حين لا تكفي الموهبة
كيف نفصل بين الموهبة والأمانة؟ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي
قال الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة الحَجَّاج بن يُوْسُف الثَّقَفِي(1):
أَهْلَكَهُ اللهُ فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ، كَهْلاً، وَكَانَ
ظَلُوْماً، جَبَّاراً، نَاصِبِيّاً، خَبِيْثاً، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ، وَكَانَ
ذَا شَجَاعَةٍ، وَإِقْدَامٍ، وَمَكْرٍ، وَدَهَاءٍ، وَفَصَاحَةٍ، وَبَلَاغَةٍ،
وَتعَظِيْمٍ لِلْقُرَآنِ.
قَدْ سُقْتُ
مِنْ سُوْءِ سِيْرَتِهِ فِي «تَارِيخِي الكَبِيْرِ»، وَحِصَارِهِ لابْنِ
الزُّبَيْرِ بِالكَعْبَةِ، وَرَمْيِهِ إِيَّاهَا بِالمَنْجَنِيْقِ، وَإِذْلَالِهِ
لأَهْلِ الحَرَمَيْنِ، ثُمَّ وِلَايَتِهِ عَلَى العِرَاقِ وَالمَشْرِقِ كُلِّهِ
عِشْرِيْنَ سَنَةً، وَحُرُوْبِ ابْنِ الأَشْعَثِ لَهُ، وَتَأْخِيْرِهِ لِلصَّلَوَاتِ
إِلَى أَنِ اسْتَأْصَلَهُ اللهُ، فَنَسُبُّهُ وَلَا نُحِبُّهُ، بَلْ نُبْغِضُهُ
فِي اللهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الإِيْمَانِ.
وَلَهُ
حَسَنَاتٌ مَغْمُوْرَةٌ فِي بَحْرِ ذُنُوْبِهِ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، وَلَهُ
تَوْحِيْدٌ فِي الجُمْلَةِ، وَنُظَرَاءُ مِنْ ظَلَمَةِ الجَبَابِرَةِ
وَالأُمَرَاءِ(2).
تجمع هذه الفقرة بين عرض أخبار الحجاج بن يوسف الثقفي، وذكر بعض صفاته، وبيان موقف الذهبي من سيرته، ثم الوقوف عند حدود الحكم على مآله، وليست أهميتها في استعادة الخصومة مع شخصية تاريخية، بل في الأسئلة التي تفتحها: كيف نفصل بين الموهبة والأمانة؟ وكيف نثبت الحق دون أن نبرر الخطأ؟ وهذه قراءة لبناء النص ودلالاته، لا تحقيق مستقل لجميع أخباره، وما يأتي من تطبيقات معاصرة استنباط تربوي، لا كلام منسوب إلى المؤلف.
كيف نفصل بين وقائع التاريخ والانطباعات الشخصية عند قراءة سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي؟
يمتد المشهد الذي يلخصه الذهبي بين الحجاز والعراق والمشرق، ويصل إلى وفاة الحجاج بن يوسف الثقفي سنة خمس وتسعين للهجرة، ويذكر حصار ابن الزبير، وما اتصل بالكعبة وأهل الحرمين، وحروب ابن الأشعث، لكنه يحيل تفصيل الأخبار إلى تاريخه الكبير؛ ولذلك لا يصح التعامل مع هذه الفقرة بوصفها سجلًا مكتملًا لكل واقعة.
ومن هنا تتمايز
ثلاثة أمور: ما نقله المؤرخ، وكيف قيّمه، وكيف يفسره القارئ، ومعرفة السياق تساعد
على فهم الحدث، لكنها لا تثبت وحدها دوافع أصحابه، ولا تجعل جميع تصرفاتهم نتيجة
حتمية للظروف، فالتفسير سؤال يحتاج دليلًا، لا عبارة نضيفها لإكمال الصورة.
وفي خلافات
الأسرة والعمل، نحتاج التمييز نفسه: ماذا وقع فعلًا؟ وما شهادة الأطراف؟ وما الذي
أضفناه نحن؟ قد يكون الحكم واضحًا بعد التثبت، لكن الطريق إليه يبدأ بفصل الواقعة
عن الانطباع، وإعطاء كل دعوى قدرها من الفحص، قبل بناء موقف لا يسنده إلا حُسن
الرواية.
كيف نفصل بين مهارة الشخص وأمانته المهنية؟
يذكر الذهبي الشجاعة والدهاء والفصاحة والبلاغة ضمن صفات الحجاج بن يوسف الثقفي، وهذا يلفت إلى اختلاف سؤال القدرة عن سؤال الأمانة؛ فحسن التعبير لا يثبت صدق المضمون، والقدرة على تنفيذ أمر لا تثبت سلامة ذلك الأمر، إنها جوانب متمايزة، ولا ينبغي أن تمحو إحداها سائر الجوانب.
ويقرّب هذا
المعنى الجمع القرآني بين الوصفين: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)،
فالقدرة على العمل والأمانة فيه مطلوبان، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ومن هذه
الزاوية يمكن قراءة ذكر الصفات دون تحويلها جميعًا إلى تزكية أخلاقية.
وقد ميّز النبي
صلى الله عليه وسلم بين أمانة أبي ذر الغفاري وصدقه، وبين افتقاره للقدرة على
القيادة وتولي شؤون الناس، حيث قال له: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ
ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى
اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»(3).
وفي التعليم
مثلًا، قد يجيد معلم شرح مادته، وتثبت عليه إساءة لطالب، الإنصاف أن تُعالج
الإساءة بوضوح، لا أن تجعل براعته جوابًا عنها، ولا أن تنكر براعته كي تثبت
الإساءة، وحين تتحدد المسؤولية بهذا التفصيل، يصبح إصلاح العمل أيسر من النزاع حول
صورة صاحبه كلها، وإثبات مهارته لا يمنحه حقًا في الاستمرار في مسؤولية تضرر الناس
من ممارسته لها؛ فالتمييز بين القدرة والأمانة يساعد على اتخاذ القرار، ولا يعطّل
المحاسبة.
لماذا لا تسقط العبادة حقوق الناس؟
تضعنا عبارة
«تعظيم القرآن» أمام صلة العبادة بالمعاملة، ولا يتيح النص أن نحكم بأن هذا
التعظيم كان رياءً، أو أن نعيّن آلية نفسية وراء اجتماع الصفات المذكورة؛ لكنه
يدعونا إلى سؤال أقدر على توجيه السلوك: كيف يظهر أثر التدين في حفظ حقوق الناس؟
وفي حديث المفلس
يذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي بعبادات، وقد اعتدى على الآخرين في أعراضهم
وأموالهم ودمائهم، فتؤخذ من حسناته لأصحاب الحقوق، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي
الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟»، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ
لَهُ، وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا،
وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا
فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ
حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ
فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»(4)، فوجود العبادة لا
يلغي تبعات المظالم، ولا يجعل مكانة صاحبها حاجزًا دون مطالبته بحقوق الآخرين.
ولهذا لا نقول:
إن كل عمل صالح يصبح بلا قيمة إذا أخطأ صاحبه؛ بل نقول: إن العمل الصالح لا يبيح
الخطأ، وفي البيت وحلقة القرآن، يبدأ تنزيل هذا المعنى بإمكان سماع الشكوى، ورد
الحق، والاعتذار عن الأذى، دون الاحتماء بفضل سابق أو منزلة دينية.
كيف ضبط الإسلام حدود الطاعة وصلاحيات المسؤول؟
من حقوق الناس
إلى حدود المسؤولية، يبرز ذكر تأخير الصلوات ضمن ما أنكره الذهبي، يورد النص
الفعل، لكنه لا يشرح الغرض منه؛ فلا يصح الجزم بأنه كان خطة لتغيير وعي المجتمع أو
امتحان طاعته.
والأصل النبوي
في حدود الطاعة أنه لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف، ففي الصحيحين عَنْ عَلِيٍّ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ،
فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا،
فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا،
فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى
خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»(5)، فقد بيّن الحديث أن
صدور الأمر ممن يتولى المسؤولية لا يجعل امتثاله مشروعًا على كل حال.
والناظر في خطبة
سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تولى الخلافة يجد أنه قد قرر جوانب
المسئولية وحدود الطاعة، حيث قال: أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ
عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ
أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي
عندي حتَّى أزيح علته إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْقَوِيُّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ حتَّى أخذ
منه الحق إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا يَدْعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إِلَّا عمَّهم
اللَّهُ بِالْبَلَاءِ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا
عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ(6).
وفي المؤسسات
التعليمية والدعوية، يمكن الاستفادة من هذا المعنى بإبقاء باب المراجعة مفتوحًا،
وتحديد الصلاحيات، وعدم مساواة الاعتراض المنضبط بتعطيل العمل، وليست هذه مساواة
بين واقعنا وتفاصيل الصراع القديم، بل تطبيق لأصل عام: احترام المسؤولية لا يستلزم
تعطيل التمييز بين الصواب والخطأ، والمراجعة لا تستلزم إسقاط الاحترام.
حين تتغلب الفصاحة على الحقيقة في الخصومات
لقد ذكر الذهبي الفصاحة والبلاغة عند الحجاج بن يوسف الثقفي، وهذا يفتح سؤالًا عن أثر اللغة في قبول الأقوال، لا عن صحة كل قول يصدر عن فصيح، وبوسع القارئ أن يعجب بجمال العبارة، ثم يبقي حكمه على مضمونها متعلقًا بالدليل، لا بقوة التأثر.
وفي الحديث
الشريف نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن بعض المتخاصمين قد يكون أقدر على عرض
حجته، وحذّر من أخذ حق الغير بحكم مبني على ظاهر تلك الحجة، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ
مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ
قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ
لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»(7)، فالفوز في عرض القضية لا يغيّر
حقيقة الحق المتنازع عليه، قال الخطابي: وفيه من الفقه وجوب الحكم بالظاهر وأن حكم
الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وأنه متى أخطأ في حكمه فمضى كان ذلك في
الظاهر فأما في الباطن وفي حكم الآخرة فإنه غير ماض(8).
وهنا تلتقي
قراءة التراث بالتعامل مع الإعلام: هل يوافق العنوان مضمون الخبر؟ وهل يثبت الشاهد
الدعوى؟ وهل نُقل كلام المخالف بما يحفظ معناه؟ ليست البلاغة خصمًا للحقيقة، لكن
قيمتها في خدمتها؛ وحين نستبدل حسن الصياغة بالتوثيق، نمنح الأسلوب سلطة لا
يستحقها.
كيف نحاسب الأفعال الظاهرة دون ادعاء معرفة السرائر؟
بعد ضبط
الشهادة، يأتي ضبط التفسير، فذكر عشرين سنة من الولاية لا يقيس وحده الحالة
النفسية للحجاج، ووصفه بأنه مات كهلًا لا يثبت سبب وفاته، ولا يكشف النص عما كان
يقوله لنفسه، أو كيف كان يفسر أفعاله باطنًا، قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: 36)،
ومن تطبيق هذا الأصل أن نميز وصف السلوك من تعليل دوافعه، وأن نسمي الاحتمال
احتمالًا، وليس التوقف عند حدود الدليل عجزًا عن التحليل، بل حماية له من أن يتحول
إلى قصة متخيلة.
وكان هذا المنهج
هو الذي سار عليه السلف الصالح، حيث يتقيدون بظاهر الأفعال في الأحكام، فقد ثبت
أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ
فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ الْوَحْيَ
قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ،
فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا
مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ
لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ
سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ»(9)، فالمحاسبة تتعلق بما يثبت من العمل، ولا
تحتاج إلى ادعاء الإحاطة بسريرة صاحبه، كما أن ادعاء حسن النية لا يكفي لنفي ما
ظهر من إساءة.
وعن أبي الزناد
عن أبيه قال: «مَا كَانَ الْقَاسِمُ يُجِيبُ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الظَّاهِرِ»(10)
مكتفياً بما يظهر للعلن دون التنقيب في البواطن والسرائر.
وفي خلافاتنا
اليومية، تكون عبارة «وقع هذا التصرف وترتب عليه هذا الضرر» أدق من اتهام صاحبه
بنية خفية، لا يحتاج رد الحق إلى تشخيص نفسية المخطئ، ولا يتوقف تصحيح الإساءة على
ادعاء معرفة قلبه، وهكذا تبقى المحاسبة متعلقة بأمر يمكن إثباته ومراجعته وإصلاحه.
المنهج العلمي في إنصاف المخالفين
يختم الذهبي
بإثبات بعض الحسنات وأصل التوحيد، وإيكال الأمر إلى الله، وهذه العبارات لا تلغي
ما سبقها من نقده، لكنها تميز بين تقييم السيرة والحكم على المصير، وصورة الحسنات
المغمورة في البحر تعبير عن تقديره لغلبة الذنوب، وليست حسابًا عدديًا نستخرج منه
مقادير الثواب والعقاب.
ومن النصوص
المناسبة لمعنى إيكال المآل قوله تعالى: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: 48)، أما
العدل في الخصومة، فيؤصله قوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، فلا تسقط أمانة القول
بسبب البغض.
وفي التعامل مع
الناس، يعني ذلك ألا نمحو فضلًا ثابتًا لإثبات خطأ، وألا نجعل الفضل ستارًا يحجب
الخطأ، كما لا تتحول ألفاظ الذهبي في هذه الترجمة إلى أسلوب عام في مخاطبة
المخالفين؛ المقصود فهم موضع نقده والحد الذي وقف عنده، لا استعارة أشد عباراته.
وقد قرر ابن
تيمية رحمه الله منهج العدل والإنصاف الذي ذكره الذهبي في الحكم على الأشخاص، حيث
قال ابن تيمية: «وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ خَيْرٌ وَشَرٌّ
وَفُجُورٌ وَطَاعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ وَسُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: اسْتَحَقَّ مِنْ
الْمُوَالَاةِ وَالثَّوَابِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ وَاسْتَحَقَّ مِنْ
الْمُعَادَاتِ وَالْعِقَابِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الشَّرِّ فَيَجْتَمِعُ فِي الشَّخْصِ
الْوَاحِدِ مُوجِبَاتُ الْإِكْرَامِ وَالْإِهَانَةِ»(11).
وهذا الأصل يفسر بدقة موقف الذهبي من الحجاج بن يوسف الثقفي؛ فلم يمنعه ما اشتهر به الحجاج من الظلم وسفك الدماء من أن يذكر له بعض ما اتصف به من الشجاعة والفصاحة والبلاغة وتعظيم القرآن، كما أن ذكر بعض هذه الصفات لم يمنع الذهبي من التصريح بسوء سيرته ونقد أفعاله.
ومن هنا يكون
الإنصاف العلمي مختلفًا عن التبرير؛ فذكر الفضيلة لا يعني إسقاط الرذيلة، وذكر
الخطأ لا يعني إنكار كل فضيلة، وإنما العدل أن يُعطى كل وصف قدره، وأن يُحكم على
الفعل بدليله، لا أن تتحول الخصومة إلى محو كامل لصورة الإنسان.
كيف نحول القراءة التاريخية إلى مراجعة للنفس؟
تتركنا هذه
القراءة أمام مسؤوليتنا نحن: أن نفصل بين المهارة والأمانة، ونصل العبادة بحقوق
الخلق، ونزن البيان بالدليل، ونميز المحاسبة من تخمين السرائر، ولا نحتاج إلى
تحويل معاصرينا إلى صور من رجال الماضي كي ننتفع؛ فاختلاف الأزمنة يمنع التبسيط،
ولا يمنع التأمل.
وقيمة السيرة أن توسع قدرتنا على الفهم، لا أن تزيد جرأتنا على القول بلا علم، نثبت ما ثبت، ونتوقف فيما لا نعلم، ثم نحول ما فهمناه إلى عدل في معاملة، وأمانة في شهادة، واستعداد لمراجعة أنفسنا.
الهوامش
- 1 هو الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، وُلد بالطائف عام 40هـ، ويُصنف ضمن طبقة التابعين، اشتهر بالفصاحة والدهاء والقيادة العسكرية وتوطيد حكم الدولة الأموية، وتولى إمارة الحجاز ثم العراق، وغلب عليه تاريخياً طابع الظلم وكثرة سفك الدماء، سكن العراق حيث أسس مدينة واسط، وتوفي بها عام 95هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 343).
- 3 صحيح مسلم (1826).
- 4 صحيح مسلم (2581).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (4340) ومسلم (1840).
- 6 البداية والنهاية: ابن كثير (5/ 269).
- 7 متفق عليه، أخرجه البخاري، (2680) ومسلم (1713).
- 8 معالم السنن (4/ 163).
- 9 صحيح البخاري (2641).
- 10 الطبقات الكبرى، ابن سعد (5/ 187).
- 11 مجموع الفتاوى (28/ 209).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً