عزم أصحابه على العشاء.. ثم حاسبهم على الفقر!
5 مشاهدة
13 أكتوبر 2026 - 07:50
حِسَابُ الضِّيَافَةِ!
يَرْوِي الجَاحِظُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ خَلَفٍ اليَزِيدِيَّ -وَقَدْ وَرِثَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَثَرْوَةً طَائِلَةً- كَانَ يَرَى الإِنْفَاقَ سَفَهًا وَالجُودَ مَغْرَمًا! وَكَانَ حِينَمَا يَنْصَحُ صَدِيقًا، يُشِيرُ عَلَيْهِ بِأَكْلِ «المُثَلَّثَةِ»؛ وَهِيَ حَسَاءٌ ثَخِينٌ، لِيَسُدَّ بِهَا جُوعَ أَهْلِهِ صَيْفًا وَشِتَاءً؛ زَاعِمًا أَنَّهَا تُغْنِي عَنِ الكِسْوَةِ وَالفَحْمِ وَالطَّعَامِ!
فَلَمَّا
أَلَحَّ عَلَيْهِ إِخْوَانُهُ، صَنَعَ لَهُمْ طُعَيْمًا خَفِيفًا لَا كُلْفَةَ
فِيهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ مَسْرُورًا بِمَنْطِقِهِ فَقَالَ: «أَسْأَلُكُمْ
بِاللَّهِ، أَنَا السَّاعَةَ أَيْسَرُ وَأَغْنَى، أَمْ قَبْلَ أَنْ تَأْكُلُوا
طَعَامِي؟».
قَالُوا: «بَلْ
كُنْتَ قَبْلَهُ أَغْنَى!».
قَالَ: «فَأَنَا
السَّاعَةَ أَقْرَبُ إِلَى الفَقْرِ أَمْ تِلْكَ السَّاعَةَ؟».
قَالُوا: «بَلْ
أَنْتَ السَّاعَةَ أَقْرَبُ إِلَى الفَقْرِ!».
فَصَاحَ بِهِمْ:
«فَمَنْ يَلُومُنِي عَلَى دَعْوَةِ قَوْمٍ يَدْفَعُونَنِي إِلَى الفَقْرِ،
وَيُبَاعِدُونَنِي عَنِ الغِنَى؟!».
الفَائِدَةُ
وَالعِبْرَةُ:
يُجَسِّدُ هَذَا
المَشْهَدُ طُغْيَانَ الشُّحِّ عَلَى العَقْلِ، إِذْ يَسْتَنْبِطُ البَخِيلُ
بَرَاهِينَ تُحَوِّلُ المُرُوءَةَ إِلَى غَبَاءٍ، وَالكَرَمَ إِلَى انْحِرَافٍ
مَالِيٍّ! وَإِنَّ الثَّرْوَةَ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِضِيقِ الصَّدْرِ اسْتَحَالَتْ
غُلًّا فِي العُنُقِ؛ فَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ يَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ
الفُقَرَاءِ، وَيُحَاسَبُ فِي الآخِرَةِ حِسَابَ الأَغْنِيَاءِ!
وَمَا قِيمَةُ
المَالِ إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ سَجِينًا بَيْنَ أَرْقَامِهِ، خَاوِيَ النَّفْسِ
مِنْ جَلَالِ المُرُوءَةِ وَلَذَّةِ العَطَاءِ؟
إنَّ الشُّحَّ
لَا يَصُونُ الثَّرْوَةَ، بَلْ يُعَجِّلُ بِمَقْتِ صَاحِبِهَا، وَإِنَّ المَرْءَ
لَا يُذْكَرُ يَوْمًا بِمَا جَمَعَ وَاحْتَكَرَ، بَلْ بِمَا جَادَ بِهِ وَأَبْقَى!
وَقَدْ صَدَقَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى حِينَ قَالَ:
وَمَنْ يَكُ ذَا
فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَيُذْمَمِ