واجبات النصرة لأهل غزة

في ظل الإبادة الجماعية التي يتعرض
لها أهل غزة من الكيان الصهيوني وأمريكا والغرب من ورائهم، أضحت النصرة من أهل
الإسلام لإخوانهم واجبة شرعا أفرادا وجماعات وشعوبا وحكومات، وقد تنادت أصوات
المستضعفين بطلب الإغاثة والنصرة، وطلب النصرة سنة جارية، قال ابن إسحاق: ولما هلك
أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه
في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، يلتمس النصرة
من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل،
فخرج إليهم وحده.[1]
وقد جرت سنة الله تعالى أن تكون
النصرة منه على يد المؤمنين بأن يبذلوا الجهد والقوة والجهاد على الكافرين، «قال
أهل الإثبات: النصر من الله ما يفعله ويقذفه في قلوب المؤمنين من الجرأة على
الكافرين وقد تسمى القوة على الإيمان نصراً.» [2] .
أنواع النصرة:
نصرة خاصة:
وهي المقصودة من قوله
صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا: يا رسول الله ننصره مظلوما
فكيف ننصره ظالما قال: تأخذ على يديه عند الظلم).
نصرة عامة:
والمقصود بها: الجهاد والرباط، والأمر بالمعروف، هي النصرة
العامة.» [3] .
مشروعية النصرة:
وقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث
النبوية تبين وجوب النصرة، من ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ
الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39].، وقوله: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ
ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: 41].
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:
"دونك فانتصري" (أخرجه أحمد).
والنصرة من الواجبات على الأمة كافة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرنا بعيادة
المريض ونصرة المظلوم" (النسائي). بل حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك
النصرة بين المؤمنين، فقال صلى الله عليه وسلم: "من أذل عنده مؤمن فلم ينصره،
وهو يقدر على نصره أذله الله على رءوس الأشهاد يوم القيامة" (أخرجه أحمد).
وقد رأينا اليوم بأم أعيينا كيف
نسلم إخواننا لأعداء الله وأعدائنا بخذلان قل نظيره، حتى إن أعداءنا يتعجبون من
ذلك الخذلان، ولم يكن يتوقعونه هكذا، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك
الخذلان، وجعله من خوارق الأخوة الإسلامية، ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمرأن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة
أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم
القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ". ونحن اليوم نسلم إخواننا لأعدائنا بصمتنا
وتخاذلنا شعوبا وحكومات، فلكم الله يا أهل غزة!
إن العالم اليوم يتمايز إلى معسكرين
لا ثالث لهما، معسكر الكفر والإلحاد والظلم الذي تقوده الحركة الصهيونية العالمية
وعلى رأسها أمريكا والكيان الصهيوني وبعض الأنظمة الغربية، وبعض المتخاذلين
والمطبعين والمتواطئين من بعض الأنظمة العربية، ومعسكر الإسلام والإيمان، وتمثله
اليوم الشعوب المسلمة، وتناصرها كثير من الشعوب غير المسلمة.
والقاعدة في النصرة:" فعل
المقدور والميسور، كل حسب طاقته ومكانته"، فنصرة الأفراد تختلف عن نصرة
الجماعات والمؤسسات وعن نصرة الدول والأنظمة والحكومات.
أهم واجبات النصرة:
الواجب الأول- الجهاد بالدعاء
الدائم:
وذلك سرا وجهرا، في المفروضات والنوافل
وفي كل حال، وفي الحديث: "من دعا على من ظلمه فقد انتصر" (الترمذي). كما
يجب على الأئمة القنوت في الصلوات وهي سنة مؤكدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وعلى الخطباء الدعاء على المنابر في خطبهم، وهذا أقل المقدور، وفي الدعاء طلب
النصرة من الله وتفويض الأمر إليه، كما أن في دعاء القنوت إحياء للقضية في نفوس
المسلمين، فيتذكر المسلمون إخوانهم في كل صلاة.
الواجب الثاني: الجهاد بالمال:
وألا يكتفى بإخراج الزكاة لهم، بل يخرج كل من حر
ماله ما يثبت به اسمه في سجل المجاهدين عند الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿انْفِرُوا
خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41]، وقد جعل
الله بذل المال تجارة معه سبحانه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ
أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: 10-11].
والجهاد بالمال واجب على كل قادر من الأفراد والشركات
والمؤسسات والدول، ويشمل الجهاد بالمال إعانة أهل غزة بالطعام والماء والدواء
والكساء والمسكن والطاقة وغيرها من الاحتياجات الأساسية، كما يشمل كذلك تجهيز
المجاهدين والغزاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من جهز غازيا في سبيل
الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله في أهله بخير فقد غزا"، متفق عليه.
الواجب الثالث: الجهاد بالفكر:
وذلك بنشر قضيتهم وفضح أعدائهم، ودحض الشبهات عنهم، وإخراس
كل لسان متخاذل، والجهاد بالكلمة له أهمية كبرى كما الجهاد بالنفس، وفي سنن أبي
داود من حديث النبي صلى الله عليه وسلم:" جاهدوا المشركين بأموالكم وألسنتكم
وأنفسكم"، ولما قال فرعون لموسى عليه السلام:" ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ
يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾، فرد عليه موسى قائلا: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ
مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102]، وقد ثبت تأثير الحرب الإعلامية في تحريك الرأي العام،
بل تحريك الأنظمة والمؤسسات الدولية.
الواجب الرابع: المقاطعة الاقتصادية:
فمن واجبات النصرة لأهل غزة تفعيل المقاطعة الاقتصادية من
قبل الأفراد والشركات والمؤسسات والنظم والحكومات، فيمتنع الأفراد عن شراء البضائع
التي ينتجها الكيان الصهيوني وكذلك النظم التي تشاركه حرب الإبادة، وتقاطع الشركات
والمؤسسات التجارية في العالم الإسلامي شركات الكيان الصهيوني ومن يعاونه من
الاستيراد والتصدير للسلع والبضائع الكبيرة والصغيرة، كما تقاطع الحكومات الكيان
الصهيوني في التبادل التجاري بينهما، وإنه لمن الخزي والعار أن تكون هناك دول
مسلمة تشارك شركات صهيونية تقوم ببناء المستوطنات.
وقد نقل الإمام النووي في المجموع (9/432) الإجماع على تحريم
بيع السلاح لأهل الحرب، ويقاس عليه كل ما يعين العدو على قتال المسلمين. ودليل
مشروعية المقاطعة، ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ثمامة بن أثال
لما أسلم سافر إلى مكة للعمرة وقال لأهل مكة: والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة
حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم» وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على
ذلك.
الواجب الخامس: منع تهجير أهل غزة:
فيجب على الحكومات والأنظمة
الإسلامية منع تهجير أهل غزة لأي مكان آخر، لأن التهجير القسري جريمة حرب لا تجوز
شرعا وقانونا، ويجب فعل كل شيء يمنع التهجير، وقد شرع الله تعالى القتال لأجل منع
التهجير ظلما، كما قال تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله
على نصرهم لقدير الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن
يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ
فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ
اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الحج، الآية: 39-40]، وقال الإمام ابن قيم
الجوزية رحمه الله: "الإكراه على ترك الديار أو الانتقال منها بغير حق هو من
الظلم الذي حرمه الله ورسوله" .
وقد عرف القانون الدولي التهجير القسري بأنه: "إخلاء غير قانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها"، وهو يندرج ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية؛ بل هو جريمة ضد الإنسانية، كما جاء في نظام روما الإنساني للمحكمة الجنائية الدولية، وهو ما أكدته المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م.
واجبات أخرى:
كما يجب على الأفراد والمؤسسات والشعوب القيام بكل ما من شأنه
النصرة ومنع خذلان إخوتنا بكل وسيلة ممكنة، كل حسب استطاعته، من رفع الدعاوى
القضائية على الكيان الصهيوني ومن يحالفه في المحافل الدولية، وتنظيم المسيرات
السلمية بالتنسيق مع الجهات المختصة، لبيان موقف الشعوب الرافض لهذا الظلم،
ولتخفيف الضغط على الحكومات الإسلامية، وعمل الحملات الإعلامية في كل وسائل
الإعلام ووسائل التواصل، وتخصيص الخطب والدروس في تفقيه الناس بالقضية وأبعادها
المتنوعة، والتنسيق مع المؤسسات
والبرلمانيين والمنظمات الحقوقية والإنسانية في العالم؛ للضغط على الكيان
الصهيوني لوقف الإبادة وقبول التفاوض لإنهاء هذه الحرب الظالمة.