد الناجح القدرة على تقديم المصلحة الكبرى على الخوف اللحظي والتردد، سواء كان ذلك في إدارة مؤسسة، أو إصلاح أسرة، أو مواجهة أزمة شخصية حاسمة.

حين ينتهي المنصب ويبقى الإحسان في الذاكرة

حين مات بشر بن مروان بكى الناس ورثاه الشعراء؛ ما يدل على أن العلاقة بين الحاكم والمجتمع لا تقوم فقط على السلطة، بل تتأثر أيضاً بصورة الشخص في ذاكرة الناس، وقد كان الجود والكرم من الصفات التي تترك أثراً اجتماعياً واسعاً، حتى مع تغير الأحوال.

ويكشف هذا الجانب أهمية الأثر الذي يتركه الإنسان في محيطه؛ فالمنصب ينتهي، لكن السيرة تبقى، وقد يحفظ الناس للإنسان إحسانه وإن اختلفوا معه في بعض جوانب سيرته أو سياسته.

وفي عصرنا المعاصر، حيث أصبحت الصورة العامة جزءاً من صناعة التأثير، يبقى العمل الحقيقي وخدمة الناس هما الرصيد الأكثر بقاءً من مظاهر الشهرة المؤقتة.

مفارقة بشر بن مروان.. من سرير الإمارة إلى حقيقة الموت

أقوى ما في القصة تلك المفارقة الزمنية الحادة؛ ففي يوم كان الأمير على سرير النعيم، تحيط به مظاهر القوة، ثم في اليوم التالي صار خبراً يحمله الناس، وهذه المفارقة ليست خاصة ببشر، بل هي سُنة إنسانية عامة تذكر الإنسان بأن القوة مهما بلغت لا تمنع النهاية؛ قال الله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) (النساء: 78)، فالموت لا يفرّق بين قصر وبيت، ولا بين صاحب ولاية ومن لا ولاية له.

ومن هنا يظهر أن أعظم ما يحتاجه الإنسان مع النعمة ليس الخوف منها، بل شكرها، ومع القوة ليس الاغترار بها، بل استعمالها في الخير.

دروس ممتدة في القيادة والتربية

تكشف قصة بشر بن مروان أن النجاح الظاهري لا يغني عن بناء الإنسان من الداخل؛ فالقائد يحتاج إلى العلم كما يحتاج إلى القوة، وإلى الحكمة كما يحتاج إلى السلطة، وإلى الثبات النفسي كما يحتاج إلى الإمكانات.

وفي الحياة المعاصرة، تظهر هذه المعاني في كل مجال: في الأسرة حين يواجه الإنسان أزمات مفاجئة، وفي العمل حين تتغير الظروف، وفي الدعوة حين يحتاج المصلح إلى الحكمة، وفي الإدارة حين يصبح القرار الصعب ضرورة لا خياراً.

إن القوة الحقيقية ليست في امتلاك الأسباب فقط، بل في معرفة حدودها، والاستعداد للحظة التي تتغير فيها الموازين.

يبقى خبر بشر بن مروان من الأخبار التي تحمل معنى يتجاوز زمانها؛ فهو قصة أمير أموي، لكنه في الوقت نفسه قصة الإنسان أمام النعمة والابتلاء، فقد اجتمعت فيه صورة السلطة والكرم والطموح، ثم جاءت لحظة المرض لتكشف أن الإنسان مهما بلغ يبقى محتاجاً إلى ربه، وأن أعظم قيادة هي قيادة النفس قبل قيادة الآخرين.

الهوامش
  • 1 بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي القرشي، أمير أموي من التابعين، وهو أخو الخليفة عبدالملك بن مروان. اشتهر بالإمارة والجود ومجالسة الشعراء والأدباء، حيث ولاه أخوه الكوفة ثم جمع له إمرة العراقين (الكوفة والبصرة)، وقد سكن دمشق ثم انتقل إلى العراق، وتوفي بالبصرة سنة 74هـ.
  • 2 تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ج 4، ص 126 – 128.
  • 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج 1، ص 61، 66.
  • 4 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج 4، ص 103 – 105.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة