التوتر التركي الأذربيجاني.. ابحث عن «إسرائيل»

د. سعيد الحاج

02 نوفمبر 2026

18

الرئيسان_التركي_والأذربيجاني

طالما وصفت الدوائر الرسمية والإعلامية التركية تركيا وأذربيجان بأنهما «شعب واحد في دولتين»، وهي صيغة مبالغة مقصودة للتعبير عن عمق العلاقة وقوتها بين الجانبين، لكن ذلك لا يعني أن البلدين كانا دائماً على وفاق تام في الرؤى والمواقف إزاء القضايا المختلفة، فضلاً عن الاختلافات الأيديولوجية وبعض السياسات الداخلية والخارجية.

والحقيقة أن الطرفين لديهما بعض الاختلافات، بل والخلافات، التي لم تظهر إلى السطح في حينها؛ بسبب الإرادة السياسية لدى كل من أنقرة وباكو للحد منها، أو على أقل تقدير إبقائها بعيداً عن التداول الإعلامي.

ويرجع ذلك إلى أهمية كل بلد من منظور الآخر؛ فتركيا داعم أساسي لأذربيجان في صراعها مع أرمينيا، وكان لها دور بارز وملموس في حرب استعادة إقليم ناغورنو قره باغ.. وفي المقابل، تمثل أذربيجان بالنسبة إلى تركيا مصدراً رئيساً للغاز الطبيعي، وشريكاً تجارياً مهماً، وصلة وصل مع «العالم التركي» أو الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى.

وخلال الأيام الأخيرة، توترت العلاقات بشكل مفاجئ بين أنقرة وباكو؛ إذ تسببت أزمة حظر الحجاب في أذربيجان بردود فعل متوقعة في تركيا على المستويين الشعبي والنخبوي، تمثلت في كتابات رافضة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومظاهرات منددة دعت إليها بعض مؤسسات المجتمع المدني التركية، بينما لم تصدر مواقف رسمية تركية تتعلق بالأمر مباشرة.

بيد أن رد فعل باكو كان غريباً جداً ومرتفع السقف؛ حيث كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في زيارة لأذربيجان للمشاركة في القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وإجراءات الثقة في آسيا (سيكا)، حين اتهمته وسائل إعلام مقربة من الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بأنه التقى منظمات تسعى إلى إسقاط النظام في باكو، و«قدم لها توجيهات».

وردت السفارة التركية في أذربيجان على ادعاءات التدخل في الشأن الأذربيجاني، وعلى غير العادة، ببيان حاد النبرة ينفي تلك الاتهامات، ورغم ذلك، استمرت بعض وسائل الإعلام الأذربيجانية في توجيه اتهاماتها إلى أنقرة الرسمية.

والأخطر من ذلك أن النيابة العامة في أذربيجان أصدرت قراراً بالبحث الدولي والتوقيف الغيابي بحق 6 مواطنين أتراك، من بينهم إعلاميون ونشطاء في المجتمع المدني، وطلبت من أنقرة تسليمهم، على خلفية اتهامات بـ«الدعوة إلى تغيير النظام الدستوري بالقوة والتحريض على الكراهية والعداء الديني» في أذربيجان.

وباختصار، كان رد الفعل التركي شعبياً ونخبوياً، لا رسمياً، ونابعاً من دوافع دينية ومن تجربة تركيا نفسها في حظر الحجاب؛ لدرجة أن زعيم المعارضة السابق كمال كليجدار أوغلو وجه نصيحة إلى السلطات الأذربيجانية بأن تتجنب هذه الممارسات التي مرت بها بلاده سابقاً، بينما جاء رد الفعل الأذربيجاني في الإطار الرسمي؛ سياسياً وإعلامياً وقانونياً.

وقد تزامنت مع ذلك تصريحات أذربيجانية رسمية تحدثت عن أن معركة قره باغ خاضتها البلاد بجهود ذاتية، وأن الدول المساندة لم تقدم دعماً مجانياً، وإنما «باعتنا السلاح بسعر السوق»، وهو ما فُهم على أنه تقليل من الدور التركي في الحرب من جهة، ووضعه في سياق بيع السلاح لا الدعم من جهة أخرى.

ويُعد ذلك تطوراً لافتاً؛ إذ طالما كانت تركيا فاعلاً رئيساً في الحرب، حتى وفق الخطاب الأذربيجاني الرسمي، كما كانت شريكاً رئيساً في الاحتفالات السنوية بذكرى النصر في باكو، وليست مجرد ضيف مدعو إليها.

وسابقاً، كان الخلاف الرئيس بين الجانبين مرتبطاً بالعلاقة مع «إسرائيل»؛ حيث تربط أذربيجان بها علاقات تعاون وتحالف وتفاهمات أمنية، بما في ذلك إتاحة أراضيها للاستخدام الأمني والعسكري من جانب دولة الاحتلال ضد إيران، فضلاً عن تقديم الأخيرة دعماً لأذربيجان في حربها ضد أرمينيا، بينما تشهد العلاقات التركية مع «إسرائيل» مؤخراً حالة من التوتر، وصلت إلى حد المواجهة غير المباشرة في سورية، وتشكيل «إسرائيل» تحالفات تستهدف تركيا في المقام الأول، بالتعاون مع اليونان وقبرص ودول أخرى.

وكانت تقارير غير مؤكدة، لم يعلق عليها أي من الجانبين حينها، قد تحدثت عن وجود خلاف بينهما بسبب استمرار تصدير النفط الأذربيجاني إلى «إسرائيل» عبر الموانئ التركية خلال حرب الإبادة في غزة.

ومؤخراً، وعلى هامش القمة المذكورة أعلاه، سافر رئيس دولة الاحتلال إسحاق هرتسوغ على متن طائرة أذربيجانية للمشاركة في القمة، تجنباً لمنع تركيا مرور طائرته في أجوائها، كما حدث سابقاً، كما أن أذربيجان كانت من الدول الإسلامية القليلة التي لم تقاطع كلمة رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.

بيد أن كل ذلك، مما يرتبط بخلافات سابقة على خلفية العلاقات التقليدية مع دولة الاحتلال، لا يوفر إطاراً تفسيرياً كافياً للتصعيد الأذربيجاني ضد تركيا، وتوتير العلاقات معها بهذا الشكل غير المسبوق.

ولذلك، فإن السؤال المطروح: في أي سياق حالي أو مستقبلي يمكن تفسير هذا التوتر، أو بالأحرى هذا التصعيد المقصود من باكو ضد أنقرة؟

والسياق الذي يجعل هذا السؤال وجيهاً جداً اليوم ازدياد مستوى التوتر في شرق المتوسط بين تركيا و«إسرائيل»؛ حيث تعزز الأخيرة مؤخراً تحالفها مع اليونان وقبرص في مواجهة تركيا، بينما حققت أنقرة مكاسب إستراتيجية في ليبيا ومنطقة شرق المتوسط عموماً، بعد إقرار البرلمان الليبي في شرق ليبيا اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي كانت أنقرة قد وقعتها عام 2019م مع حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج، وهو ما جاء عقب انفتاح تركي على قوى شرق ليبيا، مع الحفاظ على تحالفاتها مع قوى غربها.

فهل لدى باكو معلومات عن صدام وشيك بين الجانبين في شرق المتوسط؛ ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف تصعيدية اليوم تجاه أنقرة، تمهيداً لتسويغ عدم تقديم الدعم لها في أي صدام محتمل مع دولة الاحتلال؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك في دلالاته وخطورته، بحيث يشكل اصطفافاً أذربيجانياً رسمياً مع الأخيرة ضد تركيا، سواء وقع صدام أم لم يقع؟

ولا تزال المواقف الرسمية التركية تؤكد عمق العلاقات بين تركيا وأذربيجان، وإمكانية تجاوز أي ملفات خلافية عن طريق التواصل المباشر والحوار، وبشكل أخوي، على حد تعبير وزير الخارجية هاكان فيدان.

بيد أن التصريحات الرسمية والقرارات القانونية الصادرة عن باكو تشير إلى أن الأزمة الحالية أكبر من أن تكون مجرد زوبعة صغيرة ومؤقتة في فنجان العلاقات الثنائية بين البلدين، فضلاً عن أنها تأتي في ظل أزمات المنطقة المتفاقمة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة