حُجَّةُ البَخِيلِ!
10 مشاهدة
22 أكتوبر 2026 - 12:00
فِي كِتَابِ «البُخَلَاءُ»
لِلْجَاحِظِ، تُطَالِعُنَا هَذِهِ النَّادِرَةُ الطَّرِيفَةُ فِي دَهَاءِ البُخْلِ
وَفَلْسَفَةِ المُمْسِكِينَ؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ زُبَيْدَةَ بْنَ حُمَيْدٍ
الصَّيْرَفِيَّ اسْتَسْلَفَ مِنْ بَقَّالٍ عَلَى بَابِ دَارِهِ دِرْهَمَيْنِ وَقِيرَاطًا،
فَلَمَّا قَضَاهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، قَضَاهُ دِرْهَمَيْنِ وَثَلَاثَ
حَبَّاتِ شَعِيرٍ!
فَاغْتَاظَ البَقَّالُ وَقَالَ
مُسْتَنْكِرًا: «سُبْحَانَ اللَّهِ! أَنْتَ رَبُّ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ،
وَأَنَا بَقَّالٌ لَا أَمْلِكُ مِائَةَ فِلْسٍ، وَإِنَّمَا أَعِيشُ بِكَدِّي!
صَاحَ عَلَى بَابِكَ جَمَّالٌ وَحَمَّالٌ فَنَقَدْتُ عَنْكَ دِرْهَمَيْنِ
وَأَرْبَعَ شَعِيرَاتٍ، فَتَقْضِينِي بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ دِرْهَمَيْنِ
وَثَلَاثَ شَعِيرَاتٍ؟!».
فَقَالَ زُبَيْدَةُ بِدَهَاءٍ
وَثِقَةٍ: «يَا مَجْنُونُ! أَسْلَفْتَنِي فِي الصَّيْفِ فَقَضَيْتُكَ فِي
الشِّتَاءِ، وَثَلَاثُ شَعِيرَاتٍ شَتَوِيَّةٍ نَدِيَّةٍ أَرْزَنُ مِنْ أَرْبَعِ
شَعِيرَاتٍ يَابِسَةٍ صَيْفِيَّةٍ، وَمَا أَشُكُّ أَنَّ مَعَكَ فَضْلًا!».
الفَائِدَةُ
وَالعِبْرَةُ:
تَكْشِفُ هَذِهِ النَّادِرَةُ عَنْ
طَبِيعَةِ البُخْلِ حِينَمَا يَتَسَرْبَلُ بِثَوْبِ المَنْطِقِ، وَكَيْفَ
يُسَخِّرُ المُمْسِكُونَ ذَكَاءَهُمْ لِتَبْرِيرِ الشُّحِّ وَبَخْسِ الحُقُوقِ!
وَحِينَمَا نَسْتَحْضِرُ هَذَا
المَوْقِفَ فِي وَاقِعِنَا، نَدْرِكُ أَنَّ الفِطْنَةَ إِذَا خَلَتْ مِنَ
المُرُوءَةِ وَالكَرَمِ صَارَتْ خِدَاعًا، وَأَنَّ حُسْنَ المَعَامَلَةِ
وَإِعْطَاءَ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ هُمَا جَوْهَرُ الأَخْلَاقِ النَّبِيلَةِ؛
فَالشُّحُّ يَأْكُلُ المُرُوءَةَ، وَيَطْمِسُ بَهَاءَ النَّفْسِ الشَّرِيفَةِ،
وَيَجْعَلُ المَرْءَ سَجِينًا فِي ظُلُمَاتِ مَالِهِ وَإِنْ مَلَكَ خَزَائِنَ
الأَرْضِ!
وَقَدْ أَحْسَنَ الإِمَامُ
الشَّافِعِيُّ حِينَ صَوَّرَ أَهَمِّيَّةَ السَّخَاءِ فَقَالَ:
تستر بالسخاء فكل عيب يغطيه كما قيل السخاء
ولا ترج السماحة من بخيل فما في النار للظمآن ماء