المثل العربي الأشهر «أخسرُ من صفقة أبي غبشان».. ما هي القصة؟

المثل العربي الأشهر «أخسرُ من صفقة أبي غبشان».. ما هي القصة؟

23 مشاهدة

08 أكتوبر 2026 - 19:00


شَرَفٌ ضَاعَ!

مِنْ نَفَائِسِ مَا خَطَّهُ الإِمَامُ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي سِفْرِهِ المَاتِعِ «أَخْبَارُ الحَمْقَى وَالمُغَفَّلِينَ»؛ أَنَّ أَبَا غَبْشَانَ الخُزَاعِيَّ؛ سُلَيْمَ بْنَ عَمْرٍو، كَانَ يَتَرَبَّعُ عَلَى ذُرْوَةِ الشَّرَفِ فِي مَكَّةَ؛ إِذْ قُلِّدَ سِدَانَةَ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، فَكَانَتْ مَفَاتِيحُ البَيْتِ العَتِيقِ فِي يَدِهِ، وَهُوَ مَقَامٌ رَفِيعٌ تَهْفُو إِلَيْهِ نُفُوسُ السَّادَةِ، وَتَشْرَئِبُّ لَهُ أَعْنَاقُ القَبَائِلِ.

وَذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الطَّائِفِ، جَمَعَ مَجْلِسُ الشَّرَابِ بَيْنَ أَبِي غَبْشَانَ، وَقُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، دَاهِيَةِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهَا، وَمَا زَالَتِ الكُؤُوسُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا، وَالخَمْرُ تَتَسَلَّلُ إِلَى رَأْسِ أَبِي غَبْشَانَ، حَتَّى غَابَ عَقْلُهُ، وَسُلِبَتْ نَخْوَتُهُ المُتَأَصِّلَةُ!

هُنَالِكَ، لَمَحَ قُصَيٌّ غَايَتَهُ فِي ذَلِكَ العَقْلِ المُغَيَّبِ، فَانْتَهَزَ الفُرْصَةَ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ صَفْقَةً تَسْتَحِي مِنْهَا المُرُوءَةُ؛ فَقَدِ اشْتَرَى مِنْهُ «سِدَانَةَ الكَعْبَةِ» مُقَابِلَ «زِقِّ خَمْرٍ» مَلِيءٍ! وَفِي غَمْرَةِ السُّكْرِ المَشِينِ، بَصَمَ أَبُو غَبْشَانَ عَلَى حَمَاقَتِهِ الكُبْرَى، وَأَسْلَمَ المَفَاتِيحَ لِقُصَيٍّ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، مُضَيِّعاً إِرْثاً لاَ يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ!

لَمْ يُضَيِّعْ قُصَيٌّ لَحْظَةً وَاحِدَةً، بَلْ حَثَّ جَوَادَهُ سَارِياً إِلَى مَكَّةَ، وَمَا إِنْ بَلَغَ مَشَارِفَهَا حَتَّى نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذِهِ مَفَاتِيحُ بَيْتِ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ، رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ وَلاَ غَصْبٍ!».

وَفَلَقَ الصُّبْحُ عَنْ فَاجِعَةٍ مُدَوِّيَةٍ؛ إِذْ أَفَاقَ أَبُو غَبْشَانَ مِنْ سَكْرَتِهِ، فَتَلَمَّسَ مَفَاتِيحَهُ فَلَمْ يَجِدْهَا، وَعَلِمَ يَقِيناً أَنَّهُ بَاعَ شَرَفَ الدُّنْيَا بِقَطَرَاتِ مَهَانَةٍ! فَتَجَرَّعَ نَدَامَةً قَطَّعَتْ نِيَاطَ قَلْبِهِ، وَثَارَتْ قَبِيلَتُهُ خُزَاعَةُ لِتَسْتَرِدَّ مَجْدَهَا المَسْلُوبَ، فَهَبَّتْ إِلَى قُصَيٍّ صَارِخَةً مَحْمُومَةً: «رُدَّ عَلَيْنَا مَفَاتِيحَنَا؛ فَإِنَّ أَبَا غَبْشَانَ بَاعَ مَا لاَ يَمْلِكُ!».

لَكِنَّ قُصَيّاً أَبَى رَدَّهَا، فَاحْتَشَدَتْ جُيُوشُ خُزَاعَةَ، وَتَجَمَّعَتْ قُرَيْشٌ لِلنِّزَالِ، فَدَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى خُزَاعَةَ، وَانْتَصَرَتْ قُرَيْشٌ لِتَسْتَقِرَّ السِّدَانَةُ فِيهَا بِلَا رَجْعَةٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، صَارَ أَبُو غَبْشَانَ مَضْرِبَ الأَمْثَالِ، وَعَلَماً عَلَى كُلِّ نَدَامَةٍ قَاسِيَةٍ، وَخُسْرَانٍ لاَ يُعَوَّضُ، فَجَرَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ العَرَبِ مَقُولَةُ: «أَخْسَرُ مِنْ صَفْقَةِ أَبِي غَبْشَانَ!» وَ«أَنْدَمُ مِنْ أَبِي غَبْشَانَ!».


الفَائِدَةُ وَالعِبْرَةُ:

فِي هَذِهِ الحَادِثَةِ العَجِيبَةِ نَذِيرٌ بَالِغٌ لِكُلِّ مَنْ يَسْتَرْخِصُ مَبَادِئَهُ؛ فَقَدْ يَتَخَلَّى المَرْءُ فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ عَنْ أُصُولِهِ وَثَوَابِتِهِ مُقَابِلَ نَشْوَةٍ عَابِرَةٍ، وَفِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ، نُبْصِرُ صُوَراً مُحْزِنَةً لِمَنْ يَبِيعُ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ لِأَجْلِ مَكْسَبٍ سَرِيعٍ، أَوْ حَفْنَةِ إِعْجَابٍ وَشُهْرَةٍ زَائِفَةٍ عَلَى مَنَابِرِ التَّفَاهَةِ!

فَالْعَاقِلُ مَنْ حَرَسَ عَقْلَهُ وَصَانَ شَرَفَهُ، مُدْرِكاً أَنَّ لَذَّةَ التَّنَازُلَاتِ تَذْهَبُ وَيَبْقَى شَقَاؤُهَا، كَيْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ بِأَيْدِي الحَسْرَةِ حِينَ يَسْتَيْقِظُ عَلَى رَمَادِ أَمْجَادِهِ، فَيَعِيشَ أَبَدَ الدَّهْرِ أَسِيرَ نَدَامَةٍ تُمَزِّقُ نِيَاطَ قَلْبِهِ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ.


الرابط المختصر :

مرئيات ذات صلة

سر الوسوسة!

01 أكتوبر 2026 - 20:10

26

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة