حدود العقل!
4 مشاهدة
29 أكتوبر 2026 - 12:00
فِي طَيَّاتِ كِتَابِ «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» لِلْإِمَامِ الذَّهَبِيِّ، تَجَلَّتْ هَذِهِ المَحَطَّةُ الخَالِدَةُ الَّتِي سَجَّلَتْ مَوْقِفًا تَرْبَوِيًّا بَلِيغًا بَيْنَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَتِلْمِيذِهِ المُزَنِيِّ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الإِمَامِ المُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُخْرِجُ مَا فِي ضَمِيرِي وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ خَاطِرِي مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ فَالشَّافِعِيُّ؛ فَصِرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ مِصْرَ، فَلَمَّا جَثَوْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: هَجَسَ فِي ضَمِيرِي مَسْأَلَةٌ فِي التَّوْحِيدِ، فَعَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ عِلْمَكَ، فَمَا الَّذِي عِنْدَكَ؟
فَغَضِبَ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟»، قُلْتُ: «نَعَمْ»، قَالَ: «هَذَا المَوْضِعُ الَّذِي أَغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ فِرْعَوْنَ؛ أَبَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ؟»، قُلْتُ: «لَا»، قَالَ: «هَلْ تَكَلَّمَ فِيهِ الصَّحَابَةُ؟»، قُلْتُ: «لَا»، قَالَ: «تَدْرِي كَمْ نَجْمًا فِي السَّمَاءِ؟»، قُلْتُ: «لَا»، قَالَ: «فَكَوْكَبٌ مِنْهَا؛ تَعْرِفُ جِنْسَهُ، طُلُوعَهُ، أُفُولَهُ، مِمَّ خُلِقَ؟»، قُلْتُ: «لَا»، قَالَ: «فَشَيْءٌ تَرَاهُ بِعَيْنِكِ مِنَ الخَلْقِ لَسْتَ تَعْرِفُهُ، تَتَكَلَّمُ فِي عِلْمِ خَالِقِهِ؟!».
ثُمَّ سَأَلَهُ الإِمَامُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الوُضُوءِ فَأَخْطَأَ فِيهَا المُزَنِيُّ، فَفَرَّعَهَا الشَّافِعِيُّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فَلَمْ يُصِبْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «شَيْءٌ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ خَمْسَ مَرَّاتٍ تَدَعُ عِلْمَهُ، وَتَتَكَلَّفُ عِلْمَ الخَالِقِ؟! إِذَا هَجَسَ فِي ضَمِيرِكَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ {163} إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة)؛ فَاسْتَدِلَّ بِالمَخْلُوقِ عَلَى الخَالِقِ، وَلَا تَتَكَلَّفْ عِلْمَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ عَقْلُكَ».
قَالَ المُزَنِيُّ: «فَتُبْتُ».
الفَائِدَةُ والعِبْرَةُ:
تَكْشِفُ هَذِهِ المَوْعِظَةُ الشَّافِعِيَّةُ عَنْ مَنْهَجٍ تَرْبَوِيٍّ حَصِيفٍ فِي تَرْتِيبِ أَوْلَوِيَّاتِ العِلْمِ وَالعَمَلِ، حَيْثُ يُعَلِّمُنَا الإِمَامُ كَيْفِيَّةَ حِمَايَةِ العَقْلِ مِنَ التَّيَهَانِ فِي الجَدَلِيَّاتِ الَّتِي تُعَطِّلُ المَرْءَ عَنْ وَاجِبَاتِهِ اليَوْمِيَّةِ.
وَهَذَا مَا نُلَاحِظُهُ فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ، حَيْثُ نَجِدُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَذْهَانِ تَسْتَهْلِكُ طَاقَتَهَا فِي خُصُومَاتٍ فِكْرِيَّةٍ وَشُبُهَاتٍ افْتِرَاضِيَّةٍ لَا طَائِلَ تَحْتَهَا، مُهْمِلَةً البِنَاءَ الذَّاتِيَّ وَالأَمَانَةَ العَمَلِيَّةَ المَطْلُوبَةَ؛ فَمَا أَحْوَجَنَا اليَوْمَ إِلَى التَّمَسُّكِ بِهَذَا الفِقْهِ العَمَلِيِّ الَّذِي يَبْنِي الإِنْسَانَ وَيَعْصِمُ العَقْلَ مِنْ شَطَطِ الخَيَالِ!