هكذا سنحتفل بالعيد


ما بين زغاريد الأمهات في صباحات العيد، وصوت التكبيرات في المساجد، وصرخات الأطفال تحت الركام في غزة، يُولد السؤال الجارح: كيف نفرح وأمتنا تنزف؟ كيف نحمل أطفالنا إلى المصلى بثياب جديدة، بينما هناك في الشق الآخر من الأمة من يُكفّن أبناءه في الأكفان؟ أهو انفصام شعوري؟ أم عجز عن الموقف؟ أم أننا بحاجة لإعادة تعريف الفرح ذاته في ظل المأساة؟

الفرح في الإسلام عبادة، لكنه عبادة ذات مقصد. ليست بهجة العيد طقساً عابراً، بل هي إعلان نصر داخلي على الضعف، وإحياء لمعنى الأمة في القلوب. قال تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" [يونس: 58]. فرح المؤمن لا يُبنى على غفلة، بل على فهم، وارتباط بمقاصد الشريعة التي جعلت العيد تتويجًا للطاعة، لا هروباً من الألم.

وفي تاريخنا، لم تكن أعياد المسلمين يوماً خالية من الدماء والابتلاءات، لكنها كانت دائماً مليئة بالكرامة والعزة. يوم فتحت مكة، دخل النبي صلى الله عليه وسلم متواضعًا، رافعًا شعار الرحمة والغفران. لم تكن زينة النصر في الشوارع، بل كانت زينة القلوب، وزينة الموقف النبوي العظيم. وفي غزوة بدر، نزل العيد على المؤمنين كفرحٍ مشوب بدماء الشهداء، لكنه لم يُمنع، بل ازداد بهاءً لأنه كان معجونًا بالصبر.

اليوم، تقف الأسرة المسلمة في مفترق طرق بين أن تفرح منفصلةً عن واقع أمتها، أو أن تفرح بوصلٍ واعٍ بين الفرح والواجب. وتحديداً في مجتمعات الخليج، وفي الكويت على وجه الخصوص، حيث الأمن والنعم، يقع على عاتقنا دورٌ مضاعف في غرس هذا الوعي. لا نريد لأطفالنا أن يروا العيد مجرد "هدايا" و"ملابس"، بل نريده أن يكون "قيمة" تُصاغ في سياق الأمة الكبرى، في سياق طوفان الأقصى.

كيف نُعيد صياغة العيد في بيوتنا؟ كيف نمنع هذا اللبس بين الفرح المشروع والفرح المذموم؟

نبدأ من الحديث مع الأبناء: أن نروي لهم قصص أطفال غزة لا لنكسر قلوبهم، بل لنوقظ فيها النبل. أن نقول لهم: "نحن نفرح لأننا أمة واحدة، نفرح لنقوَى على النصرة، لا لننسى الجراح."

ثم نربط مظاهر العيد بمواقف عملية: جزء من العيدية يُرسل لدعم المحاصَرين، وثوب العيد يُختار بمسؤولية لا استعراض، والعيدية تُربط بمشروع صغير في العائلة عنوانه "عيدنا... نصرة".

نصلي معهم صلاة العيد، وندعو في قنوتنا: "اللهم اجعل عيدهم القادم في القدس وهم محررون"، ونُعلّمهم أن التكبير لا ينحصر في المساجد، بل يُرفع في وجه الظلم أيضاً.

إن حماية أطفالنا من "اللبس الشعوري" الذي قد يُصيبهم مع تكرار مشاهد الحرب والدمار على شاشات الهواتف، لا يعني عزلهم عن الواقع، بل توجيه مشاعرهم ليصبحوا جزءاً من الحل، لا ضحيةً للتبلد. نُربيهم على أن الفرح لا يعني النسيان، بل يعني أننا سنبقى نحب الحياة، لكن الحياة التي فيها كرامةٌ لأمتنا، لا استسلام فيها.

وما أحوجنا في هذه اللحظات إلى فهمٍ مقاصديّ عميق، يُصالح بين متطلبات الطفولة ووجع الأمة. ففي الوقت الذي نُلبس فيه أبناءنا أجمل الثياب، يجب أن نلبسهم كذلك أثواب المروءة والكرامة، ونُدخل على قلوبهم معاني المسؤولية. فهؤلاء الصغار، هم رجال الغد، وقادة التغيير، وسُفن النجاة التي ستعبر هذا الطوفان.

ليكن العيد هذا العام مشروعاً لتكوين إنسان لا ينفصل عن الأمة، مشروعاً تربويًا، لا مناسبة وقتية. نُعيد فيه ضبط البوصلة نحو القدس، ونحو غزة، ونحو مفاهيم القوة والنصرة والوعي. ليكن العيد فرصةً لنغرس في أولادنا أن العيد الحق، هو حين ننتصر لأمتنا، وحين نصلي العيد القادم في ساحات المسجد الأقصى محرراً، مكبرين، متماسكين، معتزين بأننا لم نكن في زمن الطوفان من الغافلين.

 

 

 

 

 


كلمات دلاليه

الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة