الحركات الصهيونية الجديدة وجوه وأجندات (5)

«رواد باشان».. مشروع الاستيطان الصهيوني في سورية

د. خالد سعيد

21 يناير 2026

370

«رواد باشان».. مشروع الاستيطان الصهيوني في سورية

مهَّد سقوط نظام بشار الأسد في دمشق الطريق للتواجد العسكري الصهيوني في جنوب سورية وربما أجزاء أوسع منها، ومن قبله احتلالها لهضبة الجولان السورية، بعدما استغلت «تل أبيب» هشاشة وضعف الوضع الأمني لتكريس وجودها في سورية عبر عمليات توغل مستمرة وتدشين قواعد عسكرية، ومحاولة فرض أمر واقع جديد بإقامة منطقة منزوعة السلاح تمتد لعشرات، وربما مئات الكيلومترات بين فلسطين المحتلة وسورية.

ومثَّل 8 ديسمبر 2024م (سقوط نظام الأسد) تاريخًا جديدًا في منطقة الشرق الأوسط، بعدما فتح شهية الكيان الصهيوني لقضم أكبر مساحة ممكنة من الأراضي السورية، وتوفير البيئة الحاضنة والمناسبة للمشاريع الاستيطانية العابرة للحدود، حيث بدأت حركة «رواد باشان» أو (חלוצי הבשן) الصهيونية في اختراق الحدود السورية ودخول أراضيها، لأكثر من مرة، بدعوى إقامة مستوطنة جديدة.

ولم يكد يمر عام واحد على سقوط نظام الأسد، حتى سارعت الحركات الاستيطانية باقتحام الحدود السورية من أجل تدشين مستوطنة جديدة تحت اسم «نافيه باشان»؛ ففي 19 أغسطس 2025م، عبرت 9 عائلات صهيونية بمجموع 40 شخصًا، الحدود السورية، ووضعوا ما أسموه بحجر الأساس للمستوطنة «نافيه باشان»، من خلال توافد العائلات التي ضمت رجالًا ونساء وأطفالًا يحملون الأعلام «الإسرائيلية»، وفي جعبتهم الأسمنت والماء وبعض الأخشاب من أجل وضع قاعدة أسمنتية كحجر أساس للمستوطنة التي ادعوا أنها على اسم مدينة «نافيه» الواقعة جنوبي سورية.

اسم الحركة

يشير «باشان» إلى اسم مدينة في بلاد الشام، وتحديدًا في سورية، وتعرف بخصوبتها وأهميتها الإستراتيجية، مذكورة في التوراة، فيما كانت تغطي أجزاء واسعة من جنوب سورية وشرق الأردن؛ حيث تستغل الحركة القرب الجغرافي لمكان المستوطنة من هضبة الجولان المحتلة لتنطلق منها للاستيطان في كامل المنطقة قدر الإمكان.

ونشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، في اليوم نفسه (19 أغسطس 2025م)، شريط فيديو أظهرت من خلاله مشاركة العائلات التسع في وضع أساس تلك القاعدة الإسمنتية، إيذانًا بالشروع في بناء أول مستوطنة صهيونية في سورية؛ والتقت بتلك العائلات والتقطت معهم الصور والفيديوهات، زعموا خلالها أن تلك الأرض جزء من أرض «إسرائيل»، وبأن النظام السوري السابق قد احتلها في العام 1973م، على حد قولهم؛ بمعنى أن «باشان» ليست مجرد اسم، وإنما رمز ديني وسياسي بهدف استغلال الضعف الأمني السوري لإعادة تعريف الجنوب السوري بزعم أنه امتداد تاريخي وتوراتي يمكن استيطانه.

ومنذ تأسيسها في أبريل 2025م، يقوم أعضاء الحركة الذين يقدرون بالعشرات باختراق الحدود السورية، بداية من أغسطس وحتى ديسمبر 2025م، بأعداد كبيرة وبالعائلات الكاملة، مستغلين مساعدة الجيش «الإسرائيلي» أو غضه الطرف عن عملياتهم الاستيطانية في الدخول ووضع أحجار أساس للمستوطنة المزعومة.

قادة الحركة

في 27 نوفمبر 2025م، وصل العشرات من أتباع حركة «رواد باشان» إلى المكان نفسه، وحاولوا إقامة أو توسيع المستوطنة، تزعمهم البروفيسور عاموس عزريا أحد أبرز وجوه الحركة، حيث تناقلت وسائل الإعلام العبرية عنه أن المنطقة باتت تحت السيطرة «الإسرائيلية» منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، في ديسمبر 2024م.

وادعى عزاريا، بشأن الاستيطان اليهودي في سورية، أنه لا يوجد سبب يمنع أن يكون لنا هنا مستوطنة، يجب أن تكون السيطرة لنا على الأرض، في عمق الأرض، هذا ما سينقذنا نحن سكان الجولان وعموم دولة «إسرائيل» من المذبحة التي يخطط لها الجولانيون لنا، كما فعلوا بالدروز، على حد زعمه، إذ لم يكتف بذلك بل أضاف مدعيًا أنها منطقة فتحها موسى عليه السلام؛ وهي التصريحات التي قالها خلال تجمع كبير لنشطاء من اليمين المتطرف وهم يقيمون حفل وضع حجر الأساس للمستوطنة الجديدة «نافيه باشان».

ووجه قادة «رواد باشان»، في 22 ديسمبر 2025م، نداء إلى حكومة نتنياهو بالسماح لهم بإقامة تلك المستوطنة، بزعم أنه قبل 50 عامًا بالضبط، سمح شيمون بيريز للمهاجرين إلى السامرة (الضفة الغربية) بالبقاء في المنطقة، على الرغم من أن الأمور كانت آنذاك تتعارض مع وجهة نظره، ونتوقع من الحكومة اليمينية أن تحذو حذوه.

وقبل هذا التاريخ، عقدت الحركة في 29 نوفمبر 2025م، بالتوازي مع اختراق مجموعة من المستوطنين للحدود السورية، والبقاء في مكان المستوطنة لعدة ساعات، مؤتمرًا في مدينة القدس المحتلة، شاركت فيه شخصيات يمينية متطرفة، من بينها عضو الكنيست السابق عن حزب الليكود الحاكم موشيه فايغلين، وبعض الحاخامات، والشخصيات الأخرى المتطرفة، من أجل الدعوة للاستيطان في باشان السورية، وهو ما أورده الموقع العبري «واللا» في اليوم نفسه.

وأكد المؤتمر الصهيوني أن مستوطني «رواد باشان» يعملون منذ منتصف العام 2025م من أجل الاستيطان اليهودي في منطقة «باشان»، لقد فُتحت نافذة من الفرص، وعلينا أن نستقر قبل فوات الأوان، بدون دعم شعبي، لن ينجح هذا الأمر، ولهذا السبب نحتاج إليكم، وذلك في بيان خرج عن المؤتمر نفسه.

وتحظى «رواد باشان» بدعم قوي ومباشر من حركة «عوري تسافون» أو (עורי צפון) التي تعني انهض يا شمال، وهي حركة يمينية متطرفة تعمل على محاولة بناء المستوطنات اليهودية في لبنان، حيث نشر الموقع الرسمي للحركة في أكثر من موضع، إعلانه وتأييده ومباركته لاقتحام مستوطني «رواد باشان» للحدود السورية، بل شدد على أنه يجب استغلال الفرصة المواتية في سورية التي يوفرها الوجود العسكري «الإسرائيلي» في الأراضي السورية من أجل إقامة مستوطنات يهودية فيها.

نشاط الحركة

الشاهد أن تجمع العشرات من الصهاينة في تلك البقعة من الأراضي السورية تم تحت أعين الجيش «الإسرائيلي»، حيث رأت وسائل الإعلام العبرية أن الجيش حذرهم وألقى القبض على بعضهم فقط، للاستجواب، ثم أُطلق سراحهم، على الفور، وهو الأمر الذي كان يجري بالتوازي وبالمثل مع المستوطنين الذين حاولوا بناء قواعد لمستوطنات صهيونية في لبنان.

ومن بين اللافتات التي رفعها المتظاهرون الصهاينة خلال محاولة إقامتهم للمستوطنة: هذا المكان ملك لآبائنا»، وهنا باشان أرض أجدادنا وباشان.. لإقامة مستوطنة يهودية هنا، وباشان لنا للأبد، وهي اللافتات التي نشرتها القناة العبرية «i24 news»، في تقرير لها في 15 أكتوبر 2025م، مؤكدة أن المنظمين كلما زاروا المنطقة حاولوا الإقامة فيها لأطول فترة ممكنة برفقة أطفالهم، وبأن تلك المبادرة نُفذت دون أي دعم خارجي، والمستقبل قد يحمل الكثير من التفاؤل بشأن الحصول على تمويل خارجي لبناء المستوطنة.

الحرب على غزة

ومن أجل شحذ الهمم الصهيونية لعائلات القتلى «الإسرائيليين» في الحرب على غزة ولبنان، واستغلالاً للظرف القائم في القطاع، قامت عائلة يهودا درور يهلوم الجندي القتيل في لبنان بوضع إكليل من الزهور في القاعدة الإسمنتية التي تم تدشينها لبناء أول رافعة للمستوطنة، حيث شاركت العائلة في احتفال إقامة المستوطنة، ويعتبرون أنفسهم جزءًا من حركة «رواد باشان»، ويرون أن بناء المستوطنة يأتي لمساعدة الدروز في سورية، وبأنه لن يتسنى لـ«تل أبيب» تقديم المساعدة لهم دون بناء مستوطنات يهودية في «باشان»، بزعم أن الاستيطان يحافظ على الأمن القومي الصهيوني كما جرى من بناء للمستوطنات في الضفة الغربية قبل 50 عامًا مضت، وذلك بحسب صحيفة «معاريف» العبرية.

وكعادة الصهاينة، تعمل حركة «رواد باشان» على توظيف الموروث الديني لإضفاء شرعية أيديولوجية على مشروعها الاستيطاني المزعوم في سورية، فهي تتبنى نهجًا متطرفًا وترى في الجولان بوابة للتوسع الصهيوني جنوبًا وشرقًا داخل الأراضي السورية، بزعم أن بناء المستوطنات جزء من الأمن القومي «الإسرائيلي»، ولا يمكن نسيان أن الجيش الصهيوني نفسه قد أطلق على عملياته في سورية اسم «سهم باشان».


اقرأ أيضاً:

«إسرائيل» والتصعيد الإقليمي في سورية.. قراءة في الأهداف الخفية

«فتيان التلال» حركة يقودها شباب ويدعمها بن غفير ويلفظها العالم


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة