3 طلقات!

منى عبدالفتاح

04 فبراير 2026

133

احتد الخلاف بين الزوجين، وتصاعد الشجار، إلى أن نطق الزوج بـ«أنت طالق»، ليبدأ التصدع الكبير في جدران حياتهما الزوجية.

هدأت الأمور، وتدخل أهل الحكمة للصلح بينهما، فراجعها، لكن الخلاف تسلل ثانياً إلى حياتهما، وقد زادت الشحناء والبغضاء، فطلقها ثانياً، ثم راجعها.

قبل مرور أقل من شهر، اختل العقل، وضاعت البوصلة، وقد تناسيا أن طلقة ثالثة ستنهي ما بينهما، لكن الشيطان تمكن منهما، استفزته وتحدت رجولته أن يطلقها: «لو راجل طلقني!»، فطلقها ثالثاً وأخيراً.

تلك وقائع قصة حقيقية ماثلة أمام كاتبة هذه السطور، لتبقى شاهدة على مأساة مُبكية، بعدما انفك رباط أسرة مكونة من زوجين و3 أطفال، باتوا يكابدون التشرد والضياع، ويعانون أزمات نفسية واجتماعية وصحية كبيرة.

مأساة أسرية

يقول الزوج لـ«المجتمع»: لم أكن أتخيل أن تنتهي حياتي الزوجية بهذا الشكل، أشعر بالندم والخيبة، بعد أن حُرمت زوجتي عليَّ، ولا حل أمامنا!

يتابع حديثه متحسراً: «كنا نستطيع أن نكمل معاً، لكن الطلقة الأخيرة والثالثة قضت على حياتي، افترقنا، والأبناء ضائعون بيننا».

يتحسر كل يوم، وقد اختل توازنه، واضطربت حياته، فمطلقته تبحث عن زيجة جديدة، وهو كذلك، والأبناء يترقبون المصير الجديد، أيعيشون مع زوجة أب، أم زوج أم؟

الأبناء تائهون، يقضون عدة أيام مع كل طرف على حدة، ومعها يتشبعون بجرعة سامة من الكراهية للطرف الآخر، ولسان حالهم اللوم والعتاب لزوجين لم يكلفا نفسيهما النظر إلى مصلحة الأبناء، أو فداحة الثمن، الذي سيدفعه الجميع جراء 3 طلقات!

الصراع يستمر، وكل طرف يكيل الاتهامات للآخر، ويتنصل من المسؤولية عما حدث، لكن هيهات، لقد سبق السيف العذل، لا مناص، فقد حُرمت عليه، وبانت منه بينونة كبرى لا تحل له بعدها إلا أن ينكحها زوج آخر، يقول سبحانه وتعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) (البقرة: 230).

قال عليَّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: «إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في ذلك، أي في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئاً».

تداعيات كارثية

يواجه «أطفال الطلاق» أو أبناء المطلقين تداعيات كارثية، نتيجة الصراع الشديد في مرحلة ما بعد الطلاق، والخلاف حول تربية الأبناء، وحجم الإنفاق المادي، والتعليم، وترتيبات اجتماعية وحياتية أخرى، وسط أجواء مشحونة بالتوتر، مع الأخذ في الاعتبار أن 20% من جميع الانفصالات تتسم بالصراع الشديد، بحسب مجلة «سيكولوجي توداي».

تتوالى التداعيات السلبية على أبناء المطلقين، وقد تلقوا ضربة قاسية تطيح باستقرارهم النفسي والاجتماعي، وقد تنال من مستقبلهم الشخصي، حيث إن الأطفال الذين نشؤوا مع والدين يتسمان بالصراع الشديد كانوا أكثر عرضة لأن تكون لديهم زيجات مضطربة، ومشكلات في المستقبل، وفق دراسة أمريكية صادرة عن مركز «بيو للأبحاث».

يؤكد خبراء العلاقات الأسرية أن الأزواج الذين حاولوا أن يكون انفصالهم سلمياً وصحياً في مرحلة ما من عملية الطلاق، قد يفقدون الرؤية والسيطرة لاحقاً، وقد يتحول الأمر في مرحلة ما إلى معركة حامية الوطيس، مع تنامي اللجوء إلى التقاضي والمحاكم المختصة في نزاعات الأسرة.

يتسرب الطلاق، من جيل لآخر، وقد تتوارثه الأجيال، فطلاق الأبوين يمكن أن يكون مسار حياة لأبنائهما، وسط ترجيحات بأن «أبناء المُطلقين»، عرضة للطلاق أكثر من الأشخاص المنحدرين من أُسر متماسكة، وفق «نيكولاس والفينغر»، عالم الاجتماع بجامعة يوتا الأمريكية.

طلقة واحدة

لا نملك جميعاً الضغط على «زر» لوقف تنامي ظاهرة الطلاق في مجتمعاتنا، أو عصا سحرية لفك شفرة جريمة الـ«3 طلقات»، وأسميها جريمة؛ نظراً لتداعياتها الكارثية، وفداحة الضرر، مع انعدام الحلول الشخصية، بعد أن خرج الأمر عن سيطرة الطرفين، إلى ما لا يحمد عقباه.

طلقة واحدة تكفي، على أن تكون جرس إنذار للطرفين، وإشعاراً حقيقياً بأن هناك أزمة كبيرة تدق الأبواب، يتحتم معها التنبه بشكل جدي للمآلات والتداعيات، والبدء فوراً في كيفية إصلاح الضرر، ومعالجة الخلل، ومراجعة النفس، والاستعانة بالاستشارات النفسية والدينية المتخصصة، قبل التورط في الطلقة الثانية.

والطلقة الثانية -إذا وقعت- لنجعل منها فرصة ثانية وأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ودرء المفاسد الضخمة التي ستترتب على البينونة الكبرى، حيث لا يحق للزوج إعادة زوجته لعصمته، سواء في العدة أو بعقد جديد، إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره زواجاً شرعياً صحيحاً، قال تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: 229).

الكثير من حالات الطلاق اليوم يمكن تداركها، والقليل منها فقط هو ما يستوجب الفرقة نهائياً، ومراجعة المطلقة أظنها ضرورة قصوى قبل أن تتفاقم الأمور، ويحصد الطرفان العلقم، بعد الطلقات الثلاث، خاصة في حال وجود أبناء، وإمكانية استئناف الحياة الزوجية من جديد.

إن الطلاق الآمن، وهو برنامج تتبناه مجتمعات عربية وإسلامية، يستلزم النظر إلى مصلحة الأبناء، والخروج بأقل قدر من الأضرار النفسية والاجتماعية والأسرية، وتحويل الطلقة الأولى أو الثانية إلى فرصة حقيقية لتصويب المسار.

كلمة أخيرة: من واقع تجربة مأساوية، ليحذر كل زوج وزوجة من الطلقة الثالثة؛ لأن الخسائر فادحة، والأثمان باهظة، والتداعيات كارثية.



اقرأ أيضاً:

أنا مطلقة.. وأفتخر!

لماذا تنهار البيوت بعد شهر العسل؟

ظاهرة الطلاق في المجتمع الخليجي.. محاولة للفهم

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة