هل تجوز إمامة المرأة للرجال في الصلاة؟
قرأتُ منشورًا
سخيفًا لأحد «مشايخ النسوية» الذين ابتُلينا بهم في عصر الظلمات الذي نحياه، قال
فض الله فاه وأخزاه: يجوز للمرأة أن تؤم الرجال في الصلاة.
العجيب هو أسلوب
الطرح الذي اعتمد التدليس والاقتطاع والتلبيس على غير المتخصصين والعوام مع إيراد
نصوص منقوصة أو مفسرة على غير مراد أصحابها.
واللافت أن صاحب
المنشور يرتدي زي الأزهر الشريف وعمامته؛ ما يوحي بانتسابه إلى هذه المؤسسة
العريقة، فيستغل رمزيتها لإضفاء الشرعية الظاهرية على آرائه الشاذة أمام العوام.
ولم يكن مستغرباً
أن يحظى المنشور بتفاعل واسع من بعض التيارات النسوية المتطرفة التي تجد في مثل
هذه الدعاوى فرصة لتصفية حساباتها مع الإسلام والمسلمين.
يقترح صاحب
المنشور حلولاً هزلية مثل بناء «محراب يستر المرأة التي تؤم الرجال» لتجنب الفتنة
أثناء الركوع والسجود! وهذا الكلام ليس سوى هراء يتنافى مع الشريعة الإسلامية،
ويتناقض مع إجماع الأمة عبر العصور، من أيام النبي صلى الله عليه وسلم إلى العصر
الحديث.
إنَّ الثابت
يقيناً هو تحريم إمامة المرأة للرجال مطلقًا سواء في الفرائض أو النوافل في رمضان
أو غيره؛ قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء
بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (النساء: 34).
أولاً: الأدلة من السُّنة النبوية الشريفة تمنع إمامة المرأة للرجال:
الشريعة
الإسلامية مبنية على الكتاب والسُّنة، ولا يجوز تجاهل النصوص الصريحة لصالح آراء
شاذة أو تفسيرات شخصية.
فقد روى ابن
ماجه، والبيهقي، عن جابر بن عبدالله، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تؤمن
امرأة رجلاً، ولا أعرابي مهاجراً، ولا فاجر مؤمناً، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سوطه
وسيفه».
هذا الحديث صريح
في النهي عن إمامة المرأة للرجل، وهو دليل قاطع على التحريم، إذ يضع المرأة في
سياق عدم الصلاحية للإمامة على الرجال، كما ينهي عن إمامة الأعرابي للمهاجر أو
الفاجر للمؤمن في غير حالات الإكراه، ولم يرد في السُّنة أي دليل يجيز ذلك.
كما أن الفتنة
المحتملة من وجود المرأة أمام الرجال في الركوع والسجود دليل آخر على المنع،
فالشريعة تحمي المجتمع من الفتن، ولا تكلف ببناء «محاريب خاصة» كحلول مبتكرة لا
أساس لها.
فلو كان الأمر
جائزاً، لما احتاج إلى مثل هذه الحيل السخيفة التي تكشف عن ضعف الدعوى أصلاً.
ثانيًا: إجماع الأمة على التحريم من عصر الصحابة إلى التابعين:
لم يقع في عصر
الصحابة رضي الله عنهم أي حالة لإمامة المرأة للرجال، رغم انتشار الإسلام في مناطق
واسعة مثل مصر والشام والعراق.
قال الإمام
الشوكاني (ت 1250هـ): «لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في جواز إمامة المرأة
الرجل أو الرجال شيء، ولا وقع في عصره، ولا في عصر الصحابة رضي الله عنهم،
والتابعين».
هذا الإجماع
العملي دليل قوي على التحريم، فالصحابة كانوا أقرب الناس إلى فهم الشريعة، ولو كان
جائزاً لفعلوه.
أما التابعون
فقد ورثوا هذا الإجماع، قال الإمام ابن حزم الظاهري (ت 456هـ): «اتفقوا على أن
المرأة لا تؤم الرجال إذا علموا أنها امرأة».
وابن حزم معروف
بتتبعه للآراء اليسيرة، لكنه هنا يؤكد الإجماع؛ ما يفحم أي محاولة للادعاء بـ«تنوع
الآراء» كما يزعم صاحب المنشور.
ثالثًا: أقوال الفقهاء في العصر الأموي والعباسي.. اتفاق المذاهب الأربعة على المنع:
في العصر
الأموي، كان الفقهاء يمنعون ذلك صراحة.
الإمام مالك بن
أنس يرى عدم جواز إمامة المرأة للرجال في أي صلاة، كما نقل عنه في «الموطأ» وكتب
أتباعه.
أما العصر
العباسي، فقد شهد تبلور المذاهب الأربعة، وكلها متفقة على التحريم:
- المذهب
الحنفي: قال أبو حنيفة: لا تصح صلاة الرجل خلف المرأة، وسواء في الفرض أو النفل.
- المذهب
المالكي: اتفاق على المنع، كما في «المدونة الكبرى».
- المذهب
الشافعي: قال الإمام الشافعي (ت 204هـ): «لا يجوز للرجل أن يأتم بالمرأة بحال».
- وقال النووي:
«اتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة، وسواء في منع
إمامة المرأة للرجال صلاة الفرض والتراويح».
- وقال
الماوردي: «لا يجوز للرجل أن يأتم بالمرأة بحال، فإن فعل أعاد صلاته، وهذا قول
كافة الفقهاء إلا أبا ثور فإنه شذ عن الجماعة».
- المذهب
الحنبلي: قال الإمام أحمد بن حنبل: لا يصح، كما نقل ابن قدامة: «لا يصح أن يأتم
رجل بامرأة في الصحيح من المذهب وهو قول عامتهم، قال البيهقي: وعليه الفقهاء
السبعة والتابعون».
هذا الاتفاق
يفضح ادعاء «التنوع»، فالآراء الشاذة مثل أبي ثور، أو الطبري، أو المزني، أو داود
الظاهري، أو ابن عربي، هي استثناءات فردية، لا تمثل إجماع الأمة، وتُرفض غالباً
لعدم قوة دليلها.
رابعًا: استمرار التحريم في العصور المملوكية والعثمانية:
في العصر
المملوكي، استمر الإجماع، وفي العصر العثماني أكد العلماء التحريم، وغيرهم، الذين
ردوا على مثل هذه البدع الحديثة.
خامسًا: المرأة والحيض:
وأشد من ذلك
وأوضح: إن المرأة تُمنع شرعًا من الصلاة أصلًا أيام حيضها ونفاسها، فكيف تُجعل
إمامًا راتبًا للرجال وهي تتخلف عن الصلاة الجامعة أسبوعًا كل شهر؟!
وهل يُعقل أن
يُقطع الصفوف وتبطل صلاة المأمومين كلما نزل بها الحيض فجأة؟!
وإذا كانت
المرأة نفسها ممنوعة من دخول المسجد أو مس المصحف في هذه الفترة، فكيف تتقدم
الرجال في أشرف العبادات؟!
وأما تقلب
المزاج والعاطفة المرتبطة بالحيض فتجعل الثبات الانفعالي المطلوب في الإمامة أمراً
عسيرًا وهذا ليس تقليلًا من المرأة، بل هو واقع خلقي أقرته الفطرة والشريعة معًا.
ولو كانت
الإمامة جائزة للمرأة لما أسقط الشارع عنها الصلاة أيام حيضها، ولما نهاها عن
البقاء في المسجد في هذه الحال، فمنعها من الإمامة للرجال ليس ظلماً، بل هو رحمة
بها وبصلاة الجماعة معاً.
وإذا كان
الاحتجاج من النسويات ومن لف لفهم بأن: «إذا كان المانع هو الحيض والتقلبات
الهرمونية فقط، فالمرأة الكبيرة في السنّ التي انقطع حيضها (في سنّ اليأس) لا
ينطبق عليها هذا المانع، فلماذا لا تؤمّ الرجال؟».
ونقول:
1- الحكم الشرعي
ليس معللاً بالحيض فقط، بل هو حكم تعبدي عامّ ثابت بالنصّ النبوي الصريح: «لا
تؤمّنَّ امرأة رجلاً»، وهذا النصّ مطلق غير مقيَّد بسنّ أو حالة، فيشمل الصغيرة
والكبيرة والحائض والطاهرة والعاقر والتي انقطع حيضها.
2- إمامة الرجال
ليست تلاوة قرآن بصوتٍ حسن، إنما هي قوامة ورئاسة دينية، والله تعالى جعل القوامة
للرجال فقال: (الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، وهذه القوامة مستمرة مدى الحياة ولا تسقط
ببلوغ المرأة سنّ اليأس.
3- لو كان
المانع هو الحيض فقط لأجاز النبي صلى الله عليه وسلم للنساء الكبيرات في السنّ أن
يؤممن الرجال ولكن التاريخ كله من عهد الصحابة إلى اليوم لم يثبت أن امرأة واحدة
(حتى لو تجاوزت الستين أو السبعين) تقدَّمت لتؤمّ الرجال، وهذا إجماع عملي قاطع.
4- حتى بعد
انقطاع الطمث تبقى المرأة أضعف بنياناً من الرجل، وأقلّ قدرة على ضبط الجماعة
الكبيرة، وتحمُّل ما قد يعرض في الصلاة من أمور طارئة، والإمامة تحتاج إلى قوة
بدنية ونفسية دائمة لا تتأثر بالسنّ المتقدمة.
5- الشريعة لا
تُقيِّد الأحكام باستثناءات نادرة، فلو فتحنا هذا الباب لقيل: يجوز للمرأة العاقر،
وللمرأة التي استؤصل رحمها، وللمرأة في أيام الطهر، وهذا يؤدي إلى فوضى تشريعية
ونسف للنصّ النبوي الصريح.
6- الفقهاء
الذين ذكروا الآراء الشاذة (كأبي ثور، والطبري) لم يشترطوا انقطاع الحيض، بل قالوا
بالجواز مطلقًا، ومع ذلك رُدَّ عليهم وتُرك قولهم، فكيف بمن يريد أن يُدخل
استثناءً جديدًا لم يقل به أحد؟!
إذن حتى لو
انقطعت الدورة الشهرية فالمنع باقٍ، لعموم النصّ، ولحكمة القوامة، وللإجماع
المتواتر، وللمصلحة العامة التي لا تتغير بتغيُّر حالة بيولوجية واحدة.
سادسًا: نقض سخف شيخ النسوية:
صاحب المنشور -الذي
يخطِئُ في النحو والصرفِ- يقول بالنص: «الإسلام لم ينزل فقط لقريتك أو عزبتك التي
تعيش فيها، الإسلام نزل لفرنسا وأمريكا والسويد والدنمارك وهناك بالفعل من أقام
صلوات في تلك الأماكن وكان الإمام امرأة فبدلاً من الهجوم عليهم والحكم على
صلواتهم بالبطلان ما المانع أن نجوزها على مذهب من أجازها من الفقهاء والعلماء؟».
ونقول: الإسلام
دينٌ عالميّ نعم، لكنه في الوقت نفسه دينُ أحكامٍ منضبطة بنصوصٍ وإجماع وليس
خاضعًا للأهواء ولا لاختلاف البلدان ولا للتزلف للنسويات.
إمامةُ المرأة
للرجال في الفريضة لم يُجِزها أحدٌ عبر القرون، ولا يُعتدّ بالرأي الشاذ في مقابلة
الإجماع.
كون الصلاة
أُقيمت في فرنسا أو السويد لا يُغيّر من حكمها الشرعي إذا خالفت الضوابط المعتبرة،
فالفقه يُؤخذ بالدليل الثابت وفهم العلماء، لا بشعارات النسوية.
الإسلام رفع شأن
المرأة في التعليم والدعوة، لكنه حدد أدوارًا لحفظ الفتنة والنظام، والسيدة عائشة
رضي الله عنها كانت تفتي وتعلم الرجال، لكنها لم تؤمهم في الصلاة أبدًا.
إنَّ تحريم
إمامة المرأة للرجال ليس «تحيزاً ذكورياً»، بل حكم شرعي يحمي الصلاة من الفتن
والشبهات، ويحافظ على السُّنة النبوية.
إنَّ من يروج
لجواز إمامة المرأة للرجال يشوه الإسلام لا يدافع عنه، فالدفاع الحقيقي هو التمسك
بالأدلة والإجماع، قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا
وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33).
موضوعات ذات صلة:
- لوحات وأُطر- لن أدخل أبدًا مكانًا تؤم فيه الصلاة امرأة
- مجمع الفقه الإسلامي بالخرطوم يفند شطحات د. حسن الترابي حول: المسيح وشهادة المرأة وإمامتها للصلاة وزواجها من كتابي
- أبعد من مجرد إمامة امرأة لصلاة مختلطة وخطبة جمعة..
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً