ضغط الجماعة وغضب السلطة.. عامر بن شراحيل وفقه النجاة

عبدالله السيد

20 سبتمبر 2026

13

تصوير فني لمشهد تاريخي يعبر عن مواجهة العالم للسلطة بالحكمة والبيان

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة عامر بن شراحيل الشعبي(1)، أنه قال: لما قدم الحجاج سألني عن مسائل من العلم، فوجدني عارفًا بها، فولّاني على قومي الشعبيين وجميع همدان، وفرض لي، فكنت عنده بأحسن منزلة.

فلما وقع شأن عبدالرحمن بن الأشعث، جاءني قراء أهل الكوفة يدعونني إلى الخروج معهم، فلم يزالوا بي حتى خرجت، وقمت بين الصفين أعيب الحجاج، فبلغه ذلك وتوعّدني، فلما هُزمنا اختبأت في بيتي 9 أشهر، ثم خرجت مع جيش قتيبة بن مسلم إلى خراسان مستفيدًا من إعلانه الأمان لمن يلحق بعسكره.

ولما بلغنا فرغانة، عرف قتيبة أنني أخفي أمري، وطلب مني كتابة نسخة من كتاب الفتح، فأمليته عليه من حفظي، فأكرمني وقرّبني، وبينما كنت أتعشى معه، وصل كتاب الحجاج يأمره بتسليمي، ويهدده بالعزل وقطع يده ورجله إن أفلتُّ منه، فقال قتيبة: «ما عرفتك قبل الساعة، فاذهب حيث شئت من الأرض»، فقلت: «إن مثلي لا يخفى»، فأرسلني إلى الحجاج، وأمر بتقييدي عند الوصول إلى خضراء واسط.

ولما دنوت من واسط، لقيني ابن أبي مسلم، وأشار عليّ بما أقوله للحجاج، فلما دخلت عليه قال: «لا مرحبًا ولا أهلًا»، وذكّرني بما أكرمني به ثم بخروجي عليه، وأنا ساكت، حتى قال: «تكلم».

فقلت: «أصلح الله الأمير، كل ما قلته حق، ولكنا قد اكتحلنا بعدك السهر، وتحلّسنا الخوف، ولم نكن مع ذلك بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فهذا أوان حقنت لي دمي، واستقبلت بي التوبة».

فقال الحجاج: «قد فعلت ذلك».

تأتي قصة عامر بن شراحيل الشعبي في لحظة تاريخية شديدة التعقيد من تاريخ الدولة الأموية، حين اجتمعت عوامل السياسة والقبيلة والعلم والسلطة في مشهد واحد، فقد كان الشعبي أحد كبار علماء التابعين، جمع بين سعة الرواية، وقوة البيان، ومعرفة العرب وأيامهم، ولم يكن مجرد ناقل للعلم، بل كان شخصية ذات حضور اجتماعي جعلته مؤثرًا في بيئته.

والقصة لا تُقرأ بوصفها مجرد حادثة نجاة فردية من بطش حاكم، بل باعتبارها نموذجًا غنيًا لفهم الإنسان حين يقع بين ضغط الجماعة، وخطر السلطة، ومسؤولية العالم، وحاجة الحكيم إلى معرفة حدود المواقف ومآلاتها، وهي قراءة في فعل الإنسان داخل الفتن، مع مراعاة أن أحداث الفتن التاريخية تحمل سياقاتها الخاصة ولا تختزل في أحكام مبسطة.

مسؤولية عامر بن شراحيل أمام ضغط الجماهير

لم يكن عامر بن شراحيل رجلاً مجهولاً في عصره؛ فقد جمع بين العلم والذكاء الاجتماعي، حتى جعله الحجاج في موضع قرب منه لما رأى من معرفته، وهذا يكشف جانبًا مهمًا في شخصية العالم المؤثر؛ أن العلم يمنح صاحبه قدرة على التأثير، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام مسؤولية التعامل مع هذا التأثير بحكمة.

فالعالم لا يعيش خارج المجتمع، بل تتقاطع معه توقعات الناس وضغوطهم، وقد ظهر ذلك حين جاءه قراء الكوفة وقالوا له: «إنك زعيم القراء»، فلم يزالوا به حتى خرج معهم، وهذه اللحظة تكشف طبيعة الضغط الاجتماعي على الشخصيات الرمزية؛ فالجماهير قد ترى في العالم أو القائد واجهة لمواقفها، وقد تحمل الشخص ما لا يحتمل.

وتكشف غزوة «ذي قَرَد» عن صورة مختلفة لتحمّل المسؤولية حين تفرضها حاجة الجماعة؛ فقد أغارت خيل غطفان على لِقاح النبي صلى الله عليه وسلم، فبادر سلمة بن الأكوع رضي الله عنه إلى القوم عدوًا على قدميه، يرميهم بالنبل وينادي: «خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرُّضَّع»(2)، حتى استنقذ اللقاح وصمد إلى أن لحقت به خيل المسلمين، غير أن الفرق بين الموقفين جدير بالتأمل؛ فسلمة بادر أمام خطر ظاهر يستدعي سرعة النجدة، أما الشعبي فقد وجد نفسه تحت إلحاح قراء الكوفة الذين خاطبوه بقولهم: «إنك زعيم القراء»، فالمكانة قد تدعو صاحبها إلى تحمّل المسؤولية، لكنها لا تعفيه من تقدير طبيعة الموقف وعواقب الاستجابة.

ومن هنا يظهر أن قوة الشخصية لا تقاس فقط بقدرتها على التأثير في الآخرين، بل بقدرتها على ضبط تأثير الآخرين عليها.

لماذا يفشل الرمز حين تقوده الجماهير؟

من أخطر لحظات الفتن أن يتحول صاحب المكانة إلى تابع لحركة الجماعة بدل أن يكون موجهاً لها، فعامر بن شراحيل لم يكن صاحب مشروع ثورة معلنة، لكنه وجد نفسه في موقع المتصدر بسبب منزلته بين القراء.

وهذا معنى متكرر في حياة أصحاب النفوذ المعنوي؛ فقد يظن المجتمع أن مكانة العالم تمنحه القدرة على تحمل كل الأدوار، بينما الحقيقة أن لكل موقف أدواته، ولكل مرحلة تقديرها.

وقد أرشد القرآن إلى خطورة التقدم في المواقف قبل استكمال النظر في العواقب، فقال تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)، فالآية أصل في اعتبار المآلات، وإن كان تنزيلها على الوقائع يحتاج إلى فهم سياقها.

وفي واقع الناس اليوم، يظهر هذا المعنى في ميادين متعددة؛ فقد يُدفع صاحب الخبرة أو المسؤولية إلى مواقف لا تناسب اختصاصه فقط لأن الناس ينتظرون منه موقفًا سريعًا، بينما الحكمة تقتضي أحيانًا التريث قبل الانخراط.

فقه التواري وإدارة الأزمات عند الفتن

بعد هزيمة ابن الأشعث، لم يندفع عامر بن شراحيل إلى مواجهة مباشرة مع الحجاج، ولم يستسلم للذعر، بل اختار الاختفاء تسعة أشهر، وهذه المرحلة تكشف جانبًا مهمًا من إدارة الأزمات؛ فليس كل تراجع هزيمة، وليس كل ظهور شجاعة.

فالإنسان الحكيم يميز بين الشجاعة التي تحقق غاية معتبرة، والمجازفة التي لا تنتج إلا إهدار النفس والقدرة، وقد كان اختفاء الشعبي مرحلة لإعادة التموضع، لا انسحابًا من الحياة.

ثم جاءت الفرصة حين أعلن قتيبة بن مسلم الأمان لمن لحق بمعسكره، فانتقل الشعبي إلى فضاء جديد، واستثمر علمه وخبرته حتى صار من أقرب الناس إليه.

وفي الهجرة النبوية درسٌ في أن حسن تقدير الخطر قد يقتضي الاختفاء حتى تتهيأ فرصة الحركة؛ فقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه في غار ثور ثلاث ليالٍ، بينما كانت قريش تبحث عنهما وقد جعلت مائة ناقة لمن يأتي بأحدهما(3)، ولم يكن المكث في الغار تراجعًا عن مقصد الهجرة، بل جزءًا من تدبيرها، حتى مضيا في طريقهما بعد ذلك، وعلى اختلاف المقامين، يلتقي هذا التدبير مع اختيار الشعبي الاختفاء 9 أشهر بعد هزيمة ابن الأشعث، ثم خروجه حين أعلن قتيبة بن مسلم الأمان؛ فكلا الموقفين يبين أن التوقيت وحسن اختيار موضع الحركة قد يكونان من أسباب تجاوز الأزمة، وأن الشجاعة لا تقتضي المواجهة في كل لحظة.

وهذا يعلم الإنسان أن الأزمات لا تُدار دائمًا بالمواجهة المباشرة، بل أحيانًا بإعادة ترتيب الموقع حتى تتغير الظروف.

كيف تصبح المهارة العلمية طوق نجاة؟

حين وصل عامر بن شراحيل إلى جيش قتيبة، لم يكن يحمل سلاحًا ولا جيشًا، وإنما حمل ما لا يقل أثرًا عن ذلك؛ المعرفة، فلما احتاج القائد إلى كتابة أمر الفتح، أظهر الشعبي من العلم والقدرة ما جعله موضع ثقة.

وهنا تتجلى قيمة التخصص؛ فالمهارة المتراكمة قد تصبح باب نجاة حين تضيق الأبواب، فالإنسان الذي يبني علمه وخبرته لا يفقد قيمته بسهولة، حتى لو تغيرت الظروف من حوله.

وفي سرية دومة الجندل برز أثر العلم والحكمة في عمل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ فقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم وأوصاه، فدعا أهلها إلى الإسلام، حتى أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان من زعمائهم(4)، ثم تزوج عبد الرحمن ابنته تماضر، فلم تقتصر مهمته على قيادة السرية، بل امتدت إلى الدعوة وبناء الصلات مع أهل المنطقة، وعلى اختلاف الموقفين، يلتقي صنيعه مع ما ظهر من عامر بن شراحيل في جيش قتيبة؛ إذ لم تكن حاجة القائد إلى القوة وحدها، بل إلى صاحب معرفة يحسن توظيفها في المهمة التي بين يديه.

وهذا معنى حضاري مهم؛ فالأمم لا تستغني عن أصحاب المعرفة، لأن القوة العسكرية أو السياسية تحتاج دائمًا إلى العقول التي تنظمها وتوجهها.

أدب الاعتراف بالخطأ أمام الحاكم الغاضب

بلغت القصة ذروتها حين عاد عامر بن شراحيل إلى الحجاج، كان الموقف بين رجل يملك سلطة العقوبة، ورجل لا يملك إلا صدقه وبيانه.

دخل عامر بن شراحيل فواجه غضب الحجاج، لكنه لم يختَر الإنكار المتعالي، ولم يدخل في جدال يزيد النار اشتعالًا، بل التزم الصمت حتى انتهى الحجاج من كلامه، ثم قال عبارته المشهورة: «أحزن بنا المنزل، واستحلسنا الخوف، فلم نكن فيما فعلنا بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء».

هذه العبارة من أبلغ ما قيل في مواقف الاعتذار؛ لأنها لم تكن تبريرًا مكابرًا، ولم تكن إقرارًا مهينًا، بل كانت وصفًا لحالة بشرية فيها ضعف وخطأ وقصور.

ومن جمال البيان أنه نقل القضية من صراع شخصي إلى اعتراف إنساني؛ فلم يقل: أنا بريء تمامًا، ولم يقل: أنا مجرم مستحق للعقوبة، بل وضع نفسه في منزلة الإنسان الذي أخطأ التقدير ولم يبلغ مرتبة الصلاح الكامل ولا القوة الكاملة.

ولهذا أثرت كلماته في الحجاج.

وحين اشتد غضب أبي جعفر المنصور على جعفر بن محمد الصادق رحمه الله وتهدده بالقتل، لم يقابل تهديده بخصومة تزيد الموقف اشتعالًا، بل خاطبه بما يذكّره بمكارم الأنبياء، فقال، كما يُروى: «إن سليمان أُعطي فشكر، وإن أيوب ابتُلي فصبر، وإن يوسف ظُلِم فغفر، وأنت من ذلك سِنخ»(5)، فهدأ المنصور وأكرمه وصرفه، وإذا كان الشعبي قد واجه الحجاج باعترافٍ بليغ يصف حاله دون مكابرة، فإن جعفرًا واجه المنصور بتذكيرٍ رفيق يدعوه إلى العفو؛ وفي الموقفين أدّت الكلمة المحسوبة دورها في تهدئة الغضب وفتح باب الخروج من الأزمة.

طرق امتصاص غضب أصحاب النفوذ والسلطة

تكشف القصة كذلك أن مواجهة أصحاب النفوذ تحتاج إلى فهم لطبيعة النفس البشرية، فالكلمة المناسبة في اللحظة المناسبة قد تغير مسار الأحداث.

لكن هذا لا يعني اتخاذ التملق منهجًا، وإنما يعني إدراك أن الحكمة في الخطاب جزء من المسؤولية، وقد قال الله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة: 83)، فالكلمة الحسنة ليست ضعفًا، بل قد تكون وسيلة لإصلاح موقف معقد.

وفي حياة المؤسسات اليوم، يحتاج المدير والقائد والمربي إلى هذا النوع من الفقه: معرفة متى يشرح، ومتى يصمت، ومتى يعترف، ومتى يعيد بناء الثقة.

كيف يبني الإنسان وعيه وقت الفتنة؟

تقدم قصة عامر بن شراحيل درسًا مركبًا؛ فهي لا تقدم الإنسان بصورة مثالية معصومة، بل تعرض عالمًا جليلاً وقع في ظرف صعب، ثم تعامل مع نتائجه بما بقي له من عقل وخبرة.

فالإنسان قد يخطئ في تقدير موقف، لكن الفارق بين الناضج وغيره هو القدرة على مراجعة النفس، واستعادة التوازن، وعدم تحويل الخطأ الأول إلى سلسلة أخطاء متتابعة.

وفي زمن كثرت فيه الضغوط الإعلامية والاجتماعية، يحتاج الإنسان إلى هذا الفقه: ألا يجعل الحماس الجماعي بديلاً عن التفكير، وألا يجعل الخوف سببًا لفقدان الحكمة، وأن يعرف أن القوة الحقيقية ليست دائمًا في رفع الصوت، بل أحيانًا في حسن التقدير.

تبقى قصة عامر بن شراحيل مثالًا بارزًا على تداخل العلم والسياسة والنفس الإنسانية في لحظات الفتن، فقد جمع الموقف بين خطورة الانجراف خلف ضغط الجماعة، وقيمة الصبر عند الشدة، وأثر العلم حين يتحول إلى قدرة عملية، وجمال البلاغة حين تستخدم لإصلاح الموقف.

إن الإنسان لا يُقاس فقط بالمواقف التي ينجح فيها، بل كذلك بالطريقة التي يعالج بها لحظات الاضطراب بعد وقوعها، وفي هذا تظهر إحدى خصائص الشخصيات الكبيرة: أنها تعرف كيف تعود من الخطأ، وكيف تحول المحنة إلى خبرة، والخوف إلى بصيرة.

الهوامش
  • 1 الشعبي عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار -وذو كبار قيل: من أقيال اليمن- الإمام، علامة العصر، أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي.
  • 2 البداية والنهاية- طبعة التركي، ج6، ص165 - 169.
  • 3 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج2، ص35-47.
  • 4 تاريخ مدينة دمشق، ج2، ص3.
  • 5 صفة الصفوة، ج2، ص171-172.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة