بين معرفة الحق والعمل به
عمران بن حطان.. عرف الرواية ولم يسلم من سلطان الهوى
يروي الإمام
الذهبي خبرًا، في «سير أعلام النبلاء»، عن عمران بن حطان(1) بن ظبيان، السدوسي
البصري، من أعيان العلماء، لكنه من رؤوس الخوارج،
حدث عن عائشة، وأبي
موسى الأشعري، وابن عباس،
روى عنه: ابن
سيرين، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير،
قال أبو داود: ليس
في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج،
قال الفرزدق: عمران
بن حطان من أشعر الناس؛ لأنه لو أراد أن يقول مثلنا لقال، ولسنا نقدر أن نقول مثل
قوله(2).
يمثل عمران بن
حطان واحدًا من أكثر النماذج التاريخية تعقيدًا في كتب التراجم وسير الأعلام؛ فقد
اجتمع فيه من الخصال والخصائص ما يجعل دراسة شخصيته أبعد من مجرد الحكم السريع أو
الطرح السطحي الأحادي، فهو راوٍ وثقه أهل الحديث وحفظوا روايته، وشاعر فحل شهد له
أئمة الأدب والبلاغة بالسبق والتمكن، وفي الوقت نفسه صاحب انتماء عقدي وسياسي عدّه
علماء الأمة من الانحرافات الكبرى في تاريخ الفرق الإسلامية.
ومن هنا، فإن
قراءة سيرته والوقوف على تحولاته تحتاج إلى ميزان علمي دقيق يجمع بين الإنصاف
النظري والتحليل النقدي الصارم؛ فلا يُهدر ما ثبت للرجل من الفضل العلمي والأمانة
في النقل، ولا يُغفل في المقابل أثر الفكرة المنحرفة في تشكيل مساره وتوجيه بيانه،
إنها سيرة تطرح تساؤلات عميقة حول العلاقة بين المعرفة والبصيرة، وبين الموهبة
الأدبية والاستقامة المنهجية، وكيف يمكن أن يتحول الفضل العلمي إلى وسيلة لتأطير
الفكرة المنحرفة إذا غابت الرؤية المعصومة.
لماذا لم يمنع العلمُ التابعيَّ الانحرافَ؟
نشأ عمران بن
حطان في حاضرة البصرة، وهي إحدى أهم المراكز العلمية والثقافية في القرن الأول
الهجري، غير أن البصرة لم تكن مجرد مدرسة لتعليم العلوم الشريعة، بل كانت كذلك
ميدانًا ملتهبًا للصراعات الفكرية والسياسية والاتجاهات المذهبية المبكرة التي تلت
الفتنة الكبرى، ففي أزقتها ومساجدها اجتمع كبار الصحابة والتابعين والفقهاء
والمحدثين، وفيها أيضاً نبتت أولى بذور المقالات المخالفة والتيارات العقائدية
المتباينة.
وهذا السياق
التاريخي والبيئي يساعد على فهم الظروف التي أحاطت بشخصية عمران؛ فالرجل لم يكن
معزولاً عن دوائر العلم، بل نهل من منابعه الأولى، وحمل ميراث الرواية عن جمع من
كبار الصحابة؛ مثل أم المؤمنين عائشة، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس رضي
الله عنهم، وروى عنه أئمة أعلام من التابعين؛ كالإمام محمد بن سيرين، وقتادة بن
دعامة، ويحيى بن أبي كثير.
إلا أن هذه
الحصيلة العلمية الواسعة والنشأة في بيئات الرواية لم تمنع من وقوعه في التأويلات
الفاسدة؛ فقد يملك الإنسان أدوات المعرفة الجزئية وحفظ الأسانيد، لكنه يضعها داخل
إطار فكري منحرف يوجهها نحو نتائج بعيدة عن الحق والاعتصام بالهدي الأول.
إن العلم المجرد
عن حسن الفهم وسلامة الاتباع قد يستحيل إلى أداة تُزخرف بها الشبهات؛ ولهذا جاء
التوجيه الإلهي بضرورة رد العلوم والتأويلات إلى أهل البصيرة والرسوخ، قال الله
تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ
الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43).
وكان الصحابي
الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يدرك خطورة انفصال المعرفة عن الاستقامة على
منهج السلف، فحذر حملة القرآن والعلم قائلاً: «يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ
اسْتَقِيمُوا، فَقَدْ سُبِقْتُمْ(3) سَبْقًا بَعِيدًا، فَإِنْ
أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا، لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا»(4).
ويتضح من هذا أن
المشكلة الرئيسة في التغيرات الفكرية لا تكمن دائمًا في قلة المعلومات أو غياب
النصوص، بل في المنهج الكلي الذي يوجه فهم تلك النصوص ويحكم طريقة الاستدلال بها.
كيف أرسى المحدثون إنصاف المخالف عقدياً؟
تكشف سيرة عمران
بن حطان عن النضج الهائل والدقة البالغة في منهج أئمة الحديث عند تقييم الرجال
والنقلة، فلم يكن من قواعد أهل الحديث أن مخالفة الراوي لهم في بعض أبواب الاعتقاد
أو المذهب السياسي تقتضي بالضرورة إهدار أمانته النقلية أو إسقاط كل ما يرويه من
الآثار والسنن، بل كانوا يزنون كل جانب بميزانه الخاص، وينظرون بإنصاف إلى التثبت،
والضبط، والصدق، والديانة في الرواية.
ولهذا نقل
الإمام أبو داود السجستاني معيار المحدثين النقدي في التعامل مع مرويات أهل البدع
الأقوياء في الضبط قوله: «ليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج»، ثم سمى
عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج، وهذا القول لا يمثل بحالٍ من الأحوال تزكيةً
لمذهب الخوارج أو تصويبًا لأفكارهم السياسية والعقدية، وإنما يعكس التزام المحدثين
بقواعد نقدية صارمة تفرق بوضوح بين أمانة الناقل وصحته في الضبط وبين انحراف
مقالته أو سوء اختياره المذهبي.
إن هذا المسلك
العلمي النقدي يمثل قيمة حضارية وأخلاقية رفيعة في التراث الإسلامي؛ إذ إن العدل
الشريعي يوجب ألا يحمل الخلاف الفكري أو العقدي الإنسان على بخس خصمه حقه، أو
إنكار ما فيه من الصدق والأمانة والتثبت، قال الله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ
أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8).
لماذا لا تدل البلاغة على الصواب؟
لم تقتصر
المكانة التي احتلها عمران بن حطان في التراجم على الرواية والحديث، بل كان واحدًا
من كبار شعراء عصره وأمرائه في الفصاحة والبلاغة، حتى شهد له الفحول من شعراء
زمانه بالتقدم والإجادة، فقد نقل أهل الأدب عن الشاعر الفرزدق قوله فيه: «عمران بن
حطان من أشعر الناس؛ لأنه لو أراد أن يقول مثلنا لقال، ولسنا نقدر أن نقول مثل
قوله».
وهذه الشهادة
الصادرة من شاعر بصير بالصناعة الشعرية تكشف عن طاقة بيانية فائقة وموهبة لغوية
تجاوزت حدود الانتماء المذهبي؛ فالبيان الموهوب والفصاحة الفطرية قد تتوافر للشخص
بغض النظر عن سلامة توجهه العقائدي، غير أن البلاغة وحدها لا تكفي لصياغة القيمة
الإنسانية الراشدة؛ فالكلمة الفصيحة سلاح ذو حدين، فقد تكون أداة لإحقاق الحق ونشر
الفضيلة إذا اعتصمت بالنور الإلهي، وقد تغدو وسيلة خطرة لتزيين الباطل وتقريب
الخطأ إذا انفصلت عن الهداية والشرع المعصوم.
وقد نبه النبي
صلى الله عليه وسلم على خطورة السحر البياني والأثر النفوس للموهبة الشعرية
واللغوية، فقال: «إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا(5)، وإنَّ مِنَ
الشِّعْرِ لَحُكْمًا»(6).
وتاريخ الأدب
القديم والحديث زاخر بأمثلة عديدة لأصحاب بيان رائع وقدرات لغوية مذهلة سخروا
مواهبهم الدفاع عن أفكار متناقضة أو النضال في مسارات منحرفة، ولذلك، فإن جمال
اللفظ وفصاحة القول لا يعطيان عصمة للفكرة، ولا يضمنان صحة المسار؛ فالبيان
البياني في حاجة دائمًا إلى ميزان أخلاقي ومفهوم شرعي يوجهه نحو الغايات المحمودة.
قصة تأثر عمران بن حطان بزوجته الخارجية بالبصرة
تروي كتب السير
والتراجم رواية مشهورة حول كيفية دخول عمران بن حطان في مذهب الخوارج وتحوله
العقدي؛ إذ يذكرون أنه كان في أول أمره من أهل السنة والحديث، فتزوج امرأة من
الخوارج ذات جمال وعادة برغبة صادقة منه ليردها إلى مذهب أهل السُّنة والجماعة،
فما زالت به وتلطفت له حتى استمالت عقله وأقنعته بمذهبها، فصار من رءوس الخوارج
ومنظري فكرهم.
ومهما يكن من
مدى ثبوت التفاصيل الدقيقة لهذه القصة من الناحية الإسنادية، فإنها تطرح أبعاداً
نفسية واجتماعية في فهم آليات التأثر الفكري والانحراف المذهبي، فالإنسان لا يبني
قناعاته واتجاهاته من خلال قراءة الكتب والتحصيل العلمي المجرد فحسب، بل يتأثر
بشكل بالغ بالبيئة القريبة، والعلاقات الإنسانية، والمجالسة العاطفية، والمحيط
الاجتماعي، فقد يبدأ المسار بنيات حَسَنة أو رغبة في الإصلاح والحوار، ثم يستدرج
المرء تدريجياً ليتغمد نفسه داخل منظومة فكرية كاملة تعيد صياغة مفاهيمه وتأويل
النصوص من حوله.
وقد جاء التحذير
النبوي الصريح من خطورة التأثر بالصحبة والخلطاء، وبيان أن المجالسة لها أثر خفي
ومباشر في توجيه السلوك والفكر؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا
مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ،
وَنَافِخِ الْكِيرِ»(7).
وفي واقع
الأفراد والمجتمعات تتكرر هذه الظاهرة بوضوح؛ إذ إن كثيرًا من التحولات الفكرية
الكبرى والانعطافات العقائدية الخطيرة لا تبدأ دائمًا بدراسات علمية هادئة أو
مراجعات منهجية متأملة، بل تبدأ بتأثر عاطفي أو اجتماعي أو انبهار بشخصيات قريبة،
تمامًا كما تجسد في قصة عمران وتأثره البالغ بدائرته القريبة.
لماذا لا يكفي الإخلاص لتصحيح المنهج؟
من أبرز الخصائص
النفسية والسلوكية التي تتجلى في ترجمة عمران بن حطان أنه يمثل نموذجًا تاريخيًا
صارخًا للإنسان الذي كان صادقًا ومخلصًا للغاية فيما اعتنقه من أفكار، لكنه أخطأ
الطريق الصواب في الوصول إلى الحق، وهذه الصورة تعتبر من أشد الصور تعقيدًا
وإيلامًا في التاريخ البشري؛ فالإخلاص والصدق المجردان لا يكفيان لنجاة صاحبهم ما
لم يقترنا بصواب المنهج ومطابقة السُّنة المعصومة.
وقد نبه النبي
صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة إلى حال الفرق المنحرفة كالخوارج، وبين أن
شدة تعبدهم وزهدهم وإخلاصهم الظاهر في الصلاة والصيام لا ينفعهم شيئاً مع فساد أصل
المنهج وانحراف الفهم؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ
صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤونَ القُرْآنَ
لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ(8)، يَمْرُقُونَ(9) مِنَ
الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ(10)»(11).
وقد يقع المرء
في وهم خطير حين يظن أن حجم التضحية، وشدة الاجتهاد، والحرص الظاهر على العبادة هي
أدلة قاطعة على صحة النهج وسلامة المعتقد، في حين أن التضحية ذاتها قد تكون
اندفاعاً ناتجاً عن فهم خاطئ وتأويل فاسد.
وهو المعنى ذاته
الذي نبه عليه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما أنكر على أهل
الحلقات الذين اجتمعوا في المسجد يسبحون بحصى بأعداد محددة على هيئة لم ترد عن
النبي صلى الله عليه وسلم، فلما احتجوا ب حسن نيتهم وإرادتهم للخير، قال لهم: «إِنَّكُمْ
لَمُتَمَسِّكُونَ بِذَنَبِ ضَلَالَةٍ، أَوَ إِنَّكُمْ لَأَهْدَى مِنْ أَصْحَابِ
مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم»(12).
إن أعظم أخطار
الانحراف الفكري تكمن في أن صاحب الفكرة المبتدعة قد يكون في غاية الصدق مع نفسه
والتضحية بماله ونفسه، لكن قوته وحماسه يُبذلان في الاتجاه الخاطئ، مما يجعله في
حاجة ماسة إلى تصحيح ميزان التلقي قبل الاسترسال في التضحية والعمل.
كيف يصنع البيانُ التأثيرَ القيادي بالمجتمعات؟
لم يكن عمران بن
حطان قائداً عسكرياً يوجه الجيوش في الميدان، ولا حاكماً يمتلك سلطة القرار
والمنصب، ولكنه كان يمتلك سلطة أشد خطراً وتأثيراً؛ وهي سلطة الكلمة البليغة
والشعر المؤثر، وهذه الصورة تعد من أوضح صور القيادة الفكرية والاجتماعية؛
فالتأثير في الجماهير وصناعة التوجهات لا يتأتيان دائماً عبر الموقع السياسي أو
القوة المادية، بل يتحققان بصورة أعمق وأبقى من خلال الخطاب البياني والقدرة على
تشكيل الوعي العام وتجييش العواطف.
وقد كان للكلمة
والشعر في التاريخ الإسلامي دور محوري في الدفاع عن قضايا الأمم وتوجيه بوصلتها، ونشاهد
ذلك في مواقف الشعراء والخطباء من الصحابة والتابعين؛ فقد كان عبد الله بن رواحة
رضي الله عنه يتقدم الجحافل بصوته وشعره، ويرتجز بين يدي الرسول صلى الله عليه
وسلم في عمرة القضاء بصوته الذي هز أركان مكة وأثر في وعي الحاضرين بقوله:
خَلُّوا بَنِي
الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهْ
ضَرْبًا يُزِيلُ
الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهْ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهْ(13)
وكذلك كان
التابعي الجليل الحسن البصري صاحب كلمة وموعظة توجّه وعي أهل البصرة وتشكل مواقفهم
دون أن يتقلد منصباً رسمياً.
وفي العصر
الحديث يتضاعف حجم هذه المسؤولية بصورة غير مسبوقة؛ فالكاتب، والخطيب، والإعلامي،
وصانع المحتوى الرقمي يمتلكون أدوات توجيه وتأثير جماهيري تتجاوز في كثير من
الأحيان تأثير القرارات التنفيذية، ومن هنا فإن أمانة الكلمة ومسؤوليتها أمام الله
والأمة لا تقل خطورة عن مسؤولية الفعل والقرار المباشر، قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا
لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18).
كيف نتعامل مع الشخصيات التاريخية المركبة؟
تقدم لنا السيرة
الذاتية والفكرية لعمران بن حطان درساً مركباً في فهم الطبيعة البشرية وقراءة
التاريخ؛ فالإنسان كائن معقد قد تجمع شخصيته بين صفات متباينة وخبرات متعددة،
فيكون فيه من جوانب التميز والمحاسن ما يقابل جوانب أخرى من الزلل والخطأ، ومن
المناهج القاصرة في تقييم الشخصيات اختزال الإنسان في بعد واحد، فلا يُرى فيه إلا
الفضيلة المطلقة أو لا يُرى فيه إلا الضلال الكامل.
كما ترسخ هذه
السيرة أهمية التواضع العلمي والاعتصام بالأصول الشرعية الثابتة، والرجوع الدائم
إلى فهم الكبراء وأئمة الهداية لحماية الفكر من الشبهات الوافدة، وكما قال الخليفة
الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله محذراً من الشذوذ الفكري والابتداع: «قف حيث
وقف القوم فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم(14) على كشفها
كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى»(15).
وقال الإمام
سعيد بن المسيب رحمه الله مبنياً الميزان المنصف في النقد ومراعاة التوازن: «ليس
من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكر
عيوبه: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله».
وفي مجالات
التربية والدعوة والفكر، تتجلى الضرورة الماسة للجمع بين قوة المعرفة وصحة المنهج؛
إذ إن وجود الذكاء الفطري أو الحماس العاطفي وحده لا يكفي للحماية من الانحراف،
وإنما العبرة بالطريق والوسيلة التي يُسلك فيها ذلك الذكاء وذلك الحماس.
نضج التراث الإسلامي بنقد الشخصيات المخالفة
سيظل عمران بن
حطان حائداً على حضور خاص ومتميز في كتب الرجال والتراجم؛ فقد حفظ له علماء الحديث
أمانته وصدقه في نقل الأخبار المرفوعة، وحفظ له أهل الأدب والنقد مكانته العالية
في الفصاحة والشعر، مع استمرار موقفهم النقدي الرافض لمذهبه الخارجي وعقيدته
المنحرفة.
إن هذا التعامل
المتزن يعكس الأهلية والنضج العلمي للتراث الإسلامي في قراءة النتاج الإنساني
والشخصيات التاريخية؛ فهو تراث لا يقيم أحكامه على الانطباعات السريعة أو الأحكام
الشمولية الجائرة، بل يفصل بين العلوم والمهارات، ويمنح كل جانب حقّه بميزان العدل،
فقد احتفظ علماء الجرح والتعديل -كالإمام مالك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل-
بتوثيق الراوي الضابط وأمانته في الحديث مع تصريحهم ببدعته والتحذير من أفكاره
العقدية دون جور.
فقد يكون الشخص
قوي الحجة، ساحر البيان، صادق النقل في الخبر، ولكنه يستوجب في الوقت ذاته التنبيه
على خطأ مساره ومراجعة الطريق الذي سلكه في فهم الشريعة والدين.
لماذا تجب البصيرة لحماية العلم الشرعي؟
تتجلى في سيرة
عمران بن حطان الزاوية الأساسية التي أردنا التركيز عليها في هذه القراءة
التاريخية؛ وهي خطورة الانحراف الفكري حين يقع ممن يملك أدوات المعرفة والرواية
والبلاغة الشعرية، إن حصانة البيئة العلمية وسلامة النية لا تكفيان لوحدهما لوقاية
المرء من الشبهات ما لم يرافق ذلك بصيرة منهجية واتباع صادق لأصول الشريعة
المحكمة.
كما أبرزت هذه السيرة النضج الكبير والتوازن الدقيق للتراث الإسلامي؛ ذلك التراث الذي فرّق بأمانة وموضوعية بين حفظ المكانة العلمية والأدبية للرجل، وبين نقد أفكاره وتحذير الأمة من خطَر مذهبه والانحراف عن الحق.
الهوامش
- 1 عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي الشيباني: تابعي، كان في أول أمره من أهل الحديث والسنّة ثم صار من أئمة الخوارج القعدية وشعرائهم، واشتهر بالفصاحة والشعر والجهاد ورواية الحديث عن جمع من الصحابة كعائشة وابن عباس، سكن البصرة وتنقل في البلاد فاراً من الحجاج حتى توفي سنة 84هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 214).
- 3 في رواية أبي ذر: «سَبَقْتُمْ»، قال في الفتح: وهو المعتمد.
- 4 كتاب صحيح البخاري، ن عطاءات العلم (6/ 299/ 7282).
- 5 قوله: «إنَّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمًا» صحيح لغيره، كما بينّا في الذي قبله، وهذا إسناد ضعيف من أجل سعيد بن سليمان النشيطي، ومع ضعفه خولف في وصله، والمرسل أصحُّ، هكذا أوردها الحاكم النيسابوري في المستدرك.
- 6 كتاب المستدرك على الصحيحين (7/ 371/ 6715).
- 7 كتاب صحيح مسلم (8/ 37/ 2628).
- 8 تراقيهم: التراقي: جمع تَرْقُوة، وهي العظم الذي بين ثُغْرَة النحر والعاتق (هو من المنكب إلى أصل العُنُق)، وهما تَرقوتان من الجانبين، انظر: النهاية في غريب الحديث، مادة «ترق».
- 9 يمرقون: يخرجون، انظر: النهاية في غريب الحديث، مادة «مرق».
- 10 الرمية: الصيد الذي ترميه فتقصده وينفذ فيه سهمك، انظر: النهاية في غريب الحديث، مادة «رمى».
- 11 كتاب صحيح البخاري (4/ 526/ 3602).
- 12 كتاب المعجم الكبير للطبراني (9/ 125/ 8628).
- 13 كتاب الجهاد، ابن أبي عاصم (2/ 614/ 259).
- 14 الضمير هنا عائد على «القوم».
- 15 كتاب لمعة الاعتقاد، ص 8.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً