مقتل سعيد بن جبير

الثبات أمام الخوف والسلطة.. سعيد بن جبير في مواجهة الحجاج

رسم تعبيري يجسد ثبات سعيد بن جبير أمام سلطة الحجاج بن يوسف الثقفي وسط العواصف

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن عَوْن بن أَبِي شَدَّادٍ قال: بَلَغَنِي أَنَّ الحَجَّاجَ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَائِداً يُسَمَّى المُتَلَمِّسَ بنَ أَحْوَصَ فِي عِشْرِيْنَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَأَحْضَرُوهُ، وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى الحَجَّاجِ، فَقَالَ الحَجَّاجُ: أَتَيْتُمُوْنِي بِسَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: أَدْخِلُوْهُ عَلَيَّ، فَخَرَجَ المُتَلَمِّسُ، فَقَالَ لِسَعِيْدٍ: أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ، وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ.

فَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَنْتَ شَقِيُّ بنُ كُسَيْرٍ، قَالَ: بَلْ أُمِّي كَانَتْ أَعْلَمَ بِاسْمِي مِنْكَ، قَالَ: شَقِيْتَ أَنْتَ، وَشَقِيَتْ أُمُّكَ، قَالَ: الغَيْبُ يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ، قَالَ: لأُبْدِلَنَّكَ بِالدُّنْيَا نَاراً تَلَظَّى، قَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِكَ لاتَّخَذْتُكَ إِلَهاً، قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، إِمَامُ الهُدَى.

قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ، فِي الجَنَّةِ هُوَ أَمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: لَوْ دَخَلْتُهَا، فَرَأَيْتُ أَهْلَهَا، عَرَفْتُ، قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي الخُلَفَاءِ؟ قَالَ: لَسْتُ عَلَيْهِم بِوَكِيْلٍ، قَالَ: فَأَيُّهُم أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَرْضَاهُم لِخَالِقِي، قَالَ: فَأَيُّهُم أَرْضَى لِلْخَالِقِ؟ قَالَ: عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، قَالَ: أَبَيْتَ أَنْ تَصْدُقَنِي، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُحِبَّ أَنْ أَكْذِبَكَ، قَالَ: فَمَا بَالُكَ لَمْ تَضْحَكْ؟ قَالَ: لَمْ تَسْتَوِ القُلُوْبُ.

قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ الحَجَّاجُ بِاللُّؤْلُؤِ وَاليَاقُوْتِ وَالزَّبَرْجَدِ، فَجَمَعَهُ بنُ يَدَيْ سَعِيْدٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ جَمَعْتَهُ لِتَفْتَدِيَ بِهِ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ القِيَامَةِ فَصَالِحٌ، وَإِلَاّ فَفَزْعَةٌ وَاحِدَةٌ تُذْهِلُ كُلَّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَلَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ جُمِعَ لِلدُّنْيَا إِلَاّ مَا طَابَ وَزَكَا، ثُمَّ دَعَا الحَجَّاجُ بِالعُوْدِ وَالنَّايِ، فَلَمَّا ضُرِبَ بِالعُوْدِ وَنُفِخَ فِي النَّايِ، بَكَى، فَقَالَ الحَجَّاجُ: مَا يُبْكِيْكَ؟ هُوَ اللَّهْوُ، قَالَ: بَلْ هُوَ الحُزْنُ، أَمَّا النَّفْخُ فَذَكَّرَنِي يَوْمَ نَفْخِ الصُّوْرِ، وَأَمَّا العُوْدُ فَشَجَرَةٌ قُطِعَتْ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ، وَأَمَّا الأَوْتَارُ فَأَمْعَاءُ شَاةٍ يُبْعَثُ بِهَا مَعَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ.

فَقَالَ الحَجَّاجُ: وَيْلَكَ يَا سَعِيْدُ! قَالَ: الوَيْلُ لِمَنْ زُحْزِحَ عَنِ الجَنَّةِ، وَأُدْخِلَ النَّارُ، قَالَ: اخْتَرْ أَيَّ قِتْلَةٍ تُرِيْدُ أَنْ أَقْتُلَكَ؟ قَالَ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ يَا حَجَّاجُ، فَوَاللهِ مَا تَقْتُلُنِي قِتْلَةً، إِلَاّ قَتَلْتُكَ قَتْلَةً فِي الآخِرَةِ، قَالَ: فَتُرِيْدُ أَنْ أَعْفُوَ عَنْكَ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ العَفْوُ، فَمِنَ اللهِ، وَأَمَّا أَنْتَ فَلَا بَرَاءةَ لَكَ وَلَا عُذْرَ، قَالَ: اذْهبُوا بِهِ، فَاقْتُلُوْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ البَابِ، ضَحِكَ، فَأُخْبِرَ الحَجَّاجُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ بِرَدِّهِ، فَقَالَ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ جُرْأَتِكَ عَلَى اللهِ، وَحِلْمِهِ عَنْكَ! فَأَمَرَ بِالنِّطْعِ، فَبُسِطَ، فَقَالَ: اقْتُلُوْهُ.

فَقَالَ: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)، قَالَ: شُدُّوا بِهِ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، قَالَ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)، قَالَ: كُبُّوْهُ لِوَجْهِهِ، قَالَ: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُم، وَفِيْهَا نُعِيْدُكُم)، قَالَ: اذْبَحُوْهُ، قَالَ: إِنِّي أَشْهَدُ وَأُحَاجُّ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، خُذْهَا مِنِّي حَتَّى تَلْقَانِي يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ دَعَا اللهَ سَعِيْدٌ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْهُ عَلَى أَحَدٍ يَقْتُلُهُ بَعْدِي، فَذُبِحَ عَلَى النِّطْعِ(1).

يمثل هذا المشهد واحدًا من أشهر مواقف المواجهة بين العالم والسلطان في كتب التراجم، فهو لا يعرض مجرد لحظة إعدام تاريخية، بل يكشف عن طبقات متعددة من المعاني: علاقة العالم بالسلطة، وحدود الخوف الإنساني أمام اليقين العقدي، وكيف يمكن للموقف الواحد أن يتحول من حادثة سياسية عابرة إلى صورة باقية في الذاكرة الدينية والثقافية.

وسعيد بن جبير من كبار التابعين، عُرف بالعلم والعبادة والتفسير، وكان من تلاميذ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أما الحجاج بن يوسف الثقفي فكان واليًا أمويًا ذا نفوذ واسع في العراق، وقد ارتبط اسمه في المصادر التاريخية بأحداث سياسية وعسكرية كبيرة في الدولة الأموية.

ما سبب الخلاف بين الحجاج وسعيد بن جبير؟

لم يكن أصل الصدام بين سعيد بن جبير والحجاج خلافًا شخصيًا، وإنما كان بسبب موقف سعيد من خروج عبد الرحمن بن الأشعث على الحجاج؛ فقد بايع سعيدٌ ابنَ الأشعث وخرج معه، ثم بعد هزيمة ابن الأشعث ظل سعيد متواريًا عن الحجاج سنوات، حتى أُخذ وأُتي به إليه، فدار بينهما حوار حول البيعة والخروج، انتهى بأمر الحجاج بقتله، فعَنْ عُتْبَةَ مَوْلَى الحَجَّاجِ، قَالَ: حَضَرْتُ سَعِيْداً حِيْنَ أَتَى بِهِ الحَجَّاجُ بِوَاسِطَ، فَجَعَلَ الحَجَّاجُ يَقُوْلُ: أَلَمْ أَفْعَلْ بِكَ؟! أَلَمْ أَفْعَلْ بِكَ؟! فَيَقُوْلُ: بَلَى، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ مِنْ خُرُوْجِكَ عَلَيْنَا؟ قَالَ: بَيْعَةٌ كَانَتْ عَلَيَّ.، يَعْنِي: لابْنِ الأَشْعَثِ، فَغَضِبَ الحَجَّاجُ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ، وَقَالَ: فَبَيْعَةُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ كَانَتْ أَسْبَقُ وَأَوْلَى، وَأَمَرَ بِهِ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ(2).

المواجهة بين قوة السلطان ويقين العلماء

لا تكمن أهمية موقف سعيد بن جبير في نهايته فقط، بل في الطريقة التي دار بها الحوار قبل النهاية، فقد حاول الحجاج أن يدير اللقاء بمنطق السلطة: سؤال عن الاسم، واستدعاء للهيبة، وعرض للمال، ثم التهديد بالموت، لكن سعيد تعامل مع كل مرحلة بمنطق مختلف؛ منطق الإنسان الذي يستمد تعريفه من المرجعية الإيمانية لا من قدرة خصمه على الإيذاء أو المنح.

عندما قال له الحجاج: «أنت شقي بن كسير»، لم يدخل سعيد في جدل انفعالي، بل رد بجملة قصيرة أعادت الأمر إلى موضعه الطبيعي: «بل أمي كانت أعلم باسمي منك»، فالقضية هنا ليست مجرد تصحيح اسم، وإنما رفض أن يمنح صاحب القوة سلطة التحكم في حقيقة الإنسان وهويته.

وهذا المعنى يتكرر في حياة العلماء الذين واجهوا محن السلطة؛ فالعالم حين يستند إلى أصل أعلى من رضا الحاكم لا يعني أنه يبحث عن الصدام، بل يعني أن لديه ميزانًا لا يتغير بتغير الظروف، وذلك مثل موقف الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن(3).

كيف يحافظ الإنسان على هويته أمام محاولات التشويه؟

من أعمق جوانب الموقف أن الحجاج لم يبدأ بالقتل، بل بدأ بمحاولة التأثير النفسي، فالإنسان قد يُهزم أحيانًا قبل أن يُهزم جسده، عندما ينجح خصمه في إدخاله دائرة الخوف أو الاضطراب أو الشك في ذاته، لكن سعيد بن جبير واجه هذا الأسلوب بإعادة ترتيب مركز القوة الداخلي، فلم يجعل تقييم الحجاج له مصدرًا لمعرفة نفسه، بل جعل المصدر ما يعلمه الله وما يعرفه هو من عقيدته ومهمته.

وهذا المعنى له حضور واسع في واقع الناس اليوم؛ فالإنسان في بيئات العمل أو التعليم أو المجتمع قد يواجه محاولات التقليل من قيمته أو اختزاله في خطأ أو لقب أو حكم سريع، ولا يكون العلاج في الانشغال الدائم بالدفاع عن الصورة أمام الآخرين، بل في بناء هوية مستقرة تقوم على الحقائق والقيم والعمل، قال الله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، فالعزة هنا ليست عزة الجسد أو المنصب، وإنما عزة الاتصال بالله والثبات على الحق، وفي هذا قال الفضيل بْن عياض: ‌من ‌خاف ‌الله ‌لم ‌يضره ‌أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد(4).

كيف يتغلب الإيمان على رهبة الموت؟

كان الحجاج يملك عناصر القوة الظاهرة كلها: الجند، والسلطة، والقدرة على إنزال العقوبة، بينما كان سعيد بن جبير في موقف الإنسان الذي لا يملك من أسباب الدنيا شيئًا، ومع ذلك فإن الحوار يكشف أن القوة المادية ليست دائمًا هي القوة المؤثرة؛ فقد بقي الحجاج قادرًا على إنهاء حياة سعيد، لكنه لم يستطع أن ينتزع منه سكينته أو أن يغير منطقه أو أن يحمله على التراجع عن يقينه، وهنا يظهر الفرق بين نوعين من القوة: قوة السيطرة على الأجساد، وقوة التأثير في القلوب، فالأولى قد تتحقق بالسيف والسلطان، أما الثانية فلا تُنتزع إلا بالإيمان والمعنى، ولهذا قال الله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس: 62).

وليس معنى ذلك أن المؤمن لا يشعر بطبيعة الإنسان من رهبة الموقف، وإنما المعنى أن الخوف لا يتحول إلى حاكم على قراره، فالإنسان قد يخاف الألم، لكنه لا يجعل الألم أعلى قيمة من المبدأ الذي يؤمن به.

ومن ذلك موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما مع ابنها عبد الله بن الزبير قبل قتله بعشر ليالٍ؛ إذ دخل عليها وهو يخشى أن يحزنها موته، فقالت له تثبيتاً له على المبدأ واليقين بالآخرة: «إياك أن تُعرض عليك خصلة لا توافقك فتقبلها كراهية الموت»(5).

وفي واقع الناس اليوم تظهر هذه القاعدة في صور متعددة؛ فالموظف الذي يحافظ على الأمانة مع وجود ضغط، والعالم الذي يقول ما يعتقده حقًا مع وجود تبعات، والمربي الذي يتمسك بالقيم أمام تغير البيئة، كل هؤلاء يمارسون قدرًا من هذا المعنى: أن الإنسان لا يُقاس فقط بما يملك من أدوات، بل بما يملك من ثبات داخلي.

ذكاء سعيد بن جبير في إدارة الحوار مع الحجاج

لم يكن رد سعيد بن جبير مجرد شجاعة عاطفية، بل كان يحمل قدرًا من الحكمة في إدارة الحوار، فقد كان يجيب بقدر السؤال، ولا يمنح خصمه فرصة لتحويل الكلام إلى معركة جانبية.

عندما سأله الحجاج عن رأيه في الخلفاء أو عن بعض القضايا التي يمكن أن تستدرجه إلى صراع سياسي مباشر، أجاب إجابات مختصرة تحفظ المعنى دون أن تجعل الحوار ينحرف عن أصل القضية، فقال: "لست عليهم بوكيل"، وقال: «أرضاهم لخالقي».

وعندما سأله عن طريقة قتله: «اختر لنفسك يا حجاج»، هذه العبارة تحمل انقلابًا نفسيًا عميقًا؛ فالجلاد يريد أن يجعل الضحية منشغلة بالخوف من الطريقة، بينما سعيد نقل القضية إلى مستوى آخر: ليس السؤال كيف أموت، بل ماذا يبقى بعد الموت.

هذه الإجابات تكشف إدراكًا لطبيعة الموقف؛ فهو لم يكن في مجلس علم هادئ يناقش فيه مسائل الخلاف، بل كان أمام حاكم يريد اختبار موقفه وربما استخدام كلامه ذريعة، لذلك اختار من البيان ما يؤدي المقصود دون توسع قد يفتح أبوابًا لا حاجة إليها.

وفي زمن كثرة المناظرات والجدالات الإعلامية، تظهر أهمية هذا النوع من الحكمة؛ فالقوة في الحوار ليست بكثرة الكلام، وإنما بمعرفة المقصود، واختيار العبارة المناسبة، والقدرة على عدم الانجرار إلى المساحات التي يريدها الطرف الآخر.

كيف يواجه المؤمن محاولات الإغراء بالمال؟

حين أمر الحجاج بإحضار اللؤلؤ والياقوت والزبرجد ووضعها أمام سعيد، كان ذلك محاولة أخرى لاختبار الإنسان من زاوية مختلفة، فبعد الترهيب جاء الترغيب؛ وبعد السيف جاءت زينة الدنيا.

لكن سعيد لم ينظر إلى المال بوصفه قيمة مطلقة، بل ربطه بمآله وبطريقة اكتسابه وبالغاية التي يُستخدم لها، فقال بمعنى كلامه: إن كان جمعه للفكاك من فزع يوم القيامة فذلك خير، وإلا فلا قيمة لما جُمع للدنيا وحدها(6).

ومن مواقف التحرر من سطوة الدنيا ما كان من صفوان بن سليم الزهري الذي أرسل له سليمان بن عبد الملك حين قدم المدينة مع غلامه كيسا فيه خمس مائة دينار، فلم يأخذها وانصرف بحيلة لم يدخل بعدها المدينة حتى مشى منها سليمان(7).

وهذا لا يعني ذم المال في ذاته، فقد جاءت الشريعة بإقرار الملك والتجارة والانتفاع بالنعم، وإنما المقصود أن المال وسيلة لا يتحول إلى معبود خفي، قال الله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف: 46).

وهذا المعنى شديد الحضور في العصر الحديث؛ إذ قد ينجح الإنسان في جمع الممتلكات لكنه يخسر ميزان المعنى، أما الرؤية المتوازنة فتجعل المال أداة للإعمار والإحسان لا غاية تستعبد القلب.

كيف تكشف الكلمات قوة الثبات؟

من الجوانب اللافتة في الحوار قوة العبارة وقلة الكلمات، فسعيد بن جبير لم يكن يلقي خطبة طويلة، وإنما كان يختار كلمات قليلة تحمل معاني كبيرة.

قوله: «الغيب يعلمه غيرك» ردٌّ يضع الإنسان أمام حدوده، وقوله: «لم تستو القلوب» تفسير عميق لاختلاف الاستجابة للمشهد نفسه؛ فالحجاج يرى أدوات لهو وسلطة، بينما يرى سعيد تذكيرًا بالآخرة، وهذه إحدى خصائص البيان العربي الرفيع؛ أن العبارة القصيرة قد تحمل وراءها بناءً فكريًا كاملًا.

وفي زمننا الذي كثرت فيه الرسائل السريعة والمناظرات المختصرة، تظهر الحاجة إلى هذا النوع من البيان؛ كلمات قليلة لكنها مبنية على علم وبصيرة، لا مجرد ردود انفعالية.

ذكرى سعيد بن جبير تطارد الحجاج في آخر أيامه

كان من دعاء سعيد بن جبير قبل موته: «اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْهُ عَلَى أَحَدٍ يَقْتُلُهُ بَعْدِي»(8)، وعَاشَ الحجاج أياماً معدودة لا تفارقه حالة سعيد بن جبير، حتى كان يغفل ويفيق قائلاً: «مَا لِي وَلِسَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، كلما أردت النوم ‌أخذ ‌برجلي»(9).

وهكذا يتبين أن الحجاج لم يكد يطوي صفحة حياته السياسية حتى بقيت أمامه ذكرى سعيد بن جبير تطارده وتعذبه يقظةً ومناماً.

 كيفية بناء الشخصية الإيمانية قبل المحن

قصة سعيد بن جبير لا تُقرأ فقط بوصفها خبرًا من أخبار القرن الأول الهجري، بل بوصفها مادة تربوية تكشف طبيعة الإنسان عندما يواجه الاختبار، فهي تعلم أن الهوية لا تُمنح من الخارج، وأن قيمة الإنسان لا تتحدد بامتلاكه القوة المادية، وأن الكلمة الصادقة قد تبقى أطول من عمر صاحبها، كما تعلم أن مواجهة الضغوط تحتاج إلى ثلاثة أصول متلازمة: علم يحدد الطريق، وإيمان يمنح الثبات، وحكمة تضبط طريقة التعبير، ولهذا بقي سعيد بن جبير حاضرًا في كتب العلماء والوعاظ؛ ليس لأن نهايته كانت مأساوية فقط، وإنما لأن حياته قبل النهاية كانت حياة علم وبصيرة، فجاء الموقف الأخير تعبيرًا عن مسار كامل من البناء.

وتظل قصة سعيد بن جبير من النصوص التي تكشف جانبًا عميقًا من طبيعة الإنسان؛ فقد يملك شخص أدوات القوة، ويملك آخر قوة المعنى، وقد يبدو الأول غالبًا في لحظة قصيرة، لكن التاريخ لا يحفظ دائمًا من امتلك السيف، بل يحفظ من امتلك الموقف.

لقد واجه سعيد بن جبير الحجاج في لحظة لم يكن فيها ميزان الدنيا لصالحه، لكنه دخل ذلك المشهد وهو يحمل يقينًا جعله يرى ما وراء اللحظة العابرة، فكان ثباته درسًا في أن الإنسان حين يرتبط بالله تصبح الأشياء التي يخاف منها الآخرون أقل قدرة على التحكم فيه.

والدرس الأوسع أن بناء الشخصيات العظيمة لا يبدأ عند المحن، بل يبدأ في الخلوات، وفي طلب العلم، وفي تربية النفس على مراقبة الله، فحين تأتي لحظات الاختبار، يظهر ما بناه الإنسان في داخله.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 328).
  • 2 حلية الأولياء (4/ 290).
  • 3 البداية والنهاية (10/ 366).
  • 4 تهذيب الكمال (23/ 290).
  • 5 صفة الصفوة (1/ 334).
  • 6 نوادر الخلفاء، ص 58.
  • 7 تاريخ دمشق: ابن عساكر (24/ 130).
  • 8 سير أعلام النبلاء (4/ 328).
  • 9 حلية الأولياء (4/ 294).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة