حفظ آثار الصحابة وبناء الذاكرة العلمية للأمة

حفظ العلم قبل ضياعه.. موقف كثير بن مرة الحضرمي

رسم توضيحي يجسد عالم يدون شيئا في إشارة إلى دور كثير بن مرة في حفظ السنة

أورد الذهبي عن يَزِيْد بن أَبِي حَبِيْبٍ أَنَّ عَبْدَالعَزِيْزِ بنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى كَثِيْرِ بنِ مُرَّةَ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ بِحِمْصَ سَبْعِيْنَ بَدْرِيّاً، قَالَ الليث: وكان يسمى الجند المقدم، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِمَا سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحَادِيْثِهِم إلَّا حَدِيْثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا(1).

هذا الخبر الذي نقله أهل العلم في تراجم كثير بن مرة الحضرمي يكشف عن مشهد مبكر من مشاهد العناية بالسُّنة النبوية، حيث التقت رغبة الدولة في جمع العلم مع وجود رجال حملوا ذاكرة الجيل الأول من الإسلام، فالموقف ليس مجرد مراسلة بين والٍ وعالم، بل صورة من صور انتقال الأمة من مرحلة المشافهة الواسعة إلى مرحلة المحافظة المنهجية على الموروث النبوي.

وكان كثير بن مرة من كبار التابعين، وقد أدرك عددًا كبيرًا من الصحابة، حتى ذكر أنه أدرك سبعين من أهل «بدر» بحمص، وهي منزلة جعلته من أهم حلقات الوصل بين جيل الصحابة ومن جاء بعدهم، ولا يمكن فهم قيمة هذا الخبر بعيدًا عن طبيعة ذلك العصر؛ فقد كان رحيل الصحابة يعني فقدان مصادر مباشرة لمعرفة تفاصيل الهدي النبوي، ولذلك أصبح حفظ ما عند هؤلاء الرجال من العلم مهمة تتجاوز الأشخاص إلى حفظ جزء من ذاكرة الأمة.

ومن هنا يظهر أن قيمة كثير بن مرة لم تكن في كثرة الرواية وحدها، بل في نوعية ما يحمله من اتصال تاريخي وعلمي بجيل التأسيس.

كيف بادرت الدولة الأموية لجمع العلم قبل ضياع الأصول؟

يكشف طلب عبدالعزيز بن مروان من كثير بن مرة أن يكتب إليه بما سمعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وعي إداري مبكر بأهمية توثيق المعرفة، فالدولة في ذلك الوقت لم تكن تتحرك فقط في ميادين السياسة والعمران، بل كانت تدرك أن بناء المجتمع لا يكتمل دون حفظ مصادر الهداية والعلم.

وحفظ العلم قبل ضياعه بالكتابة والتوثيق منهج نبوي أصيل، فقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا بينه وبين يهود المدينة بعد الهجرة توثيقًا للعهود وحفظًا للحقوق في بداية تأسيس الدولة(2).

لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة شروط «صلح الحديبية» توثيقاً للعهد وحفظاً للأمر(3)، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة لكل ما يقول، فعن عبدالله بن عَمرو، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلي الله عليه وسلم، أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلي الله عليه وسلم، ورسول الله بشرٌ، يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «‌اكتبْ، ‌فوالذي ‌نفسي ‌بيده ما خرج مني إلا حقَّ»(4).

وقد كان استثناء أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه من الطلب لكونها موجودة عندهم مثالًا على التفكير المنهجي في جمع المعلومات؛ فالهدف لم يكن مجرد تكثير الأوراق أو جمع كل شيء دون ترتيب، وإنما استكمال النقص وتحصيل ما ليس حاضرًا لديهم.

وهذا المعنى يمثل قاعدة مهمة في إدارة المعرفة؛ أن العمل الناجح لا يقوم على التكرار، بل على اكتشاف الفجوات وسدها، فالذي يملك مشروعًا علميًا أو تربويًا أو مؤسسيًا يحتاج إلى معرفة ما تم إنجازه قبل أن يبدأ، حتى يوجه جهده إلى المواضع التي تحتاج إلى إضافة حقيقية.

وهذا قريب من المعنى الذي دل عليه قول الله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) (التوبة: 122)؛ فالآية تشير إلى أهمية توزيع الأدوار، وأن الأمة تحتاج إلى من يتخصص في حمل العلم ونقله.

فكما أن المجاهدين يحفظون الثغور، فإن العلماء يحفظون ثغور المعاني والشرائع، وكثير بن مرة كان من أولئك الذين قاموا بحراسة جانب من الذاكرة العلمية للأمة.

لماذا لُقّب كثير بن مرة بالجند المقدم؟

تظهر شخصية كثير بن مرة في هذا الخبر نموذجًا للعالم الذي لم يصنع مكانته بالشهرة المجردة، وإنما بقيمة ما يحمله، فاللقب الذي ذكره الليث: «الجند المقدم» يحمل دلالة على التقدم والقيادة، وكأن مكانته العلمية جعلته في مقدمة الصفوف حين احتاج الناس إلى من يرجعون إليه.

والعالم المرجع لا يكون مؤثرًا بمجرد امتلاكه للمعلومات، بل بقدرته على حمل مسؤولية هذه المعلومات وأدائها بأمانة، فالحديث النبوي ليس مادة ثقافية عابرة، وإنما هو بيان لدين الله، ولذلك كانت أمانة النقل من أعظم خصائص أهل الحديث.

وقد أثنى القرآن على أهل العلم الذين يحملون الرسالة ويؤدونها، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)، ومن وجوه حفظ الذكر أن يهيئ الله رجالًا يحملونه نقلًا وفهمًا وتعليمًا.

ولما كانت العلوم متنوعة لا يحيط بها فرد شجع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على التخصص وبناء شخصية العالم المرجع في تخصصه، حتى يقصده الناس بالسؤال والتعلم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللهِ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهَا بِالفَرَائِضِ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ»(5).

ولم تُحْرَم الأمة الإسلامية عبر تاريخها المجيد من العلماء المرجعيون الذين يفزع إليهم الناس عند الحاجات، فعن الليث قال: قال لي عبيد الله بن عمر في ربيعة بن أبي عبد الرحمن: هو صاحب معضلاتنا وأعلمنا وأفضلنا(6).

وفي واقع الناس اليوم، تتكرر الحاجة إلى هذه الشخصية المرجعية؛ فمع كثرة المعلومات وانتشار المصادر أصبح التحدي ليس الوصول إلى المعلومة فقط، بل معرفة مصدرها وصحة نسبتها، ولذلك تبقى قيمة العالم الراسخ الذي يجمع بين المعرفة والأمانة أعظم من مجرد كثرة المحتوى.

الفرق بين جمع الرواية وتحمل أمانتها

إن أعظم ما يميز رجال الرواية في صدر الإسلام أنهم لم ينظروا إلى العلم بوصفه امتيازًا شخصيًا، بل بوصفه عهدًا ومسؤولية، فلم يكن كثير بن مرة يجمع أخبار الصحابة ليضيف إلى رصيده العلمي، وإنما كان يحمل ميراثًا سيصل إلى أجيال لم تدرك زمن النبوة ولم تسمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.

وهذه الروح هي التي صنعت مدرسة المحدثين عبر القرون؛ إذ لم يكن همهم مجرد جمع النصوص، بل التثبت من طريقها، ومعرفة رجالها، وصيانة ألفاظها ومعانيها، ومن هنا نشأ علم الإسناد الذي كان من خصائص هذه الأمة، كما قال عبدالله بن المبارك: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا ‌الْإِسْنَادُ ‌لَقَالَ ‌مَنْ ‌شَاءَ ‌مَا ‌شَاءَ»(7).

فالمشهد الذي بين أيدينا يكشف عن قيمة «الوسيط الأمين» في بناء الحضارة؛ فالحضارات لا تحفظ نفسها بالمباني وحدها، وإنما تحفظها الذاكرة العلمية التي تنتقل عبر رجال عرفوا قدر ما يحملون.

وفي عالم اليوم، حيث تتدفق المعلومات بلا حدود، تبرز الحاجة إلى هذا النموذج أكثر من أي وقت مضى؛ فليست المشكلة في وفرة البيانات، وإنما في وجود من يميز الصحيح من السقيم، وينقل المعرفة بوعي ومسؤولية، إن المجتمع الذي يفقد المرجعيات الموثوقة يصبح عرضة للاضطراب المعرفي، مهما كثرت أدواته التقنية.

إدارة المعرفة في الإسلام.. من جمع الروايات إلى بناء المنهج

يقدم موقف عبدالعزيز بن مروان مع كثير بن مرة صورة مبكرة لما يمكن تسميته اليوم بإدارة المعرفة، فقد لم يطلب منه أن يرسل كل ما لديه بطريقة عشوائية، وإنما طلب ما سمعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع استثناء ما هو موجود عنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وهذا يدل على أن جمع العلم يحتاج إلى تخطيط، وأن التوثيق الناجح يقوم على معرفة الموجود والمفقود، فالعمل العلمي لا ينجح بكثرة الجهد فقط، بل بحسن توجيه الجهد.

والناظر في تنظيم النبي صلى الله عليه وسلم للتدوين والأمر به عند الحاجة وتوجيه أصحابه في جمع القرآن وكتابته، واختيار الكُتّاب المتخصصين للوحي والرسائل يدرك ذلك جيداً(8).

وهذا المعنى حاضر في مختلف مجالات الحياة؛ فالمؤسسة التعليمية التي تريد التطوير لا تبدأ دائمًا بإضافة برامج جديدة، بل تدرس ما لديها من نقاط قوة ونقاط نقص، والداعية الناجح لا يكرر الخطاب نفسه في كل بيئة، بل يعرف احتياجات الناس والأسئلة التي تحتاج إلى معالجة.

لقد كان ذلك الجيل يدرك أن العلم ثروة، والثروات تحتاج إلى إدارة، وكما أن المال إذا لم يحسن صاحبه حفظه وتنميته ضاع، فإن العلم إذا لم يحسن أهله جمعه وتبليغه قد تضيع آثاره بمرور الزمن.

كيف حفظ كثير بن مرة شهادات جيل التأسيس؟

من أكثر ما يلفت النظر في الخبر قولهم: إن كثير بن مرة «أدرك بحمص سبعين بدريًا»، وهذا الرقم ليس مجرد إحصاء تاريخي، بل يحمل دلالة على حجم الخبرة التي اجتمعت عند هذا الرجل.

فالصحابة الذين شهدوا «بدرًا» يمثلون الطبقة الأولى من جيل الإسلام؛ شهدوا مرحلة التأسيس، وعايشوا التنزيل، ورأوا تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم للرسالة في واقع الحياة، ولذلك فإن الوصول إلى مروياتهم كان وصولًا إلى طبقة عالية من المعرفة التاريخية والدينية.

وهنا يظهر درس مهم في تقدير أصحاب الخبرة؛ فكثير من المؤسسات والمجتمعات تخسر خبراتها حين لا تنتبه إلى قيمة أصحاب التجربة إلا بعد فقدهم، أما المنهج النبوي والتاريخ الإسلامي فيظهر فيه الحرص على الاستفادة من أهل السبق والعلم والخبرة في جميع نواحي الحياة.

فقد استفاد النبي صلى الله عليه وسلم من خبرة سلمان الفارسي رضي الله عنه النادرة في حفر الخندق؛ حيث أشار بخطة لم تكن تعرفها العرب، فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا بِفَارِسَ إِذَا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا»(9)؛ فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بخبرته وتجربته النادرة.

وفي واقعنا المعاصر،

  • تحتاج الأسرة إلى الاستفادة من خبرة كبارها،
  • وتحتاج المؤسسات إلى حفظ تجارب روادها،
  • وتحتاج الأمة إلى توثيق شهادات من عاصروا التحولات الكبرى؛ لأن الخبرة الإنسانية رأس مال لا يعوض بسهولة.

كيف تتكامل السلطة التنفيذية مع المرجعية العلمية؟

قد يتصور بعض الناس أن العلاقة بين السلطة والعلم في التاريخ الإسلامي كانت دائمًا علاقة صراع، لكن هذا الموقف يقدم صورة أخرى؛ صورة التعاون حين يدرك كل طرف دوره، فعبدالعزيز بن مروان، بوصفه واليًا، امتلك القدرة الإدارية التي تمكنه من طلب العلم وجمعه، وكثير بن مرة امتلك الرصيد العلمي الذي يجعله مصدرًا لهذا الجمع، لم يكن أحد الطرفين بديلًا عن الآخر؛ فالإدارة تحتاج إلى العلم، والعلم يحتاج أحيانًا إلى وسائل تحفظ انتشاره.

وهذا التكامل أحد أسباب ازدهار الحضارة الإسلامية؛ فقد قامت مشاريع علمية كبرى عبر تعاون العلماء مع مؤسسات الدولة والمجتمع، والمقصود ليس أن يكون العلم تابعًا للسلطة، ولا أن تتحول السلطة إلى بديل عن العلماء، وإنما أن يعمل كل طرف في مجاله مع حفظ الاستقلال العلمي والأمانة.

وقد تنوعت الأمثلة النبوية في ذلك، فقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، رضي الله عنهما، في أمور الدولة والحرب؛ كما حدث في مصانعة غطفان بثلث ثمار المدينة، فلما أشارا عليه برفض ذلك لعدم الحاجة إليه، نزل النبي صلى الله عليه وسلم عند رأيهما العلمي والقيادي تكاملاً بين القيادة وأهل الرأي(10).

كما استعان النبي صلى الله عليه وسلم بالأمناء والعلماء؛ كاستعانته بمعاذ بن جبل رضي الله عنه وإرساله إلى اليمن للقضاء والتعليم وإدارة أمور الزكاة والعلم بتفويض تام(11).

ومن هنا يظهر أن القيادة الناجحة لا تكتفي بإدارة الموارد المادية، بل تبحث عن أصحاب المعرفة وتفتح لهم المجال لخدمة المجتمع، والقائد الذي يعرف قيمة أهل الاختصاص يختصر على أمته كثيرًا من مراحل التجربة والخطأ.

الفرق بين الشهرة الزائفة والأثر العلمي العميق

إن سيرة كثير بن مرة تعلم أن الإنسان لا يُقاس فقط بطول عمره أو كثرة ظهوره، وإنما بما يتركه من أثر، فقد كان واحدًا من أولئك الذين أصبحوا جسورًا بين الأجيال، يحملون الماضي ليصنعوا به مستقبلًا أكثر رسوخًا.

والتربية الناجحة لا ينبغي أن تركز فقط على صناعة أفراد يمتلكون المعلومات، بل على صناعة أصحاب رسالة يشعرون بأن ما عندهم أمانة، فالطالب الذي يتعلم ليخدم، والمعلم الذي يربي ليبني، والباحث الذي يحقق ليحفظ الحقيقة؛ كل هؤلاء يسيرون في معنى قريب من معنى أولئك الذين حملوا العلم في القرون الأولى.

فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يأتي المدينة، وهو من فقراء قبيلة دوس، فلا يكتفي بالطعام والشراب ومجرد الحضور لمجالس النبي صلى الله عليه وسلم؛ وإنما يصنع قيمة عظيمة بالانتباه والحفظ للحديث النبوي الشريف، ثم نقله إلى الأمة الإسلامية، حتى عد أبو هريرة من المكثرين لرواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي زمن أصبحت فيه الشهرة أسرع من المعرفة، تبرز قيمة الإنسان الذي يعمل بصمت ويترك أثرًا ممتدًا، فكثير بن مرة لم يكن نموذجًا لصاحب حضور إعلامي واسع، بل نموذجًا لصاحب أثر عميق.

كيف تحمي الأمة مستقبلها بحفظ ذاكرتها العلمية؟

يكشف خبر كثير بن مرة الحضرمي عن جانب مهم من عبقرية الحضارة الإسلامية؛ فقد كانت تعرف أن بقاء الرسالة لا يكون بحفظ النصوص فقط، بل بحفظ طرق وصولها، وبناء الرجال القادرين على حملها، ففي ذلك اللقاء بين عبدالعزيز بن مروان، وكثير بن مرة، نرى قائدًا يبحث عن المعرفة، وعالمًا يحمل الأمانة، ومجتمعًا يدرك أن العلم أصل من أصول بقائه، ومن هنا فإن قيمة العلماء ليست في كثرة ما يقولون فقط، بل في قدرتهم على حفظ الحق ونقله بأمانة.

ولهذا، حرص الصحابة ومن جاء بعدهم على المدارسة والتعليم؛ كما جاء عن علي بن الحسين رضي الله عنهما: «كُنَّا نُعَلَّمُ مَغَازِيَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَرَايَاهُ، كَمَا تُعَلَّمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ»(12).

ويبقى النموذج حاضرًا لكل زمان؛

  • احفظ أصحاب الخبرة قبل فقدهم،
  • وقدّر أهل العلم قبل انقطاعهم،
  • وابنِ المؤسسات التي تجعل المعرفة تنتقل من جيل إلى جيل؛ فالأمم التي تحفظ ذاكرتها تستطيع أن تبني مستقبلها بثقة.
الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 11).
  • 2 البداية والنهاية (4/ 520).
  • 3 سيرة ابن هشام (2/ 317).
  • 4 مسند أحمد بسند صحيح (6510).
  • 5 سنن الترمذي بسند صحيح (3790).
  • 6 صفة الصفوة (1/ 383).
  • 7 مقدمة صحيح مسلم (1/ 12).
  • 8 البداية والنهاية (4/ 52).
  • 9 تاريخ الطبري (2/ 566).
  • 10 سيرة ابن هشام (2/ 223).
  • 11 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (1/ 37).
  • 12 البداية والنهاية (3/ 297).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة