معبد الإلحاد يهتز (23)

هل القرآن «فلكلور صحراوي»؟!

يبدو أن الإلحاد حين يعجز عن مواجهة القرآن الكريم في عمقه الدلالي والفكري، يلجأ إلى حيلة قديمة مكررة؛ تحويل الوحي إلى «مشهد بدوي ضيق»، ثم السخرية من هذا المشهد المُختَلَق وكأنه هو الحقيقة الكاملة، فيُصوَّر القرآن الكريم باعتباره «كتاب رحلات لقافلة صحراوية»، وليس رسالة إلهية غيَّرت وجه التاريخ وأسَّست حضارة عالمية امتدت من الأندلس إلى الصين، لكن هذه الطريقة في النقد تكشف في الحقيقة غباء صاحبها، لأن القرآن الكريم لا يُقيَّم بعدد الحيوانات أو الفواكه أو القارات التي ذُكرت فيه، بل بقدرته على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان، وبناء حضارة عالمية حقيقية.

نص الشبهة

من أكبر المضحكات في الفكر الديني هو ادعاء العالمية لنصٍّ لا يرى أبعد من أنف الناقة، يخبرونك أنها رسالة للبشرية جمعاء، لكنك بمجرد أن تفتح الكتاب، تجد نفسك في حصار جغرافي خانق، وكأن الخالق لم يكتشف من كوكبه سوى رمال الحجاز وبساتين الشام!

1- إله يسكن المنطقة الدافئة فقط!

لماذا تقتصر جنة الإله على النخل، العنب، الرمان، والزيتون؟

أين هي فاكهة الدوريان في آسيا؟ أين الأفوكادو في المكسيك؟ أين غابات الأمازون؟

لماذا يقسم الإله بالتين والزيتون، ولا يقسم بالجليد أو براكين المحيط الهادي؟

الحقيقة: النص لا يصف خلقاً إلهياً شاملاً، بل يصف قائمة تسوق لتاجر قرشي في القرن السابع.

2- حديقة حيوان قاصرة:

يتحدث النص عن الإبل والخيل والبغال، وكأنها قمة الهرم الحيوي.

أين البطريق؟ أين الكنغر؟ أين الدب القطبي؟

هل كان الخالق يجهل وجود قارات كاملة خلف البحار؟ أم أن الوحي ببساطة لم يتجاوز ما رأته أعين الرعاة في تلك البقعة؟

3- غياب الآخر البعيد:

الرسالة التي تدعي أنها لكل الشعوب، تتجاهل تماماً شعوب الإنكا، المايا، الآزتك، وأبناء الجزر النائية، لم تذكر حضاراتهم، لم تخاطب آلامهم، ولم تعرف حتى بوجودهم.

الخطاب موجه حصراً لذهنية البدوي: «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت؟».

سؤال منطقي: ماذا لو قرأ هذا النص إنسان يعيش في القطب الشمالي ولم يرَ جملاً في حياته؟ هل هذه رسالة عالمية أم مجرد فلكلور صحراوي يحاول فرض نفسه بالقوة؟

4- المحيطات التي صارت بحوراً:

يتحدث النص عن البحار وكأنها مجرد ممرات للسفن الشراعية البسيطة (الفلك)، لا أثر للمحيطات العظمى، ولا إشارة لظلمات أعماق سحيقة لا تصلها الشمس، ولا ذكر لتيارات المحيط التي تحرك مناخ الكوكب، كل الوصف هو بحران يلتقيان بأسلوب أسطوري بسيط يناسب خيال بحار بدائي.

باختصار، النص الديني ليس رسالة من السماء، بل هو صدى للبيئة، هو كتاب كُتب بمداد الصحراء، وبخيال لا يتعدى حدود القافلة، ادعاء العالمية هو مجرد توسع استعماري لاحق، أما النص الأصلي فهو محلي بامتياز، ولو كان إلهياً فعلاً لرأينا فيه اتساع الكون، لا ضيق الخيمة» ا.هـ

الرد على الشبهة

أولاً: مغالطة «القائمة الكونية»:

الوهم الأكبر في الشبهة، أن صاحب الشبهة يفترض معيارًا غريبًا لم يقله أحد في تاريخ الفكر الإنساني، وهو أن النص الإلهي يجب أن يكون «موسوعة جغرافية وبيولوجية شاملة» تذكر كل فاكهة (دوريان، أفوكادو..) وكل حيوان (كنغر، بطريق، دب قطبي..) وكل قارة وحضارة حتى يكون «عالمياً»! هذا المعيار باطل منطقيًا للأسباب التالية: لو طبقناه على أي كتاب في التاريخ لاتهمنا كل الكتب بالمحلية وأنها فلكلور، فكتب أرسطو اليونانية لم تذكر الصين، ولا كتب الهند ذكرت أوروبا، ولا حتى الكتب العلمية الحديثة (مثل «أصل الأنواع» لداروين قدوة الملحدين) سردت كل الكائنات على الأرض.

إذن النص الإلهي ليس موسوعة، إنما هو رسالة هداية، ولو كان قائمة تسوق كونية لكان كتابًا لا نهائيًا غير قابل للحفظ أو الفهم، القرآن الكريم يقول صراحة: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم: 4)، فالخطاب يبدأ بالمألوف ليصل إلى الكوني، وهذا مبدأ بلاغي وعقلي لا يُناقش.

والقرآن الكريم نفسه يستخدم تعبيرات عامة تفتح الباب لكل الخلق: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ) (الواقعة: 32)، (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 8)، (وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) (النحل: 11)، لم يقل الله تعالى «هذه فقط»؛ بل أعطى أمثلة مألوفة ليُفهَم المعنى: النعمة والتأمل.

ثانياً: جنة «المنطقة الدافئة»:

وصف الثواب بلغة المخاطَب لا يحد من الكونية.. الشبهة تسخر من ذكر النخل والعنب والرمان والزيتون، القرآن الكريم يصف الجنة بما يفهمه العربي في القرن السابع لكن يؤكد صراحة أنها أعظم، قال الله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: 17)؛ أي أن الوصف جزئي ومُبسَّط، والحقيقة أكبر مما يتخيله بشر، وهذا ينسف الادعاء بأنها «قائمة تسوق قرشية».

أما القسم بالتين والزيتون (سورة «التين») ليس جغرافيًا، بل بلاغيًا؛ يقسم الله تعالى بأشياء معروفة للمخاطَب ليُلفت الانتباه إلى نعمة الخلق والإرسال، لو أقسم سبحانه بالجليد أو براكين المحيط الهادئ لما فهم العربي شيئًا، ليصبح الخطاب غير مقنع، فالعالمية في المعنى وليس في الاسم.

ثالثاً: حديقة الحيوان «القاصرة» والآية الكريمة عن الإبل:

الشبهة تسأل: أين البطريق والكنغر والدب القطبي؟

الآية الكريمة: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (الغاشية: 17) ليست «تمجيداً للجمل» بل دعوة للتأمل في كائن معروف للمخاطَب، والغرض: النظر في آية الخلق، ولو كان الخطاب لسكان القطب الشمالي لقال عز وجل وله المثل الأعلى: «أفلا ينظرون إلى الحوت كيف خُلق»، أو «إلى الدب كيف خُلق»، فالفكرة واحدة: التأمل في الخلق المحيط.

القرآن الكريم لا يقتصر على الإبل؛ يذكر الخيل والبغال والحمير (النحل: 8)، والطير: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل: 79)، والدواب: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (النور: 45)، ويصف الخلق عامة: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: 18).

القرآن الكريم ليس «دليل حيوانات»، والملحد الأهوج الذي يطالب بذكر كل نوع يطالب بكتاب لا ينتهي!

رابعاً: غياب «الآخر» البعيد:

القرآن الكريم كتاب هداية وليس موسوعة تاريخية، القرآن الكريم ليس «دليلاً سياحياً عالمياً»، وهو حين يذكر الأمم السابقة (عاد، ثمود، فرعون..) يذكرها للعبرة الأخلاقية وليس للإحصاء لكل أمم الأرض، ولو ذكر حضارات أمريكا لقال العرب: «ما هذه الأسماء؟ أثبت وجودها!»، وهم الذين لم يغادروا حدود مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولأضحى الوحي مرفوضًا، بدلًا من ذلك ركز القرآن الكريم على ما يُصدَّق ليبني الإيمان، ثم أعطى مبادئ عامة تنطبق على كل شعب: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: 36).

لقد انتشرت الإسلام في فارس والهند والصين وأفريقيا وجنوب شرق آسيا وأوروبا دون أن يذكر هذه الحضارات أصلاً، الشعوب اعتنقت الإسلام لأن المبادئ (التوحيد، العدالة، الكرامة) عالمية، ولو كان النص «بدوياً» لما تجاوز الحجاز.

خامساً: المحيطات التي صارت «بحورًا» وصف علمي يفوق معرفة البيئة الصحراوية:

الشبهة تقول: إن القرآن الكريم يصف البحار بسطحية!

يقول الله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ) (النور: 40)، «لجِّي» عميق جدًا.

الظلمات المتراكبة + موج من فوق موج = وصف دقيق للظلام في أعماق المحيط (أكثر من 200 متر) والموج الداخلي، وهو أمر لم يكن معروفاً للبدو ولا للبحارة العرب في القرن السابع الميلادي، واكتشفه العلم الحديث بغواصات فقط.

يقول الله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ {19} بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ) (الرحمن) = ظاهرة التقاء المياه المختلفة الكثافة (مالحة وعذبة) دون اختلاط كامل، وهي ظاهرة معروفة علميًا اليوم في مضيق جبل طارق وغيره.

وهذا ليس وصف بحار بدائياً؛ بل وصف يفوق المعرفة البشرية لعرب الصحراء، ولو كان صدى للبيئة أو مجرد فلكلور صحراوي كما يزعم الملحد الأفاك لما وصف أعماقاً لم يصل إليها بشر.

سادساً: العالمية الحقيقية في الفكرة وليس في الجغرافيا:

القرآن الكريم يعلن عالميته صراحة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (الأعراف: 158)؛ كلمة «الناس» و«العالمين» عامة، والقرآن الكريم يأمر بالتفكر في الكون كله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) (العنكبوت: 20)، وهذه آية كريمة صريحة تشجع على الاستكشاف.

إن هذه الشبهة تحاكم القرآن الكريم بمعيار مستحيل: «لماذا لم يكن القرآن الكريم موسوعة كونية وعلمية وتاريخية وجغرافية وبحرية وفضائية؟!».

إن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم، وليس كتالوجًا، ويخاطب الإنسان بما يعرفه، ثم يفتح له أبواب التأمل في الكون كله، ولو كان «بدويًا محليًا» كما يزعم الملحد الموتور، لما استطاع أن يبني حضارة عالمية امتدت قرونًا وألهمت علماء من كل الأعراق، ولما يقرأه اليوم أكثر من مليار ونصف المليار في كل قارة بما فيهم من في القطب الشمالي أو غابات الأمازون.

إن المشكلة ليست في «ضيق النص»، بل في ضيق عقل الملحد، وعمى عينه التي ترى في القرآن الكريم فقط «الجَمل والنخلة» وهي عين لا ترى إلا غيمة صغيرة في سماء مليئة بالكون اللانهائي، أما من يتأمل بعمق فيجد رسالة عالمية خالدة تكلم كل إنسان في كل مكان وزمان.

مقالات ذات صلة:

هل خلق الله الإنسان في أحسن تقويم؟!

لماذا يجبرنا الله على الصلاة؟

هل الزمان أزلي؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة