معبد الإلحاد يهتز (38)
هل الله لا يعلم الغيب؟
تدور المجرات بنظامٍ لا يختل، وتجري الذرات بقوانين لا تتخلف، ويتجلى علمٌ أزليٌّ محيطٌ لا يُحاط به زمان ولا مكان هو علم الله الخالق عز وجل.. علمٌ ليس كعلم المخلوقين؛ فلا يزداد بوقوع الحوادث، ولا ينقص بمرور اللحظات، بل هو صفةٌ ذاتيةٌ لله تعالى الذي خلق الزمن وهو خارج الزمن، وأحاط بكل شيء علمًا قبل أن يكون وبعد أن يكون.
والإلحاد المعاصر يتعامل باستخفاف مع
العقول في أصلٍ من أصول التوحيد.. وهو علم الله المطلق. فيتساءل الملحد الكفور:
كيف يقول القرآن «إلا لنعلم» و«وعلم أن فيكم ضعفًا» إذا كان الله يعلم كل شيء
أزلًا؟ ويحسب أن هذه الألفاظ تضع المؤمن أمام خيارين مزيفين: إما نقص العلم
الإلهي، أو بشرية القرآن!
نص
الشبهة:
«هل الله يعلم؟ أنا أرى أن القرآن لا
يمكن أن يكون كلام الله؛ لأن فيه أمثلة واضحة على أنه يتغير بتغير الظروف، بل إن
بعض الآيات تجعلنا أمام إله يتعامل مع الأحداث وكأنه ينتظر وقوعها حتى يعلم ما
سيحدث. أولًا: القرآن يتغير بتغير الظروف. في سورة الأنفال نجد أن الله يقول: ﴿يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۖ إِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ
مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا
يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65]. ثم تأتي الآية التالية مباشرة: ﴿الْآنَ خَفَّفَ
اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۖ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ
مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۖ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ
يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[الأنفال: 66]. وهنا السؤال واضح: لماذا تغير الحكم؟ في البداية كان المطلوب من
عشرين مسلمًا أن يواجهوا مئتين، ومن مائة أن تواجه ألفًا، ثم أصبح المطلوب من مائة
مواجهة مئتين، ومن ألف مواجهة ألفين. والقرآن نفسه يقول: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ
عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾. أي أن الله خفف الحكم عندما علم أن
المسلمين ضعفاء. وتفسير الطبري نفسه يقول: «ثُمَّ خَفَّفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ عَلِمَ ضَعْفَهُمْ». كما يُروى عن ابن عباس: «لَمَّا نَزَلَتْ
هَذِهِ الْآيَةُ ثَقُلَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْظَمُوا أَنْ يُقَاتِلَ
عِشْرُونَ مِائَتَيْنِ، وَمِائَةٌ أَلْفًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ،
فَنَسَخَهَا بِالْآيَةِ الْأُخْرَى». إذن نحن أمام حكم تغير عندما تغيرت الظروف.
فإذا كان الله يعلم كل شيء، فلماذا احتاج إلى أن يعلم ضعفهم حتى يخفف الحكم؟ هل
كان لا يعلم أنهم ضعفاء قبل ذلك؟ إذا كان يعلم، فلماذا قال: «وعلم أن فيكم ضعفًا»؟
وإذا لم يكن يعلم، فكيف يكون كامل العلم؟ ثانيًا: المشكلة الأكبر هي كلمة «لنعلم».
هذه المشكلة لا تتعلق بالأنفال وحدها. في سورة سبأ يقول القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ
عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ
بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ
حَفِيظٌ﴾ [سبأ: 20-21]. لماذا يقول الله: «إلا لنعلم»؟ إذا كان الله يعرف منذ
الأزل من سيؤمن ومن سيكفر، فلماذا يحتاج إلى أن يجعل إبليس يؤثر في الناس حتى
«يعلم»؟ هل الله لا يعرف النتيجة مسبقًا؟ هل ينتظر التجربة حتى يعرف من سيؤمن؟
ثالثًا: تغيير القبلة يطرح المشكلة نفسها. في سورة البقرة يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا
الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً
إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ
إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143]. مرة
أخرى يقول الله: «إلا لنعلم من يتبع الرسول». لكن أليس الله يعلم مسبقًا من سيتبع الرسول
ومن سينقلب على عقبيه؟ فلماذا يحتاج إلى تغيير القبلة حتى يعرف؟ أليس هذا معناه أن
المعرفة جاءت بعد حدوث الاختبار؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين العلم المطلق؟ رابعًا:
أصحاب الكهف. المشكلة نفسها تظهر في قصة أصحاب الكهف: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ
لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: 12].
لماذا بعثهم الله لكي «يعلم» أي الحزبين أحصى لمدة لبثهم؟ أليس الله يعلم مسبقًا
كل ما سيحدث؟ فإذا كان يعرف النتيجة قبل بعثهم، فلماذا يقول: «لنعلم»؟ وإذا كان لم
يكن يعرفها إلا بعد أن حدثت، فهذا يعني أن علم الله يتجدد مع الأحداث. وهذا يعني
أن علمه ليس مطلقًا. ومن هنا يكون السؤال الحاسم: هل القرآن فعلًا كلام إله كامل
العلم، أم أنه نص بشري يتحدث عن الله بلغة بشرية محدودة؟» ا.هـ
الرد على
الشبهة:
الملحد يحاول أن يضرب أصلًا من أصول
العقيدة.. علم الله المطلق. يقول الملحد: إذا كان الله يعلم كل شيء أزلًا، فلماذا
يقول القرآن: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؟ ولماذا يقول: ﴿إِلَّا لِيَعْلَمَ﴾؟ ولماذا يقول
في سورة الأنفال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ
ضَعْفًا﴾؟ أفلم يكن الله يعلم ضعف المسلمين قبل أن يقع؟ وهنا يتصور الملحد أن
القرآن الكريم وضعنا أمام أحد احتمالين: إما أن الله كان لا يعلم ثم علم، وهذا
يناقض كمال علمه؛ وإما أن القرآن الكريم ينسب إلى الله شيئًا لا يصح، فيكون القرآن
كلامًا بشريًا. لكن هذه الثنائية مصطنعة؛ لأنها تفترض أن لفظ «علم» لا يمكن أن
يكون له إلا معنى واحد هو انتقال الذات من الجهل إلى العلم! وهذا غير صحيح عقلًا
ولا لغةً ولا قرآنًا.
أولًا: ما معنى العلم؟
نحن عندما نقول: «علم فلان بالأمر»
فقد يكون المقصود أنه كان جاهلًا ثم حصل له العلم. لكن هذا ليس المعنى الوحيد
الممكن للفعل «علم». قد يكون المقصود: ظهر الشيء وتحقق، فصار معلومًا في الواقع.
وقد يكون.. ظهر أثر العلم أو ترتب عليه حكم. وقد يكون: تميز الشيء عن غيره في
الواقع. واللغة العربية لا تُفهم بمجرد أخذ الفعل في صورة واحدة وإسقاطها على جميع
السياقات. والقرآن الكريم نفسه يستخدم الأفعال بحسب السياق، وليس بمعنى واحد
جامد.. فإذا قال الله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ فليس من
الضروري إطلاقًا أن يكون المعنى: «لم أكن أعلم من سيتبع الرسول، ثم سأعرف». بل
المعنى: ليظهر في الواقع من يتبع الرسول ممن لا يتبعه، فيترتب على ذلك الجزاء
والحساب. وهذا فرق جوهري.
ثانيًا: العلم الأزلي شيء،
ووقوع المعلوم شيء آخر
وهنا أصل المسألة. لنفرض أن الله
تعالى يعلم أزلًا أن رجلًا معينًا سيختار الكفر. هل اختيار الرجل للكفر وقع في
الواقع الدنيوي الذي يعيشه البشر لأن الله به عليم ومحيط؟ لا. العلم ليس هو
الفعل.. الله يعلم الفعل قبل وقوعه، ثم يقع الفعل في الزمن الذي قدره الله.. الله
عز وجل لا يخضع للزمن على الإطلاق بكل تصنيفاته: الماضي والحاضر والمستقبل.. الزمن
يخص المخلوقات فقط.
إذن لدينا شيئان مختلفان.. علم الله
الأزلي بالفعل، ووقوع الفعل في عالمنا الزمني.. ولا تناقض بينهما.. الله عز وجل
يعلم أن الإنسان سيختار غدًا. وغدًا يختار الإنسان. فإذا جاء القرآن الكريم وقال:
﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ فليس معناه أن الله تعالى لم يكن يعلم قبل
وقوع الاتباع. بل معناه أن الاتباع الذي كان معلومًا لله أزلًا صار واقعًا مشاهدًا
في عالم الخلق ودنيا البشر، وظهرت به الحجة، واستحق به صاحبه الثواب أو العقاب.
«استحالة اكتساب العلم على من هو
خارج الزمن»
لنفرض جدلا مع الشبهة أن «علم» في
هذه الآيات يعني انتقال الله تبارك وتعالى - وحاشاه - من عدم العلم إلى العلم..
هذا الافتراض يلزم منه أن الله سبحانه وتعالى خاضع للزمن.. كان في حالة، ثم صار في
حالة أخرى بعد مرور الوقت.. لكن مَن هو خالق الزمن لا يمكن أن يكون داخله كالمخلوق..
الزمن مخلوق، والمخلوق لا يُحيط بخالقه.. فلو اكتسب الله تقدس وتنزه علمًا بعد جهل
والعياذ بالله، لصار الزمن حاكمًا عليه، وهذا تناقض يستحيل على الله، فالخالق لا
يُحكم بما خلق. والنتيجة الحتمية: إما أن الله خارج الزمن وعلمه ثابت لا يزداد ولا
ينقص، أو أنه داخل الزمن وعلمه ناقص. لا ثالث. والقرآن الكريم يختار الأول صراحة
في عشرات الآيات المحكمة.
ثالثًا: وهل معنى ذلك أن
الله «يتعلم» بعد وقوع الأشياء؟
لا.. الإسلام لا يقول إن علم الله
يتطور من نقص إلى كمال.. ولا يقول إن الله تعالى يكتشف المستقبل عندما يتحول إلى
حاضر. ولا يقول إن الحوادث تمد الله بمعلومات لم تكن عنده. بل القرآن الكريم يقرر
صراحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ويقول: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ﴾. ويقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ
أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. و: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ
لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾. فلو كان معنى «لنعلم» أن الله تعالى لم يكن يعلم ثم
علم، للزم أن يكون القرآن الكريم قد قرر في مواضع كثيرة أن الله عليم بكل شيء، ثم
قرر في هذه المواضع أن علمه ناقص يحتاج إلى اكتساب المعلومات. وهذا تناقض مستحيل.
ولو حملنا «لنعلم» و«ليعلم» و«وعلم» على معنى الجهل
السابق ثم العلم اللاحق، لنتج تناقض داخلي هائل: الله عليم بكل شيء (آيات محكمة
متكررة)، والله كان يجهل ضعف المسلمين أو من يتبع الرسول أو أي الحزبين أحصى ثم
علم. فلا يمكن أن يكون الشيء نفسه عليمًا بكل شيء وجاهلًا ببعض الأشياء في آن
واحد.. إذن نفسر المتشابه في ضوء المحكم، ولا نهدم المحكم لأجل قراءة سطحية لملحد
كاره للإسلام.
رابعًا: «الآن خفف الله
عنكم وعلم»؟
قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ
اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66]. ويقول الملحد:
«الآن»! أي إن الله لم يعلم ضعف المسلمين إلا الآن! فهل كان الله تعالى قبل ذلك
يجهل أنهم ضعفاء؟ والجواب: لا. لكن السؤال نفسه مبني على خلط بين أمرين.. علم الله
بالشيء، وظهور الشيء وتعلّق الحكم به في الزمن. الله عز وجل كان يعلم ضعفهم قبل
نزول الآية. لكن الضعف نفسه كان واقعًا فيهم، ثم جاء الحكم الشرعي الموافق له في
وقته. فالآية لا تقول: «الآن علم الله للمرة الأولى أنهم ضعفاء». وإنما تقول:
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ أي جاء وقت التخفيف التشريعي. ثم: ﴿وَعَلِمَ
أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ أي أن هذا الحكم جاء موافقًا لما هو معلوم من حالهم. الآية
الكريمة لا تتحدث عن نشوء علم الله تعالى، وإنما عن نشوء حكم جديد. التغير وقع في
الحكم المتعلق بالمكلفين، وليس في علم الله.
ويزيد صاحب الملحد في الاستشهاد
بالطبري وابن عباس: «ثُمَّ خَفَّفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
عَلِمَ ضَعْفَهُمْ»، ورواية أن الآية الأولى ثقلت فخففها الله ونسخها. والجواب أن
كلام الطبري وابن عباس يصف النسخ والتخفيف من جهة المكلفين، ولا يثبت انتقال الله
من جهل إلى علم. الطبري نفسه يقرر في مواضع كثيرة أن الله سبحانه وتعالى عالم
بالأشياء قبل كونها، ويفسر «لنعلم» بالظهور والتمييز. والاستشهاد بكلام المفسرين
لإثبات ما لا يقولونه هي عادة الملحدين المفترين.
إن التشريع يتدرج ويراعى أحوال
المكلفين عبر الزمن؛ وهذا من كمال الحكمة.. فالطبيب يغير الجرعة بعد تغير حالة
المريض دون أن يكون قد جهل طبيعة المرض وحالة المريض. فكيف يُستبعد ذلك عن الشارع
الحكيم؟!
إن التغير في الحكم لا يستلزم التغير
في العلم.. فإذا جاز هذا في حق المحدود، فكيف يُستبعد عن الله عز وجل أن يتعلق
حكمه بوقت دون وقت، مع بقاء علمه أزليًا ثابتًا؟ الشبهة تخلط بين «تغير المتعلق»
و«تغير الذات».
خامسًا: لماذا يستخدم
القرآن الكريم إذن «لنعلم» بدل «ليظهر»؟
لأن القرآن الكريم يتحدث عن الجزاء
والحجة والابتلاء. والمقصود ليس معلومة نظرية عند الله تعالى.. فالله يعلمها
أصلًا.. إنما المقصود أن التمييز بين الفريقين يظهر بالفعل الذي يصدر عنهما، فالإنسان
لا يُحاسَب على علم الله السابق به، وإنما يُحاسَب على ما وقع منه. لو قال شخص:
«أنا أعلم أن فلانًا سيكذب غدًا»، ثم كذب فلان فعلًا، فإن علمك السابق لا يكون هو
الذي جعله يكذب.. وعندما يقع الكذب، يصبح الكذب واقعًا ثابتًا في العالم.. فالعلم
السابق لم يتغير، لكن المعلوم وقع.. وهذا هو المفتاح.
والحساب لا يقوم على العلم السابق
وحده.. لو كان الحساب مبنيًا على علم الله الأزلي فقط، دون وقوع الفعل في الواقع،
لانتفى معنى الابتلاء والاختيار والمسؤولية.. لكن القرآن الكريم يربط الجزاء
بالفعل الواقع: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. لذلك يقول «لنعلم» بمعنى: ليظهر
العمل في عالم الشهادة فيترتب عليه الجزاء. هذا ليس نقصًا في العلم، بل كمال في
العدل.
سادسًا: العلم الإلهي لا
يساوي «المراقبة البشرية»
الملحد يتخيل علم الله بطريقة
بشرية.. إنسان لا يعرف ماذا سيحدث، ثم ينتظر، ثم يرى، ثم يقول: «الآن علمت»! وهذا
بالضبط هو التصور الذي يجب رفضه.. الله سبحانه وتعالى ليس كإنسان يقف داخل الزمن
وينتظر المستقبل حتى يأتيه. الإنسان محكوم بالزمن، والله خالق الزمن.. نحن نقول:
أمس، اليوم، غدًا، أما الله تعالى فلا يكتسب علمه من مرور الزمن.. لذلك لا يجوز أن
نتخيل علم الله وكأنه كاميرا تنتظر الحدث حتى تسجله.
سابعًا: وهل الله يعلم
الأشياء قبل وجودها؟ نعم
وهذه عقيدة صريحة. قال الله تعالى:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. وقال عز
وجل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال جل جلاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: 5].
وقال جل وعلا: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: 59].
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا
بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: 11]. فمن يفسر «لنعلم» بأنه: «الله لم يكن يعلم ثم علم» فهو
يصطدم بجملة هائلة من الآيات المحكمات.
ثامنًا: المشكلة أن صاحب
الشبهة يفترض
إذا كان الله يعلم الشيء قبل وقوعه،
فلا يجوز أن يقول بعد وقوعه «علم». وهذا غير صحيح. لأن الفعل قد يدل على تجدد
المتعلق، لا تجدد أصل العلم. وهذا مثال بشري للتقريب فقط.. أنت تعلم أن الشمس
ستشرق غدًا. ثم جاء الغد وقلت: «الآن ظهر الصبح». هل قولك «الآن ظهر» يعني أنك لم
تكن تعلم أن الشمس ستشرق؟ بالطبع لا. هناك فرق بين: العلم بأن الشيء سيحدث، وبين:
حدوث الشيء نفسه. فإذا كان هذا واضحًا في حق الإنسان المحدود، فكيف يُستبعد عن
اللغة أن تعبّر عن وقوع المعلوم بالنسبة إلى الله عز وجل؟!
إن العلم المكتسب يفترض وجود معلوم
خارج الذات يُضاف إليها. لكن إذا كان الله عليمًا بكل شيء أزلًا، فلا يوجد «خارج»
يمكن أن يضيف إليه شيئًا.
تاسعًا: «لنعلم» مرتبطة
بالامتحان، وليس بجهل الله وحاشاه
قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ
أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ
فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]. هل معنى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ
اللَّهُ﴾ أن الله عز وجل كان يجهل الصادق من الكاذب؟! قطعًا لا. السياق نفسه يبين
أن المقصود الابتلاء الذي يُظهر الصادق من الكاذب. فالابتلاء ليس ليحصل لله علم لم
يكن عنده، وإنما حتى يظهر الصدق والكذب في عالم الأفعال.. وهذا هو معنى الاختبار
أصلًا.
عاشرًا: ولو كان الله تقدس
وتنزه لا يعلم المستقبل، لما بقي معنى للدعاء والقدر والوحي
لو قلنا إن الله لا يعلم ما سيحدث
إلا بعد وقوعه، فهذا يعني أن المستقبل بالنسبة إلى الله مجهول. فكيف يخبر عن أحداث
مستقبلية؟ كيف يخبر الأنبياء بما سيقع؟ كيف يكون قادرًا على تدبير الكون كله؟ كيف
يكون قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ دالًا على محدودية
علم الإنسان مقابل علم الله؟ المقابلة واضحة: الإنسان لا يعلم الغد، والله يعلم.
لو كان علم الله بالمستقبل مكتسبًا
بعد وقوعه، لاستحال الوحي بأخبار غيبية صادقة.. لأن الوحي سيكون تخمينًا وليس
علمًا.. كذلك يستحيل القدر بمعنى التقدير السابق..
الحادي عشر: قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ
بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ
حَفِيظٌ﴾
الشبهة تسأل: لماذا يحتاج الله إلى
تأثير إبليس حتى «يعلم»؟ الجواب: «لنعلم» هنا بمعنى ليظهر ويتميز في عالم الشهادة
من يؤمن ممن يشك، فتقوم الحجة ويترتب الجزاء. الله يعلم أزلًا من سيؤمن ومن سيكفر،
لكن الإيمان والكفر لا يُحسبان على الإنسان إلا بعد وقوعهما في الواقع. الابتلاء
بوسوسة إبليس ليس ليملأ فراغًا في علم الله، بل ليظهر الاختيار الحر في الأفعال.
جاء في تفسير القرطبي: «قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أي: لم يقهرهم إبليس على الكفر،
وإنما كان منه الدعاء والتزيين.
والسلطان: القوة. وقيل: الحُجَّة؛
أي: لم تكن له حُجَّة يستتبعهم بها، وإنما اتبعوه بشهوة وتقليد وهوى نفس، لا عن
حُجَّة ودليل.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ
بِالْآخِرَةِ﴾؛ يريد علمَ الشهادة الذي يقع به الثواب والعقاب، فأما الغيب فقد
علمه تبارك وتعالى.
ومذهب الفراء أن يكون المعنى: إلا
لنعلم ذلك عندكم؛ كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾، على قولكم وعندكم.
وليس قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾
جوابَ ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ في ظاهره، وإنما هو محمول على
المعنى؛ أي: وما جعلنا له سلطانًا إلا لنعلم. فالاستثناء منقطع، أي: لا سلطان له
عليهم، ولكنَّا ابتليناهم بوسوسته لنعلم؛ فـ«إلا» بمعنى «لكن».
وقيل: هو متصل؛ أي: ما كان له عليهم
من سلطان، غير أنا سلطناه عليهم ليتم الابتلاء.
وقيل: كانت «ما» زائدة؛ أي: وما له
عليهم من سلطان، كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، أي: أنتم خير أمة.
وقيل: لما اتصل طرف منه بقصة سبأ،
قال: وما كان لإبليس على أولئك الكفار من سلطان.
وقيل: وما كان له في قضائنا السابق
سلطان عليهم.
وقيل: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؛ أي: إلا
لنُظهر، وهو كما تقول: النار تحرق الحطب، فيقول آخر: لا، بل الحطب يحرق النار؛
فيقول الأول: تعالَ حتى نجرِّب النار والحطب؛ لنعلم أيُّهما يحرق صاحبه؛ أي:
لنُظهر ذلك، وإن كان معلومًا لنا ذلك.
وقيل: إلا لتعلموا أنتم.
وقيل: أي: ليعلم أولياؤنا والملائكة؛
كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي:
يحاربون أولياء الله ورسوله.
وقيل: أي: ليميز؛ كقوله تعالى:
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، وقد مضى هذا المعنى في
﴿الْبَقَرَةِ﴾ وغيرها.
وقرأ
الزهري: ﴿إِلَّا لِيُعْلَمَ﴾، على ما لم يُسَمَّ فاعله.
﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
حَفِيظٌ﴾؛ أي: إنه عالم بكل شيء. وقيل: يحفظ كل شيء على العبد حتى يجازيه عليه»
(تفسير القرطبي).
الثاني عشر: الرد على
تغيير القبلة
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا
الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾. تغيير القبلة ابتلاءٌ ليظهر في
الواقع من يثبت على اتباع الرسول ﷺ ممن يرتد. فالعلم الأزلي موجود، لكن الظهور في
عالم الأفعال هو الذي تُبنى عليه الأحكام والجزاء ويقيم الحجة. الآية الكريمة
نفسها تؤكد أن الله لا يضيع إيمان من آمن قبل التغيير، مما يدل على أن المقصود ليس
اكتساب علم جديد، بل تمييز المواقف بعد وقوع الحدث.
الثالث عشر: قوله تعالى:
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا
أَمَدًا﴾
البعث هنا ليظهر للناس أنفسهم ولمن
بعدهم أي الحزبين أدق إحصاءً، ولتقوم الحجة على قدرة الله جل جلاله على الإحياء
بعد الموت الطويل. «لنعلم» هنا بمعنى ليظهر ويُعلم في الواقع، أو ليتميز الأمر
للخلق. الله تبارك وتعالى يعلم أزلًا مدة لبثهم وكل تفاصيل القصة؛ والآيات قبلها
وبعدها تؤكد علمه الشامل.
السؤال إلى الملحد ليس: «لماذا قال
الله: لنعلم؟» بل: هل تستطيع أن تثبت أن «لنعلم» تعني بالضرورة: «لم نكن نعلم، ثم
حصل لنا علم»؟! إذا لم يستطع إثبات هذا - ولن يستطيع -انهارت الشبهة من أساسها.
ثم هل يوجد في القرآن الكريم نص واحد
يقول إن الله تعالى كان يجهل شيئًا ثم علمه؟! لا.. بل يوجد العكس المتكرر: ﴿إِنَّ
اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ثم: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾.
ثم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾. ثم: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ
الْغَيْبِ﴾. فهل نعطل كل هذه الآيات المحكمة لأجل فهم واحد متعسف ومفتعل ويحمل
الضغينة والهوى والجهل لفعل «علم»؟!
الله عز وجل يعلم الشيء قبل وقوعه،
ويعلمه حين يقع، ويعلمه بعد وقوعه؛ لأن علمه لا يزداد بمجيء المعلومات ولا ينقص
بذهابها. الذي يتغير هو حال المخلوق، ووقوع الفعل، وظهور المعلوم، وتعلّق الأحكام
بالأوقات.
لم يقل القرآن الكريم إن الله كان
جاهلًا ثم علم؛ وإنما قال «لنعلم» و«ليعلم» و«وعلم» في سياقات تتحدث عن ظهور المعلوم،
ووقوع الفعل، وقيام الحجة، وترتب الحكم والجزاء. ولهذا فإن عبارة: «الآن علم الله،
إذن كان لا يعلم» ليست نتيجة للآية الكريمة، وإنما افتراضٌ تم إقحامه من الملحد
الجهول على الآية الكريمة ثم أُخرج منه على أنه نتيجة!
إن مَن يدّعي أن هذه العبارات تجعل
القرآن الكريم كلام بشر، عليه أولًا أن يثبت أن الألفاظ لا تحتمل إلا المعنى
البشري المحدود.. وما دام هذا غير ممكن لغةً وعقلًا وسياقًا قرآنيًا، فإن الشبهة
تسقط من أساسها، ويبقى القرآن العظيم كلام الله العليم الحكيم الذي لا يحيط به
زمان ولا مكان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً