بَقَايَا اللَّذَّاتِ!
15 مشاهدة
27 أكتوبر 2026 - 10:00
مِنْ جَمِيلِ مَا خَطَّتْهُ كُتُبُ
الأَدَبِ وَالتُّرَاثِ هَذِهِ المَحَطَّةُ الخَالِدَةُ، حَيْثُ تَتَجَلَّى
حِكْمَةُ المَشِيبِ لِتُفْصِحَ عَنْ جَوْهَرِ اللَّذَّةِ الحَقِيقِيَّةِ حِينَ
تَصْفُو النُّفُوسُ.
فَقَدْ دَخَلَ شَيْخٌ كَبِيرٌ
يُقَالُ لَهُ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ عَلَى الخَلِيفَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ
عَبْدِالمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: «يَا شَيْخُ، هَلْ بَقِيَ فِيكَ
بَقِيَّةٌ لِلَّذَّائِذِ؟»، فَقَالَ الشَّيْخُ: «نَعَمْ يَا أَمِيرَ
المُؤْمِنِينَ»، قَالَ: «وَمَا هِيَ؟»، قَالَ: «شُكْرُ المُنْعِمِ إِذَا أَنْعَمَ،
وَالصَّبْرُ عَلَى المَكْرُوهِ إِذَا نَزَلَ، وَالاحْتِمَالُ لِلصَّدِيقِ إِذَا
زَلَّ».
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: «نِعْمَ
البَقِيَّةُ هَذِهِ! لِلَّهِ دَرُّكَ مِنْ شَيْخٍ!».
الفَائِدَةُ
والعِبْرَةُ:
تَكْشِفُ هَذِهِ الحِكْمَةُ
السَّامِيَةُ عَنْ سُمُوِّ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ حِينَمَا تَرْتَقِي فَوْقَ
اللَّذَّاتِ المَادِيَّةِ الزَّائِلَةِ لِتَبْلُغَ جَوْهَرَ النُّضْجِ
الإِنْسَانِيِّ، إِذْ نَحْتَاجُ اليَوْمَ فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ إِلَى
إِعَادَةِ تَعْرِيفِ مَفْهُومِ السَّعَادَةِ بَعِيدًا عَنْ طُغْيَانِ
الِاسْتِهْلَاكِ المَادِيِّ.
ولَعَلَّ المَغْزَى الأَعْمَقَ
يَتَجَلَّى فِي جَعْلِ اللَّذَّةِ فِي صَفَاءِ العَقْلِ، وَعُمْقِ الشُّكْرِ
عِنْدَ النَّعْمَاءِ، وَصَلَابَةِ الصَّبْرِ عِنْدَ البَلَاءِ، وَسَعَةِ الصَّدْرِ
فِي التَّغَافُلِ عَنْ زَلَّاتِ الأَصْدِقَاءِ.
فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى هَذَا
الفِقْهِ الأَخْلَاقِيِّ الَّذِي يَصُونُ المَوَدَّاتِ، وَيُحَقِّقُ
الطُّمَأْنِينَةَ فِي زَمَنِ المَادِيَّاتِ! وَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو الطَّيِّبِ
المَتَنَبِّي حِينَ قَالَ فِي سُمُوِّ العَقْلِ وَشَرَفِ النَّفْسِ:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم