فأر ينقذ فقيراً بـ 7000 دينار ذهبي!
8 مشاهدة
19 أكتوبر 2026 - 19:00
خَزَائِنُ الأَقْدَارِ!
فِي طَيَّاتِ كِتَابِ «الفَرَجُ بَعْدَ الشِّدَّةِ» لِلْقَاضِي المُنْشِئِ التَّنُوخِيِّ، تَجَلَّتْ هَذِهِ المَحَطَّةُ العَجِيبَةُ الَّتِي تُفْصِحُ عَنْ سَعَةِ الأَرْزَاقِ وَتَبَدُّلِ الأَحْوَالِ بَعْدَ المَضِيقِ؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ فَتًى مِنَ الكُتَّابِ يُدْعَى أَبَا غَالِبٍ هَرَبَ مِنْ بَغْدَادَ خَوْفًا مِنْ عُقُوبَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَ جِنَايَةِ تَزْوِيرٍ اشْتَرَكَ فِيهَا، فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَخْفِيًا حَتَّى انْتَهَى بِهِ المَطَافُ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ طَالِبًا لِلْمَعِيشَةِ، فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الأَسْبَابُ وَسَاءَتْ حَالُهُ جِدًّا، حَتَّى بَاعَ مَا فِي بَيْتِهِ عَنْ آخِرِهِ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا غُلاَمٌ وَاحِدٌ.
وَفِي يَوْمٍ أَقْفَرَتْ فِيهِ يَدُهُ مِنَ القُوتِ، أَمَرَ غُلاَمَهُ بِبَيْعِ ثَوْبِهِ لِيَأْتِيَهُمَا بِطَعَامٍ، وَجَلَسَ فِي الدَّارِ وَحِيدًا وَقَدْ كَادَ عَقْلُهُ يَزُولُ مِنَ الهَمِّ وَالعُطْلَةِ وَالغُرْبَةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي كَرْبِهِ، إِذْ خَرَجَ جُرَذٌ مِنْ كُوَّةٍ فِي البَيْتِ يَحْمِلُ فِي فَمِهِ دِينَارًا مِنْ ذَهَبٍ فَوَضَعَهُ ثُمَّ عَادَ، وَمَا زَالَ يَخْرُجُ وَيَضَعُ الدَّنَانِيرَ حَتَّى جَمَعَ ثَمَانِينَ دِينَارًا وَجَعَلَ يَتَمَرَّغُ عَلَيْهَا وَيَلْعَبُ! ثُمَّ أَخَذَ دِينَارًا لِيَرُدَّهُ إِلَى الجُحْرِ، فَخَشِيَ الرَّجُلُ أَنْ يُعِيدَهَا كُلَّهَا، فَقَامَ وَأَخَذَهَا وَشَدَّهَا.
فَلَمَّا عَادَ الغُلاَمُ بِالطَّعَامِ، أَعْطَاهُ دِينَارًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ فَأْسًا، ثُمَّ حَفَرَا الكُوَّةَ لِيَجِدَا بَرْنِيَّةً مَمْلُوءَةً بِسَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ! فَأَخَذَهَا وَأَصْلَحَ المَكَانَ، ثُمَّ حَوَّلَ المَالَ إِلَى بَغْدَادَ، وَانْتَظَرَ حَتَّى مَاتَ إِسْحَاقُ، فَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ وَاشْتَرَى بِالمَالِ ضَيْعَةً وَتَرَكَ التَّصَرُّفَ وَالحَرَامَ، فَأَثْمَرَتْ ضَيْعَتُهُ وَنَمَتْ حَلاَلًا.
الفَائِدَةُ والعِبْرَةُ:
تَكْشِفُ هَذِهِ الحَادِثَةُ العَجِيبَةُ عَنْ عَظَمَةِ الأَلْطَافِ الإِلَهِيَّةِ حِينَمَا تَأْتِي الأَرْزَاقُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ المَرْءُ، لِتُعَلِّمَنَا أَنَّ المَضَايِقَ مَهْمَا اسْتَحْكَمَتْ فَإِنَّ فِي خَزَائِنِ اللَّهِ مِنَ الفَرَجِ مَا يَفُوقُ خَيَالَ البَشَرِ.
وَفِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ، نَجِدُ أَنَّ أَعْظَمَ مَا يَسْتَفِيدُهُ المَرْءُ أَهَمِّيَّةُ العَوْدَةِ إِلَى المَكْسَبِ الحَلَالِ وَتَرْكِ الطُّرُقِ المَلْتَوِيَةِ؛ فَقَدْ جَرَّ التَّزْوِيرُ عَلَى صَاحِبِهِ الخَوْفَ وَالشَّتَاتَ، بَيْنَمَا أَوْرَثَهُ المَالُ الحَلَالُ الطُّمَأْنِينَةَ وَالبَرَكَةَ، فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى التَّوَكُّلِ الصَّادِقِ الَّذِي يَصُونُ الكَرَامَةَ وَيَجْلِبُ الرِّزْقَ الطَّيِّبَ!