معبد الإلحاد يهتز (35)
هل نزلت الحيوانات من الفضاء كما ورد في القرآن؟
أسوأ ما يعتري قراءة الملحدين للقرآن الكريم هو انتزاع اللفظ القرآني من سياقه، ثم تحميله معنى واحدًا جامدًا لا يحتمله في جميع المواضع، ثم البناء على ذلك المعنى المصطنع شبهةٌ سخيفة تنهار بمجرد الرجوع إلى اللغة والسياق وطريقة استعمال اللفظ في النص نفسه.. وهذا النوع من القراءة الإلحادية المتشنجة لا يختص بالنصوص الدينية، بل هو من أضعف مناهج الاستدلال في فهم أي خطاب عربي أو إنساني.
ومن هذا الباب تأتي شبهةٌ أُثيرت حول
قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ فزعم
صاحبها أن لفظ «أنزل» لا يمكن أن يعني إلا هبوطًا مكانيًّا من السماء أو الفضاء،
ثم بنى على هذا الفهم أن القرآن الكريم يخبر عن إنزال الحيوانات من الفضاء إلى
الأرض. وبعد ذلك انتقل إلى شبهة أخرى، فزعم أن ذِكر «ثمانية أزواج» يعني أن القرآن
الكريم حصر الأنعام في أربعة أنواع، وأن عدم ذكره حيوانات أخرى كالرَّنَة واللاما
والألكة والغزلان والبايسون دليل على جهل مؤلف القرآن بما يوجد في الأرض من
حيوانات!
وهاتان الدعويان في الحقيقة مبنيتان
على أصل واحد: إضافة معنى إلى النص لم يقله النص، ثم محاكمة القرآن الكريم إلى هذا
المعنى المضاف والمُختَرع مِن قِبل الملحد.
فأما الدعوى الأولى، فقد جعل الملحد
الأثيم لفظ «أنزل» ذا معنى واحد لا يتغير، مع أن القرآن الكريم نفسه يستعمل مادة
«نزل» و«أنزل» في سياقات متعددة.. في الوحي والكتاب، وفي الماء، والحديد،
والسكينة، واللباس، والمن والسلوى، والملائكة والجنود، وغير ذلك.
وأما الدعوى الثانية، فقد افترض
الملحد أن مجرد ذكر أربعة أصناف من الأنعام يستلزم نفي سائر الأصناف، مع أن النص
لم يقل: «ليس في الأرض من الأنعام إلا هذه»، ولم يقل: «هذه جميع أنواع الحيوانات
التي خلقها الله»، ولم يجعل الآيات في مقام تأليف موسوعة عالمية للحيوان.. بل جاءت
الآيات الكريمات في سياق مخصوص، هو بيان ما جعله الله من الأنعام، ثم مناقشة
تحريمات المشركين وأوهامهم في شأن الذكور والإناث وما تشتمل عليه الأرحام. ولذلك
فإن عدم ذكر حيوانات أخرى لا يمكن أن يتحول إلى خطأ إلا إذا أثبت الملحد أولًا أن
الآية الكريمة قصدت الاستيعاب والحصر، وهو ما عجز عن إثباته.
وسنقسم هذا الرد إلى محورين
متكاملين:
الأول: دلالة «أنزل» في القرآن
الكريم، وهل يلزم منها هبوط الأنعام من السماء أو الفضاء؟
والثاني: دلالة «ثمانية أزواج»، وهل
في الآيات الكريمات أي حصر لجميع الأنعام الموجودة في العالم في أربعة أنواع؟
نص
الشبهة:
«من الأخطاء في القرآن: إله الإسلام
أنزل للبشر من الفضاء ثمانية أزواج من ذكر وأنثى يعني أربع أنواع من الأنعام بينما
في كوكب الأرض هناك الكثير من الأنعام يربيها البشر ويأكلوا لحومها وهي ليست
منتشرة عند العرب لهذا الله لا يعرفها. ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ
جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ
أَزْوَٰجٍ ۚ … الأَنۡعَامِ 142 إلى 144﴾
يذكر القرآن أن الله قد زوّد البشر
بأربعة أنواع من الأنعام (ثمانية منها من ضمنها ذكور وإناث). ومع ذلك، يوجد أكثر
من أربعة أنواع من الأنعام. توضح الآيات أن كلمة "أزواج" تشير إلى أزواج
من الذكور والإناث من الأغنام والماعز والثيران والإبل، مما يوحي بأن مؤلف القرآن
كان على علم بأربعة أنواع من الحيوانات التي ترعى البشر فقط، ولم يشمل أنواعًا
أخرى مثل الرنة واللاما والألكة والغزلان والبايسون». ا.هـ
الرد على
الشبهة:
دلالة «أنزل» و«نزل»
لنفهم دلالة لفظ قرآني يجب أن نردَّه
إلى القرآن الكريم نفسه، وليس أن نأخذ له معنى واحدًا من الاستعمال المعجمي ثم
نفرضه على جميع المواضع. وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه الملحد وشبهته المتعلقة بقوله
تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6].
فيقول: «أنزل» تعني بالضرورة أن الإبل والبقر والغنم والماعز هبطت من السماء أو
الفضاء.
والسؤال: هل تستعمل كلمة «أنزل» في
القرآن الكريم دائمًا بمعنى الهبوط المكاني؟ والجواب: لا. بل إن القرآن الكريم
يستعملها في مجالات متعددة، منها إنزال الوحي، وإنزال الكتب، وإنزال الرزق، وإنزال
الماء، وإنزال الحديد، وإنزال السكينة، وإنزال الملائكة والجنود، وغير ذلك. وهذا
التنوع نفسه يمنعنا من اختزال الكلمة في معنى واحد.
أولًا: إنزال القرآن
الكريم
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا
أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]. فالضمير في ﴿أنزلناه﴾ يعود إلى
القرآن الكريم، والآية صريحة في نسبة الإنزال إلى الله عز وجل. وقال تعالى:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾
[الدخان: 3]. وقال: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء:
105]. ثم قال مباشرة: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ
مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء: 106].
وهنا نلاحظ شيئًا بالغ الأهمية..
القرآن الكريم جمع بين ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ و﴿نَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾. فالإنزال
والتنزّيل داخلان في باب إيصال الوحي من عند الله تعالى إلى سيدنا ﷺ، وليس من
الضروري أن يحمل اللفظ في كل موضع الصورة الحسية نفسها التي يتخيلها الملحد.
ثانيًا: «تنزيل العزيز»
قال الله تعالى: ﴿تَنزِيلَ
الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: 5]. وقال: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ
الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: 1]. وقال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:
80]. وقال: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]. وقال: ﴿تَنزِيلَ
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [النمل: 6]. وقال: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾
[الدخان: 42].
وفي تفسير قوله تعالى ﴿تنزيل العزيز
الرحيم﴾ بيّن القرطبي أن «تنزيل» يمكن أن يكون مصدرًا بمعنى: نزّل الله ذلك
تنزيلًا، كما نقل أيضًا أوجهًا لغوية أخرى في إسناد المصدر إلى القرآن الكريم.
فالتنزيل هنا عملية إيصال وحي وبلاغ من الله إلى البشر.
ثالثًا: «أُنزل إليك»
وهذا التعبير يتكرر في القرآن
الكريم: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾
[الأعراف: 2]. وقال: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ
الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: 19]. وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: 2]. وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ
لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: 41]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ كِتَابًا
فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: 7]. فـ«الإنزال» هنا هو إنزال
الوحي والكتاب إلى الرسول.
رابعًا: الإنزال لا يختص
بالقرآن الكريم
قال الله تعالى عن الحديد:
﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:
25]. وهنا لا يجوز أن نبني المعنى مباشرة على أن كل الحديد الذي عرفه البشر «سقط
من السماء» بمعنى الهبوط الحرفي المباشر.. بل الآية الكريمة تتحدث عن النعمة والتقدير
والإيجاد والتمكين من الانتفاع، وهو معنى ذكره المفسرون في تفسير «أنزلنا الحديد».
وهذا الموضع وحده كافٍ لإبطال قاعدة الملحد: «كلما قال القرآن أنزل، فمعناه شيء
هبط من السماء»!!. فهذه القاعدة غير صحيحة.
خامسًا: إنزال الماء
قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]. وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: 18]. وقال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: 22]. هنا يكون
الإنزال متصلًا بالماء اتصالًا واضحًا بذكر السماء. وهذا يكشف لنا شيئًا مهمًا..
إذا أراد القرآن الكريم أن يذكر السماء باعتبارها جهة للإنزال، فإنه يستطيع أن
يقول: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾. أما في قوله: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ﴾ فلم
يقل: «وأنزل لكم من السماء الأنعام». وهذا فارق كبير ينبغي أن يُحترم عند تفسير
الآية الكريمة.
سادسًا: إنزال السكينة
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي
أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4]. السؤال هنا: هل
السكينة جسم مادي هبط من السماء؟! قطعًا لا. فالإنزال هنا متعلق بإحداث السكينة
وإيصالها إلى قلوب المؤمنين. وهذا مثال قرآني مباشر على أن «الإنزال» قد يتعلق
بأمر معنوي.
سابعًا: إنزال اللباس
قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ
قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:
26]. فهل نزلت الملابس التي لبسها البشر من السماء؟! لا. وقد ذكر المفسرون في
الآية الكريمة معاني منها أن الله تعالى أنشأ اللباس ويسره للناس وأقدرهم عليه،
وقيل: أنزل ما تقوم به صناعته من الأسباب والمواد. وهذا من أوضح الشواهد على اتساع
دلالة «الإنزال».
ثامنًا: إنزال المن
والسلوى
قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا
عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: 57]. وهنا الإنزال مرتبط بنعمة رزق
مخصوصة لبني إسرائيل.
تاسعًا: إنزال الملائكة
والجنود
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا
مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: 8]. وقال: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ
قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [يس: 28]. وهنا السياق مختلف؛
لأنه يتحدث عن إنزال ملائكة أو جنود من السماء. إذن القرآن الكريم نفسه يبين لنا
أن السياق هو الذي يحدد طبيعة الإنزال.
عاشرًا: وهنا نصل إلى
الأنعام
قال الله تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن
نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ
الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6]. لاحظ دقة التعبير.. الآية
الكريمة لا تقول: «أنزلنا من السماء الإبل والبقر والغنم والمعز». ولا تقول:
«أسقطنا من السماء ثمانية أزواج». ولا تقول: «جاءت الأنعام من عالم سماوي». وإنما
تقول: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ﴾. والسياق كله سياق الخلق والتسخير
والنعمة: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ثم ﴿جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ثم
﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ﴾. فالمقام مقام بيان تدبير الله للخلق
وتسخيره الأنعام للإنسان، وليس مقام وصف مسار فيزيائي لجسم حيواني هبط من السماء..
وهنا تظهر المفارقة الحاسمة.. لو كان «أنزل» لا يعني إلا الهبوط المكاني من
السماء، لوجب أن نفسر ﴿أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأن السكينة
جسم مادي! ولوجب أن نفسر ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ بأن الملابس هبطت من
السماء! ولوجب أن نفسر ﴿أَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ بأن كل الحديد الذي انتفع به البشر
هبط من السماء! وهذا غير صحيح. إذن القاعدة التي يريد الملحد فرضها على آية الأنعام
قاعدة فاسدة من أصلها.
لكن هل يعني ذلك أن «أنزل الأنعام»
لا يمكن أن يتضمن معنى حقيقيًا للإنزال؟ ليس بالضرورة. وهنا ينبغي أن نكون أكثر
دقة. القرآن الكريم يستعمل الإنزال في أكثر من دائرة دلالية، وقد يجتمع في اللفظ
معنى الإيجاد والتقدير والإيصال والتمكين من الانتفاع، بحسب السياق. ولهذا لا يصح
أن ننتقل من ﴿أَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ﴾ إلى «إذن الحيوانات سقطت من
الفضاء». هذا الانتقال لا يثبته اللفظ ولا السياق..
الفارق بين «إنزال القرآن»
و«إنزال الأنعام»
هناك فرق واضح في المتعلَّق
والسياق.. القرآن الكريم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ المُنزَل هو الوحي والكتاب.
والمقصود إيصال الرسالة الإلهية إلى البشر، ولذلك جاء معه: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ
الرَّحِيمِ﴾ و﴿أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ و﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾. الأنعام: ﴿وَأَنزَلَ
لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ﴾ المتعلق هنا هو النعمة المسخرة للإنسان. واللام في
﴿لَكُم﴾ بالغة الدلالة؛ فهي تشير إلى جهة الانتفاع والاختصاص. ولهذا لا يصح أن
نسوي بين السياقين تسوية آلية، فنقول: «بما أن القرآن الكريم نزل من عند الله، إذن
الأنعام هبطت من السماء بالطريقة نفسها». هذا قياس مع الفارق.
الله عز وجل أنزل القرآن الكريم، ولم
يقل أحد إن القرآن الكريم جسم فضائي سقط على الأرض! وأنزل السكينة في قلوب
المؤمنين، ولا يقول عاقل إن السكينة جسم هبط من السماء. وقال: «أنزلنا عليكم
لباسًا»، ولا يلزم أن تكون الملابس قد سقطت من الفضاء. وقال: «أنزلنا الحديد»، ولا
يلزم أن كل قطعة حديد انتفع بها الإنسان سقطت من السماء. فلماذا عندما يصل إلى
الأنعام فجأة يقرر الملحد أن: «أنزل» تعني «أسقط حيوانات من الفضاء»؟! هذه ليست
دلالة لغوية؛ هذا تأويل اختاره النلحد ثم نسبه إلى القرآن الكريم. والأغرب أنه بعد
أن اخترع هذا المعنى يبدأ في السخرية منه!
ثانيا:
الرد على شبهة حصر الأنعام
والشبهة المثارة حول قوله تعالى:
﴿ثمانية أزواج﴾ تشبه وتنتمي إلى هذا النوع من المغالطات حول «أنزل»؛ فهي تفترض
ابتداءً أن القرآن الكريم قصد حصر جميع الأنعام الموجودة في العالم في أربعة
أنواع، ثم يبني الملحد اعتراضه على هذا الافتراض السخيف. بينما لا توجد في الآيات
الكريمات كلمة واحدة تدل على هذا الحصر. والمنهج العقلي السليم يقتضي أن نُثبت
أولًا ماذا قال القرآن الكريم، ثم ننظر هل يلزم منه ما يدعيه الملحد أم لا. فإذا
بطل اللازم الذي بناه الملحد، سقطت الشبهة من أصلها، لأن الحكم على النص لا يكون
بما قاله الملحد، وإنما بما قاله القرآن الكريم نفسه.
أولًا: عبث الملحدين
الملحد لم يناقش ما قاله القرآن
الكريم، وإنما ناقش شيئًا أضافه هو إلى القرآن الكريم! فالقرآن لم يقل: «لا يوجد
في الأرض إلا أربعة أنواع من الأنعام.» ولم يقل: «جميع الحيوانات التي ينتفع بها
الإنسان هي هذه فقط.» ولم يقل: «هذه قائمة شاملة لكل ما خلق الله من الأنعام.»
وإنما قال: ﴿ثمانية أزواج﴾ ثم فصلها فقال: ﴿من الضأن اثنين ومن المعز اثنين... ومن
الإبل اثنين ومن البقر اثنين﴾. وهذا مجرد تعداد للأصناف التي يدور حولها الكلام في
السورة، وليس ادعاءً بأنها جميع الأنواع الموجودة في العالم. ومن المقرر عقلاً أن
ذكر بعض أفراد الجنس لا يقتضي حصر الجنس كله. فنحن نقول: «الفواكه: التفاح والعنب
والبرتقال.» ولا يفهم عاقل أننا ننكر وجود المانجو أو الكيوي والكمثرى والموز!
لو كان مجرد التعداد يفيد الحصر
لانهار كل خطاب بشري.. فكل قانون يذكر بعض الجرائم لا ينفي وجود جرائم أخرى، وكل
كتاب طب يذكر بعض الأمراض لا ينكر بقية الأمراض.. من يدعي أن التعداد يعني الحصر
يهدم اللغة نفسها والمنطق اليومي معًا.
ثانيًا: سياق سورة الأنعام
يهدم الشبهة بالكامل
وهذه أقوى نقطة يغفلها الملحدون.
فالآيات الكريمات ليست في مقام تعداد الحيوانات في الكرة الأرضية، بل هي في مقام
إبطال تحريمات المشركين. قال الله تعالى: ﴿ثمانية أزواج... قل ءآلذكرين حرم أم
الأنثيين أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾. إذن القضية كلها هي: هل حرم الله هذه
الأنعام؟ أم أن المشركين اخترعوا أحكامًا من عند أنفسهم؟ ولهذا اقتصر القرآن
الكريم على الأنواع التي كان العرب يحرمون بعضها ويحللون بعضها بغير سلطان من
الله. أما الرنة واللاما والبايسون فلم تكن محل النزاع أصلًا، فذكرها أو عدم ذكرها
لا علاقة له بموضوع الآيات الكريمات. والاعتراض هنا يشبه من يقرأ قانونًا مصريًا
عن السيارات ثم يعترض قائلاً: «لماذا لم يذكر القانون القطارات اليابانية؟» لأنها
ليست محل الحديث أصلًا!
السياق يحدد المعنى كما يحدد الضوء
الصورة. واستخراج جملة من سياقها ثم الحكم عليها كأنها مطلقة هو مغالطة «الانتزاع
من السياق» (Contextomy).
ولو طبقنا هذا المنهج على أي نص علمي أو قانوني لانقلب العلم كله أخطاء. القرآن
الكريم هنا يناقش تشريعًا محليًا محددًا، ولا يكتب موسوعة حيوانية عالمية!
ثالثًا: كلمة «الأنعام»
ليست مرادفة لكل الحيوانات
من أكبر أخطاء الشبهة أنها تعامل لفظ
الأنعام وكأنه يعني جميع الحيوانات.. وهذا خطأ لغوي. فالأنعام في لغة العرب وفي
الاستعمال القرآني اسم يطلق على بهيمة الأنعام المعروفة: الإبل، البقر، الضأن،
الماعز. ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثمانية أزواج﴾ ثم فصلها مباشرة. ولو كان المقصود
جميع الحيوانات لما صح هذا التفصيل. فالقرآن الكريم يفسر بعضه بعضًا.
لو قال عربي قديم «الأنعام» وقصد بها
الرنة أو اللاما لضحك منه قومه، لأنها لم تكن في محيطهم اللغوي ولا الاقتصادي.
اتهام القرآن الكريم بالخطأ لأنه استخدم اللفظ بالمعنى الذي يعرفه أهله هو اتهام
للعقل نفسه.
رابعًا: لماذا اقتصر
القرآن الكريم على هذه الأنواع؟
لأنها كانت تمثل معظم الثروة
الحيوانية في الجزيرة العربية. ومنها: الطعام، الشراب، اللباس، الركوب، التجارة،
الأضاحي، الزكاة، الكفارات. فهي ليست مجرد حيوانات مألوفة، بل هي أساس الحياة
الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية. ولهذا جاء التركيز عليها.
والخطاب يتوجه إلى المخاطبين بما
يهمهم. لو ذكر القرآن الكريم حيوانات القطب الشمالي أو أمريكا الجنوبية لسكان
الجزيرة في القرن السابع لكان ذلك عبثًا وليس حكمة حاشا لله.. الحكمة تقتضي مخاطبة
الناس بما يعرفون ويعاملون، وليس بما لا يعرفونه. وهذا مبدأ عقلي عام.
خامسًا: القرآن الكريم
يستعمل الأمثلة ولا يقصد الاستقصاء
هذه قاعدة عامة في العربية. فإذا قال
الأستاذ: «الأشكال الهندسية هي المربع والمثلث والدائرة.» فهو يشرح، لا يحصر جميع
الأشكال. ولو قال طبيب: «أكثر أسباب الصداع الإرهاق وقلة النوم والجفاف.» فلا يعني
أنه ينفي مئات الأسباب الأخرى. والقرآن الكريم يسلك هذا الأسلوب في مواضع كثيرة.
فليس كل تعداد يراد به الاستيعاب.
لو كان كل تعداد في أي كتاب يُفهم
على أنه حصر مطلق، لوجب اتهام كل كتب التاريخ والطب والجغرافيا بالخطأ.. فهذا
المنهج يهدم المعرفة البشرية كلها.
سادسًا: تهافت الإلحاد
لو افترضنا جدلًا أن القرآن الكريم
كان يقصد حصر جميع الأنعام في أربعة أنواع، لكان ينبغي أن يصرح بذلك.. أما أن يذكر
أربعة أنواع ثم يستنتج الملحد بنفسه أنها جميع الأنواع، فهذا انتقال غير مشروع..
فالقاعدة المنطقية تقول: عدم ذكر الشيء ليس نفيًا لوجوده. وإلا للزم أن كل كتاب
تاريخ يذكر عشر دول فقط ينكر وجود بقية دول العالم. وهذا باطل.
الملحد هو من أضاف مقدمة «الحصر» من
عنده، ثم هاجمها! النتيجة لا تلزم من النص، بل من إضافة الملحد. إذا سقطت الإضافة
سقطت النتيجة فورًا. عبء الإثبات يقع على من يدعي أن النص قال «هذه فقط ولا
غيرها»، وهو عاجز عن إيجاد حرف واحد يدل على ذلك.
سابعًا: لو أراد القرآن
الكريم تعداد جميع الحيوانات لكان ذلك منافياً لمقصوده
كم نوعًا من الثدييات؟ وكم نوعًا من
الطيور؟ وكم نوعًا من الزواحف؟ وكم نوعًا من الحيوانات المستأنسة في كل قارة؟ هل
سيظل الكتاب كتاب هداية أم يتحول إلى موسوعة لعلم الحيوان؟ إن مطالبة القرآن
الكريم بأن يسرد جميع الأنواع تشبه مطالبة كتاب في الأخلاق بأن يتضمن جداول
الكيمياء أو خرائط النجوم!
إن الغاية تحدد المحتوى.. كتاب
الهداية والتشريع يذكر ما يخدم غايته. المطالبة بأن يصبح موسوعة حيوانية هي مطالبة
بتغيير ماهيته. ومن يطالب بذلك لا ينتقد النص، بل ينتقد كونه نصًا دينيًا أصلًا.
وهذا خروج عن موضوع البحث إلى رفض المبدأ نفسه.
ثامنًا: أقوال المفسرين
اتفق كبار المفسرين كابن جرير الطبري
وابن كثير والقرطبي على أن المراد بالثمانية الأزواج: الضأن ذكر وأنثى، والمعز ذكر
وأنثى، والإبل ذكر وأنثى، والبقر ذكر وأنثى. ولم يقل واحد منهم إن الآية الكريمة
تنفي وجود غيرها. بل فهموا الآيات الكريمات في سياقها التشريعي، وهو إبطال تحريمات
أهل الجاهلية.
لو كان القرآن الكريم من تأليف إنسان
يريد إقناع الناس بأنه يحيط بكل شيء، لكان من الأسهل أن يقول: «خلق الله جميع
الحيوانات.» وينتهي الأمر.. أما أن يختار أربعة أنواع مرتبطة تمامًا بموضوع
السورة، فهذا دليل على دقة السياق، وألوهية الوحي.
إن القرآن الكريم كلام الله عز وجل
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وقد تكفل الله
عز وجل بحفظه وبيانه، وجعل آياته محكمةً في مقصدها، واضحةً في سياقها، بليغةً في
خطابها. ومن أعظم نعم الله على عباده أن جعل كتابه نورًا يضيء الطريق، وبرهانًا
يقطع الشك، وحجةً قائمة إلى يوم القيامة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً