بين توفيق الله وسعي الإنسان كلٌّ ميسَّر لما خُلق له..
هل بشَّر الفاروق بعدل عمر بن عبدالعزيز قبل خلافته؟
يروي الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، في ترجمة عمر بن عبدالعزيز(1).
قال أَبُو
خَيْثَمَةَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ عبدالله، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي
هِنْدٍ قَالَ: «دَخَلَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عبدالعزيز مِنْ هَذَا الْبَابِ -يَعْنِي
بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ بِالْمَدِينَةِ- فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ:
بَعَثَ إِلَيْنَا هَذَا الْفَاسِقُ بِابْنِهِ هَذَا يَتَعَلَّمُ الْفَرَائِضَ
وَالسُّنَنَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَكُونُ خَلِيفَةً بَعْدَهُ، وَيَسِيرُ بِسِيرَةِ
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: فَقَالَ لَنَا دَاوُدُ:
فَوَاللَّهِ مَا مَاتَ حَتَّى رَأَيْنَا ذَلِكَ فِيهِ».
وَقِيلَ: إِنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «إِنَّ مِنْ وَلَدِي رَجُلًا، بِوَجْهِهِ شَتَرٌ،
يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا».
وعن مُبَارَك
بْن فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ
ابْنُ عُمَرَ: «يَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هَذَا الَّذِي مِنْ وَلَدِ عُمَرَ
يَمْلَؤُهَا عَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا»(2).
هذه الروايات
المسندة في كتب الآثار والتراجم أمام مشهد استهلالي كاشف يفيض بالدلالات والرموز
التربوية العميقة، ويتعزز هذا الأثر بما تواتر في صدور الأكابر من تطلع إلى ظهور
رجل مصلح من نسل الفاروق يجدد أمر هذه الأمة، حيث أورد أهل السير تلك الأخبار بصيغ
شتى، وهو ما تناغم مع رغبة صادقة أعلنها عبدالله بن عمر بشوق بالغ.
فتضعنا هذه
الأخبار المتداولة أمام مشهد إنساني ودعوي بالغ الأهمية؛ حيث يلتقي التطلع الفطري
إلى إقامة القسط، مع جهود شاب نأى بنفسه عن صراعات السلطة المبكرة، ولزم عتبات
العلم ومجالس السنن، ويكشف هذا التلاقي بين الأخبار المروية ومآلات الواقع
التاريخي عن حقيقة جوهرية في بناء الشخصية الإسلامية: أن الله تعالى لا يمنح الفضل
جزافاً، بل ييسر سبل التوفيق لمن أخذ بأسباب الاستقامة واجتهد في طلب الحق.
يُمثل عهد
الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز محطة فريدة في تاريخ الفكر والتدبير السياسي
الإسلامي؛ إذ تلاقت في مسيرته بشارات الفراسة وتطلعات الصالحين مع كدح إنساني دؤوب
ارتكز على الاستقامة ولزوم غرز الوحي وسنن النبوة المطهرة، ولم تكن خلافته
الميمونة وليدة صدفة تاريخية مجردة، ولا هبة قُدرت له بغير مجاهدة واختيار، بل
قامت على يقظة روحية وعلمية مبكرة بدأت من أروقة مسجد المدينة النبوية، حيث روض
النفس على التقوى، واحتمل أذى الخصومات السياسية، وتجرد تماماً لطلب مرضات الله
وإقامة موازين القسط والإنصاف بين الناس.
ترجمة عمر بن عبدالعزيز في سير النبلاء ومكانته التاريخية
تحظى سيرة عمر
بن عبدالعزيز بمكانة رفيعة في أمهات كتب التاريخ والتراجم؛ إذ أفرد له الإمام شمس
الدين الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» ترجمة مستفيضة تليق بإمامته وعدله،
جامعاً فيها بين مناقبه الفقهية وأحكامه السياسية وتطبيقاته الشرعية في رد
المظالم؛ وتتجلى محاور هذه المنزلة الرفيعة في المرتكزات الآتية:
1- الإجماع
التام من أئمة الهدى على إلحاقه بالخلفاء الراشدين في العدل والورع والزهد والتجرد
عن حظوظ الدنيا،
2- التأسيس
الفقهي العميق الذي جعله من مجتهدي التابعين بالمدينة النبوية قبل أن يُعهد إليه
بزمام الأمر والنهي.
3- تقديم
النموذج العملي للحاكم الذي يُخضع سياسات الدولة وقوانينها لمرجعية الكتاب والسنة
دون مداهنة لأحد.
إن تصدير تراجمه
بصفات العلم والديانة قبل المنصب الإداري يبرهن على أن العظمة الحقيقية في ميزان
الإسلام ليست وليدة المناصب والولايات، بل ثمرة رسوخ الإيمان والعمل الصالح الذي
يفيض نوره على الأمة بأسرها.
موقف عمر بن عبدالعزيز عند دخوله مسجد المدينة
دخل الفتى
الأموي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة طالباً للتفقه في دين الله
وحفظ سنن نبيه، فاستقبله أحد الجالسين بكلام شديد يقذف بالطعن والريبة، مستنكراً
إرسال والده له ليتلقى أحكام الدين بين العلماء، ومسقطاً عليه خصومات سياسية سابقة
لا ذنب له فيها، توضح هذه الحادثة المبكرة خطورة تحميل الأبناء أوزار الآباء،
ومحاولة مصادرة رغبتهم الصادقة في التعلم والانتماء إلى مجالس الخير والورع،
ومصداق ذلك ما أرشد إليه سيد الخلق حين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
«يَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا
أَبَاهُ؛ فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ»(3).
يقرر الميزان
الإلهي استقلال كل إنسان عن خطايا قرابته؛ فالعبرة بالاستقامة الذاتية لا بجرائر
الأهل والعشيرة، كما صدع به الوحي الحكيم: قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَىٰ) (الأنعام: 164)، ويقتضي الإنصاف التربوي إفساح المجال أمام كل
مقبل على الخير، وتجريد التعامل معه من الأحكام المسبقة؛ ليثبت جدارته من خلال
عمله وأمانته الشخصية، بعيداً عن أوزار أسرته وبيئته التي خرج منها.
أمانة كتب السير في نقل الخصومات السياسية
لم يعمد علماء
التراجم وجهابذة الحديث إلى تهذيب الروايات التاريخية أو تنقيتها من العبارات
الجارحة التي قيلت في حق عمر بن عبدالعزيز وأسرته في مطلع حياته، بل نقلوها
بألفاظها الصريحة دون مواربة أو تجميل مصطنع رغبة في صيانة الأمانة العلمية وتقديم
الواقع التاريخي بتناقضاته كما حدث بالفعل، ويظهر هذا المنهج التوثيقي الدقيق
جلياً فيما ساقه الإمام الحافظ في مقدمة تاريخه، حيث بَيَّنَ ابْنُ عَسَاكِرَ
مَنْهَجَ كِتَابِهِ بِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى: «إِثْبَاتِ مَا فِيهِمْ مِنْ
هِجَاءٍ وَقَدْحٍ، وَإِيرَادِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَعْدِيلٍ وَجَرْحٍ، وَحِكَايَةِ
مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ جِدٍّ وَمَزْحٍ.. إلى أن قال: فمن وقف فيه على تقصير أو
خلل أو غير ذلك منه على تغيير أو زلل فليعذر أخاه في ذلك متطولاً وليصلح منه ما
يحتاج إلى إصلاح متفضلاً فالتقصير من الأوصاف البشرية»(4).
يساعد نقل تلك
العبارات الحادة القارئ المعاصر على فهم طبيعة الاحتقان السياسي في ذلك العصر،
ومعرفة المتاعب الاجتماعية التي واجهت عمر بن عبدالعزيز في مطلع شبابه ومسيرته
العلمية، وتكتسب الحقيقة التاريخية مصداقيتها من إيراد مواقف الخصوم والمادحين
معاً؛ ليبقى الحكم النهائي مبنياً على تمحيص الأفعال والآثار الملموسة، لا على
مجرد تدوين المناقب الخالصة التي تلغي صراع الواقع ومصاعبه.
شهادة داود بن أبي هند على عدالة عمر بن عبدالعزيز
عاش داود بن أبي
هند حتى عاين خلافة عمر بن عبدالعزيز وما أحدثه من إصلاحات واسعة ورد للمظالم،
فاستحضر تلك الكلمة القاسية التي ألقيت عند باب المسجد في بداية الطريق، متعجباً
من تصاريف الأقدار وكيف تحول ذلك الفتى الذي رُمي بالظنون إلى مجدد للأمة ومحيٍ
لسنن العدالة، وتتغير نظرة الناس وتتبدل أحكامهم حين يرون ثمار الإخلاص والعمل
الدؤوب في ختام المسيرة، ومصداق ذلك ما سطره التاريخ في تحول المواقف من العداء
إلى النصرة، كما أورده الرواة في مسيرة النبوة، حيث قَالَ الرَّاوِي فِي شَأْنِ
سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ يَوْمَ الْهِجْرَةِ: «فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا
عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ، وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً(5) لَهُ»(6).
لا ينبغي التعجل
في الحكم على طاقات الشباب وبداياتهم المبكرة؛ فالمصائر بيد الله وحده، وكثير من
البدايات المتواضعة أو المحاصرة بالظنون آلت إلى نهايات مشرقة ملأت الدنيا خيراً
وبركة وسيرة صالحة، وتمنح هذه الحقيقة الأمل لكل باحث عن الإصلاح يواجه التشكيك في
منطلقاته؛ فالإصرار على طلب العلم ولزوم الأمانة كفيلان بتبديد الشبهات وإثبات صدق
التوجه في ميزان الشهود والتاريخ.
حقيقة نبوءة الفاروق برجل الشتر من ولده
تداولت كتب
الأخبار رواية تُنسب إلى عمر بن الخطاب تفيد بظهور رجل من ذريته في وجهه علامة
يملأ الأرض عدلاً، مما جعل بعض الرواة يصفون ذلك القول بالنبوءة المستقبلية
المسبقة، غير أن التحقيق الشرعي والعقدي يوجب حصر مقام النبوة والوحي المعصوم
بالأنبياء والرسل الكرام، صيانة لجناب التوحيد وسدّاً لأبواب الغلو؛ ومصداق ذلك ما
نطق به الصادق المصدوق حين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « لِي
خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي
يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ
عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ»77).
إن ما رُوي عن
الفاروق، بفرض ثبوت سنده، لا يخرج عن دائرة الفراسة الإيمانية أو الرجاء والتطلع
الذي يحدو قلوب الصالحين، دون أن يحمل صفة الإخبار الجازم بوقائع الغيب المحجوبة
عن سائر الخلق، ويحمي هذا التمييز الدقيق العقيدة الإسلامية من الغلو في الصالحين
وتأويل مقالاتهم؛ فالتشريع كمل بانقطاع الوحي النبوي، وما وراء ذلك ظنون وتطلعات
تخضع لقواعد النقد والتمحيص العلمي الرصين.
مفهوم المحدّثين في السُّنة وحدود فراسة عمر
تميز الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنور البصيرة ورجاحة العقل وحسن التفرس في الرجال
ومآلات الأمور، وقد نال منزلة الإلهام التي وافق فيها التنزيل الحكيم في مواضع
متعددة مشهورة في كتب السنن، إلا أن هذه المنزلة ظلت محكومة بالضوابط الشرعية، ولم
تدعِ لنفسها كشفاً لغيب مطلق محجوب؛ ويتضح هذا المقام الرفيع للفاروق في أبعاد
واضحة:
1- امتلاك نور
البصيرة الإيمانية التي تميز بين مسالك الحق ومزالق الباطل بدقة متناهية.
2- موافقة الهام
الفاروق لأحكام القرآن الكريم في مواطن النزول والتشريع الاستثنائية.
3- إدراك
الصحابة الكرام لقوة إلهامه الصادق دون إخراجه عن حد البشرية والتكليف.
وقد شهد له
الصحابة الكرام بهذه المزية النادرة، كما ذكر ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «مَا كُنَّا نُبْعُدُ أَنَّ
السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ»(8)، ولا يُلغي توفيق
الفاروق في فراسته ضرورة استناده إلى المشورة الدائمة مع كبار الصحابة؛ فالبصيرة
ترشد صاحبها إلى الحق وتفتح أمامه آفاق الرجاء، لكنها لا تغنيه عن تحري الأسباب
والسنن الواقعية، وإن ربط عدل عمر بن عبدالعزيز بفراسة جده لا يقلل من كدحه الشخصي
وصبره الطويل؛ فالإلهام السابق يمثل بشارة خير، بينما يبقى استحقاق الثناء منوطاً
بالبذل والمجاهدة في ميادين الحكم.
رواية ابن عمر في ترقب ظهور حفيد عادل
عبر عبدالله بن
عمر عن تطلعه لظهور مصلح من ذرية الفاروق يحيي سيرة العدل الراشد، مستخدماً عبارة
التمني المفتوحة: «يا ليت شعري»، وهي صيغة تفيد الرجاء والتشوف القلبي النبيل دون
جزم بمآلات الغد، حيث يصدر هذا الترقب عن شخصية عرفت بالتجرد والزهد والابتعاد عن
التكلف ورجم الغيب، ويظهر هذا التجرد الصادق فيما روي عن رغباته العالية، حيث
لَمَّا اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ فِي الْحِجْرِ فَتَمَنَّوْا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ:
«أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ»(9).
يعكس رجاء ابن
عمر أمنية كل مسلم شهد اتساع رقعة الدولة واضطراب السياسة، وتمنى أن تعود إلى
الأمة أمانة الصدر الأول وصرامته في كف أيدي الظلمة ورد الحقوق لأصحابها
المغصوبين، ولا تحمل تمنيات الأبرار معاني الحتمية القدرية التي تعطل العمل؛
فالرجاء الصادق حافز يستنهض الهمم لإعداد جيل من القادة الأتقياء الذين يحملون
أمانة المسؤولية بكفاءة وتجرد تام عن حظوظ الدنيا ومطامعها الزائلة.
علاقة القدر بالسعي البشري في سيرة الخليفة
قد يتوهم البعض
أن عمر بن عبدالعزيز كان مسوقاً إلى مقامه التاريخي بغير اختيار، استناداً إلى تلك
الروايات التي تنبأت بظهوره ونسبت عدله إلى قدر مسبق لا فضل له في صناعته، غير أن
التصور القرآني الأصيل يبطل هذا التعطيل لمسؤولية الإنسان؛ فالإيمان بسبق المقادير
الإلهية لا يعفي العبد من واجب السعي وبذل الطاقة واستفراغ الجهد، كما قرر الخالق
عز وجل في محكم تنزيله: قَالَ تَعَالَى: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ) (النجم: 39).
ويؤصل هذا
التوازن العقدي الرصين كلام التابعي الجليل مطرف بن عبدالله الشخير في نفي التواكل
والقعود بدعوى القدر، حيث تجلى ذلك فيما نقله أهل العلم عنه، إذ هو قَوْلُ
مُطَرِّفِ بْنِ عبدالله: «لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَصْعَدَ فَيُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْ
فَوْقِ الْبِئْرِ وَيَقُولَ: قُدِّرَ لِي! وَلَكِنْ يَحْذَرُ وَيَجْتَهِدُ
وَيَتَّقِي، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ إِلَّا مَا
كَتَبَ اللَّهُ لَهُ»(10)، إن عدل عمر بن عبدالعزيز كان ثمرة مباشرة
لاختياره الواعي لطريق الاستقامة؛ فقد درس الفقه، وصاحب العلماء، وحاسب نفسه في
الرخاء، حتى وفقه الله لإقامة القسط حين ملك زمام الأمور.
أثر مواجهة الخصومة المبكرة في بناء شخصية عمر
واجه عمر بن عبدالعزيز
في مطلع شبابه كلمات التشكيك والطعن في أسرته، فاختار الصمت والمضي في طلب السنن،
دون أن يستنزف طاقته في الخصومات والمجادلات العقيمة التي لا تثمر خيراً، مسطراً
بذلك أعظم صور النضج والترفع الإيماني؛ وتتجلى ثمار هذا الاحتمال المبكر في ملامح
قيادية راسخة:
1- كظم الغيظ
والترفع عن الردود الكلامية الآنية والانشغال بالبناء العلمي الذاتي،
2- اكتساب صلابة
نفسية واعية في مواجهة المعارضين دون اللجوء إلى القمع والانتقام.
3- تحويل مشاعر
التشكيك والعداء إلى دافع للتفوق والبرهنة العملية على النزاهة والتجرد.
ويسهم احتمال
الأذى في بناء الشخصية القيادية وصقل صبرها الداخلي، ويشهد لهذا الخلق ما أثبته
الإمام عروة بن الزبير في تربيته لنفسه، حيث قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ:
«رُبَّ كَلِمَةِ ذُلٍّ احْتَمَلْتُهَا، أَوْرَثَتْنِي عِزًّا طَوِيلًا»(11)،
يتحول كظم الغيظ عند العظماء إلى طاقة عمل وتفوق، تجعل صاحبها مترفعاً عن تتبع
سقطات الآخرين، ومنصرفاً بكل قواه إلى بناء مقومات علمه وورعه التي تؤهله لخدمة
أمته في المستقبل، لتثبت سيرة عمر أن الرد الأمثل على الكلمات الجارحة لا يكون
بالمواجهة الكلامية الآنية، بل بالبرهان العملي الذي يقدمه المرء حين يثبت للجميع
أنه فوق كل الظنون والاتهامات الباطلة التي وُجهت إليه.
مسؤولية الخليفة في رد المظالم وأداء الأمانة
لم تجعل سوابق
الثناء والبشارات من خلافة عمر بن عبدالعزيز واحة للاستراحة والاطمئنان، بل ضاعفت
في قلبه الشعور بفداحة التكليف وثقل السؤال بين يدي الله تعالى في كل صغيرة
وكبيرة؛ فالتمكين في الأرض يفرض على صاحبه جهاداً مضاعفاً لحماية الحقوق وإقامة
الشرع، ومصداق ذلك ما أوصى به الصديق قادته عند إسناد الولايات إليهم، حيث قَالَ
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ أَمَّرَهُ: «يا عمرو اتق
الله في سر أمرك وعلانيته واستحيه فإنه يراك ويرى عملك وكن مجدا في أمرك وأصدق
اللقاء إذا لاقيت ولا تجبن وتقدم في الغلول وعاقب عليه وإذا وعظت أصحابك فأوجز
وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك»(12).
وتتلاقى هذه
الوصية الراشدة مع الأمر الرباني الشامل للولاة والحكام بوجوب إقامة القسط ومراعاة
مصالح الرعية، كما صدع به الوحي: قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ
إِلَىٰ أَهْلِهَا) (النساء: 58)، تكتمل صورة الإمام العادل حين ينظر إلى
ولايته بوصفها عبئاً ومحنة يخشى التقصير فيها، لا غنيمة يهنأ بها؛ فيجتهد في رد
المظالم وعزل الجائرين، استشعاراً لخطورة السؤال في عرصات القيامة.
قواعد التعامل النقدي مع بشارات التراجم الإسلامية
تحفل كتب السير
بأخبار تتناول التوقعات المسبقة لمستقبل القادة والعلماء، مما يستوجب وضعها في
إطارها الاستئناسي المشروع، بعيداً عن الغلو أو بناء الأحكام والمسلمات الدينية
عليها بغير برهان إسنادي، وقد وجه أئمة الصدر الأول الأمة نحو الانشغال بالمحكمات
وترك التعلق بالغرائب والظنون، ويظهر هذا الحسم المنهجي فيما أثر عن عبدالله بن
مسعود رضي الله عنه مع السائلين، حيث قَالَ عبدالله بن المسور: أن رجلا أتى النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني من غرائب العلم، قال: «ما فعلت في رأس
العلم فتطلب الغرائب؟!»، قال وما رأس العلم؟ قال: «هل عرفت الرب؟»، قال نعم! قال:
«فما صنعت في حقه؟»، قال: ما شاء الله، قال: «عرفت الموت؟»، قال نعم! قال: «ما
أعددت له؟»، قال: ما شاء الله، قال: «انطلق فاحكم ها هنا ثم تعال أعلمك من غرائب
العلم»(13).
تغني الحقائق
التاريخية الثابتة عن الاستناد إلى المرويات المرسلة والمقطوعة؛ فعدل عمر بن عبدالعزيز
وإصلاحاته الإدارية والمالية معالم قطعية لا تحتاج إلى أسانيد ضعيفة لتثبت عظمتها
في ذاكرة التاريخ، ويتحقق الوعي المنهجي الرشيد حين نتأمل سيرة الصالحين من زاوية
ما قدموه من جهاد وصبر وعلم نافع، لا من زاوية الرؤى والبشارات التي لا تقدم ولا
تؤخر في ميزان الحساب والجزاء.
تتحرر سيرة عمر بن عبدالعزيز في هذا التحليل من أوهام الحتمية والغيبيات المطلقة، لتعود إلى أصلها الإيماني القائم على صدق السعي والمجاهدة والصبر على الأذى؛ فالإنسان لا تصنعه البشارات ولا تضره الكلمات الجارحة متى أخلص قلبه لله وأخذ بأسباب العلم والعمل، امتثالاً لما قرره النبي المصطفى حين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»(14)، لقد بدأت رحلة عمر بن عبدالعزيز بفتى دخل من باب المسجد يلتمس السنن ويصبر على التشكيك، وانتهت بإمام عادل ملأ الأرض قسطاً ورد المظالم، ليثبت التاريخ أن الفراسة قد تبعث الرجاء، لكن العمل الصالح المجرد هو الميزان الأبقى والشهادة الخالدة التي ترفع صاحبها في الدنيا والآخرة.
الهوامش
- 1 عمر بن عبدالعزيز بن مروان الأموي القرشي، وُلد سنة 61هـ بالمدينة، وهو من كبار التابعين وخلفاء بني أمية العادلين ومجدد المئة الأولى؛ عُدّ لخلافته الراشدة امتداداً للخلفاء الأربعة كما قرره الثوري والشافعي وأحمد، اشتهر بالفقه والحديث، وإقامة العدل، ورد المظالم، والزهد، وتدوين السنة النبوية، سكن المدينة ثم الشام دار الخلافة، وتوفي بدير سمعان من أعمال حمص بالشام سنة 101هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 114).
- 3 المستدرك على الصحيحين (6/ 159/ 5132).
- 4 تاريخ دمشق لابن عساكر (1/ 5).
- 5 مسلحة: هم القوم الذين يحفظون الثغور من العدو، (انظر: النهاية في غريب الحديث، مادة: سلح).
- 6 صحيح البخاري (5/ 160/ 3902).
- 7 صحيح البخاري (3/ 1299/ 3339)، وقال المصنف: على قدمي: على أثري، وقيل معناه: يسألون عن شريعتي لأنه لا نبي بعدي، العاقب الذي ليس بعده أحد من الأنبياء.
- 8 مسند ابن الجعد (348/ 2403).
- 9 صفة الصفوة (1/ 215).
- 10 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 202).
- 11 صفة الصفوة (1/ 349/ 161).
- 12 جامع الأحاديث (25/ 189/ 27852).
- 13 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 24).
- 14 جمع الجوامع (22/ 773) (651/ 228).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً