سر الوسوسة!
26 مشاهدة
01 أكتوبر 2026 - 20:10
سِرُّ الوَسْوَسَةِ!
مِنْ نَفَائِسِ مَا حَفِظَتْهُ كُتُبُ الزُّهْدِ وَأَخْبَارِ السَّلَفِ، مَا رُوِيَ عَنْ العَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ العَدَوِيِّ، وَهُوَ مِنْ عُبَّادِ التَّابِعِينَ وَزُهَّادِ البَصْرَةِ، فِي جَوَابٍ بَلِيغٍ قَالَهُ لِرَجُلٍ شَكَا إِلَيْهِ وَسْوَسَةً وَجَدَهَا فِي صَدْرِهِ.
فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ إِلَى العَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ قَلَقٌ يُؤْلِمُهُ، فَقَالَ لَهُ: «يَا أَبَا العَلَاءِ، إِنِّي أَجِدُ فِي صَدْرِي وَسْوَسَةً تُؤْذِينِي».
فَلَمْ يُجِبْهُ العَلَاءُ بِكَلِمَاتٍ مُعَقَّدَةٍ، وَلَمْ يُرْسِلْ لَهُ مَوْعِظَةً طَوِيلَةً، وَلَكِنَّهُ ضَرَبَ لَهُ مَثَلًا يَدْخُلُ إِلَى القَلْبِ قَبْلَ العَقْلِ.
قَالَ لَهُ: «إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مِثْلُ البَيْتِ الَّذِي تَطْرُقُهُ اللُّصُوصُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ عَالَجُوهُ، وَإِلَّا مَضَوْا وَتَرَكُوهُ».
ثُمَّ قَالَ: «فَكَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ، إِنَّمَا يَعْرِضُ لَهُ الشَّيْطَانُ إِذَا كَانَ فِيهِ خَيْرٌ».
الفَائِدَةُ والعِبْرَةُ:
تُعَلِّمُنَا هَذِهِ الكَلِمَاتُ أَنَّ مَجِيءَ الوَسَاوِسِ لَا يَعْنِي ضَعْفَ الإِيمَانِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عَلامَةً عَلَى حَيَاةِ القَلْبِ وَمُقَاوَمَتِهِ، فَحِينَمَا يُجَاهِدُ الإِنْسَانُ خَوَاطِرَ السُّوءِ فَهُوَ يَحْمِي أَغْلَى مَا يَمْلِكُ؛ «قَلْبَهُ».
وَلَعَلَّ أَكْبَرَ مَا نَحْتَاجُهُ فِي عَصْرٍ كَثُرَتْ فِيهِ المُشْتِّتَاتُ أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَ أَفْكَارِنَا بِوَعْيٍ، فَلَا نُصَدِّقُ كُلَّ خَاطِرٍ، وَلَا نَسْتَسْلِمُ لِكُلِّ شُعُورٍ، فَقَلْبُ المُؤْمِنِ مَحَلُّ صِرَاعٍ، وَحِفْظُهُ سَبِيلُ الثَّبَاتِ وَالسَّعَادَةِ.
لا يَطْرُقُ اللِّصُّ بَيْتًا حَلَّهُ الخَرَبُ ولا يُعَنِّي دِيَارًا مَا بِهَا ذَهَبُ
إِنَّمَا يَقْصِدُ الأَمْلاكَ حِينَ يَرَى فِيهَا الذَّخَائِرَ وَالخَيْرَاتِ تُكْتَسَبُ
فَلا تَسُؤْكَ وَسَاوِسُ تَطُوفُ بِمَنْ أَحْيَا الفُؤَادَ، وَفِي أَرْجَائِهِ الأَدَبُ
فَلَوْ خَلا القَلْبُ مِنْ نُورٍ وَمِنْ قَبَسٍ لَمَا أَتَاهُ غُوَاةُ الشَّرِّ وَانْتَصَبُوا
لَكِنَّهُ الكَنْزُ فِي صَدْرِ الحَلِيمِ غَدَا مَرْمَى العُدَاةِ، وَلِلْحُسَّادِ مُرْتَقَبُ