كيف أوقفت كلمة واحدة سيف الحجاج بن يوسف الثقفي؟
7 مشاهدة
18 أكتوبر 2026 - 07:00
سَيْفٌ وَكَلِمَةٌ!
فِي بَابِ العَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالإِحْسَانِ مِنْ كِتَابِ «العِقْدُ الفَرِيدُ» لِلْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأَنْدَلُسِيِّ، تُطَالِعُنَا هَذِهِ المَوْعِظَةُ البَلِيغَةُ الَّتِي تُفْصِحُ عَنْ سُلْطَانِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ فِي كَفِّ بَطْشِ الجَبَابِرَةِ.
فَقَدْ رُوِيَ
أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ جَعَلَ يَقْتُلُ عَامَّةَ الأَسْرَى
مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الأَشْعَثِ «يَوْمَ الزَّاوِيَةِ»، حَتَّى بَقِيَتْ مِنْهُمْ
جَمَاعَةٌ قَلِيلَةٌ.
ثُمَّ أُتِيَ
بِرَجُلٍ مِنْهُمْ لِيَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَى الحَجَّاجِ وَقَالَ
بِلِسَانٍ ثَابِتٍ: «يَا حَجَّاجُ، وَاللَّهِ لَئِنْ كُنَّا أَسَأْنَا فِي
الفِعْلِ، فَمَا أَحْسَنْتَ فِي العُقُوبَةِ! وَإِنْ كُنَّا لَؤُمْنَا فِي
الجِنَايَةِ، فَمَا كَرُمْتَ فِي العَفْوِ!».
فَقَالَ
الحَجَّاجُ لِجُنْدِهِ: «رُدُّوهُ!»، فَرُدَّ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:
«أَخْبِرْنِي، كَيْفَ قُلْتَ؟»، فَأَعَادَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ الكَلَامَ
بِبَلَاغَتِهِ وَهَيْبَتِهِ.
فَقَالَ
الحَجَّاجُ: «صَدَقْتَ وَاللَّهِ! أُفٍّ لِهَذِهِ الجِيَفِ، أَمَا كَانَ فِيهَا
أَحَدٌ يُنَبِّهُنَا كَمَا نَبَّهَنَا هَذَا؟!».
ثُمَّ أَمَرَ بِلَفْظِهِ: «أَطْلِقُوا عَنْهُ،
وَعَنْ بَاقِي الأَسْرَى!»، فَأُطْلِقُوا جَمِيعًا.
الفَائِدَةُ
والعِبْرَةُ:
تَكْشِفُ هَذِهِ
الحَادِثَةُ العَجِيبَةُ عَنْ سُلْطَانِ الكَلِمَةِ الحَكِيمَةِ وَقُدْرَتِهَا
عَلَى احْتِوَاءِ الغَضَبِ وَتَغْيِيرِ مَسَارِ القَرَارَاتِ الصَّارِمَةِ، حَيْثُ
يُعَلِّمُنَا هَذَا الأَسِيرُ كَيْفَ يُنْقِذُ الوَعْيُ النَّاقِدُ الأَرْوَاحَ
فِي أَحْلَكِ المَوَاقِفِ!
وَحِينَمَا
نَسْتَحْضِرُ وَاقِعَنَا المُعَاصِرَ فِي القِيَادَةِ وَالإِدَارَةِ، نَجِدُ أَنَّ
الحِوَارَ الصَّادِقَ المَبْنِيَّ عَلَى المَنْطِقِ وَالرُّقِيِّ هُوَ الصَّدُّ
المَنِيعُ ضِدَّ القَرَارَاتِ العَشْوَائِيَّةِ وَالتَّشَنُّجِ الإِدَارِيِّ؛
فَمَا أَعْظَمَ خُلُقَ العَفْوِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ حِينَ يَسْتَفِيقُ العَقْلُ
عَنْ كَبْوَتِهِ، فَتَنْكَسِرُ حِدَّةُ السَّيْفِ أَمَامَ بَرِيقِ الحِكْمَةِ،
وَتَنْحَنِي الهَامَاتُ لِسُلْطَانِ الحَقِّ!