حين تُهذِّب المروءة القوة..

لماذا رفض شريح القاضي ضرب زوجته؟ قوة ضبط الغضب

مشهد تعبيري يرمز للقاضي شريح وزوجته يعكس ضبط النفس والرحمة وعدم اللجوء للضرب.

أورد الذهبي أن شريح القاضي كان شاعرًا، وعَنِ الشَّعْبِيِّ قال: رُوِيَ لِشُرَيْحٍ:

رَأَيْتُ رِجَالاً يَضْرِبُوْنَ نِسَاءهُم     فَشَلَّتْ يَمِيْنِي حِيَنَ أَضْرِبُ زَيْنَبَا

وَزَيْنَبُ شَمْسٌ وَالنِّسَاءُ كَوَاكِبٌ    إِذَا طَلَعتْ لَمْ تُبْقِ مِنْهُنَّ كَوْكَبَا(1)

لا تبدو قيمة هذين البيتين في رقتهما العاطفية وحدها، وإنما في الرجل الذي رُويا عنه، فشريح بن الحارث الكندي، واحد من أشهر قضاة صدر الإسلام، ارتبط اسمه بالفطنة والعدل وطول الخبرة في الفصل بين الخصومات، وهنا تلتقي صورتان قد تبدوان لأول وهلة متباعدتين: قاضٍ مهيب يحسم نزاعات الناس، وزوج يعلن أن يده أولى بالشلل من أن تمتد إلى زوجه بالأذى.

ونحن لسنا أمام نص فقهي يُستخرج منه حكم مستقل، بل أمام أثر أدبي منسوب إلى قاضٍ كبير، يفتح نافذة على معنى المروءة، وضبط النفس، وطبيعة القوة حين تهذبها الأخلاق.

كيف حمى شريح القاضي المروءة من قسوة المنصب؟

كان شريح بن الحارث الكندي من أعلام القضاء في الكوفة، وقد امتد به زمن طويل في هذا المنصب حتى عُدَّ من أشهر قضاة عصره، ووصف بالذكاء والفطنة والمعرفة بالقضاء، وتذكر المصادر كذلك أنه كان شاعرًا وله أشعار محفوظة.

هذه الخلفية تجعل الأبيات أكثر دلالة؛ لأن الرحمة هنا لا تصدر عن رجل بعيد عن مواقع السلطة أو عاجز عن استعمال القوة، وإنما عن رجل كانت وظيفته اليومية تقوم على الحكم والحسم وإلزام الخصوم بما يظهر له من الحق.

وهذا فارق مهم في فهم الأخلاق؛ فترك البطش عند العجز ليس كالامتناع عنه عند القدرة، وكلما اتسعت سلطة الإنسان، صار امتحانه الأخلاقي أدق؛ لأنه يستطيع أن يحوّل الغضب إلى قرار، وأن يجعل تفوقه الجسدي أو الوظيفي أو المالي أداة ضغط على الأضعف.

ولهذا يمكن قراءة موقف شريح القاضي بوصفه صورة مبكرة للاتساق بين المجالين العام والخاص، العدالة لا ينبغي أن تبدأ في مجلس القضاء وتنتهي عند باب البيت؛ فالرجل الذي يزن حقوق المتخاصمين مطالب قبل ذلك وبعده بأن يتذكر حق أقرب الناس إليه.

وهو مطالب كذلك ألا تدفعه صرامة المنصب أو ضغط العمل إلى الشدة والغلظة مع الأهل، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائد الأعلى للأمة ونبيها، حين قَبَّلَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ ‌لِي ‌عَشَرَةً ‌مِنَ ‌الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ»(2) مبيناً أن صرامة القيادة والمقام الرفيع لا تتنافى مع الرقة والرحمة بالأهل والأولاد.

وفي واقعنا المعاصر تتسع الدائرة أكثر؛ فقد يكون الإنسان رحيمًا في خطابه العام، متحدثًا عن القيم والاحترام وكرامة البشر، ثم يصبح في أسرته أو مؤسسته شخصًا آخر حين يملك سلطة لا يراه الناس وهو يمارسها، هنا يكون الامتحان الحقيقي للأخلاق؛ إذ لا تقاس المبادئ بما يعلنه الإنسان أمام الجمهور فقط، بل بما يفعله حين يملك العقوبة ولا يراقبه أحد.

كيف يتحول كبح الغضب إلى أعلى درجات القوة؟

يقول البيت المنسوب إلى شريح القاضي:

رأيت رجالًا يضربون نساءهم    فشلت يميني حين أضرب زينبا

إنها صياغة شعرية شديدة القوة؛ فهو لا يكتفي بالقول: لا أحب أن أضربها، بل يجعل يده نفسها موضع الدعاء بالشلل قبل أن تتحول إلى أداة أذى، والمقصود هنا ليس بناء حكم شرعي على عبارة شاعرية، وإنما التقاط الصورة الأخلاقية التي يحملها البيت؛ أن القدرة على الفعل لا تعني أن الفعل صحيح.

وهذه واحدة من أعقد مشكلات السلطة في النفس الإنسانية، فالمرء حين يغضب يميل إلى استخدام أقرب الأدوات المتاحة له: القوي قد يستعمل قوته، والرئيس سلطته، والأب صوته، وصاحب المال حاجات الآخرين، وصاحب المنصب نفوذه، ومن هنا تصبح القوة الأخلاقية في بعض المواقف هي القدرة على تعطيل الأداة التي يستطيع الإنسان بها الإيذاء.

وفي لغة علم النفس المعاصر يمكن وصف ذلك بتنظيم الانفعال وتأخير الاستجابة؛ أي إنشاء مسافة بين لحظة الغضب وبين الفعل، أما في لغة الأخلاق الإسلامية، فإن المعنى أقدم وأوضح؛ فليست الشدة الحقيقية في سرعة الانتقام، ففي الصحيحين عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ ‌الَّذِي ‌يَمْلِكُ ‌نَفْسَهُ ‌عِنْدَ ‌الْغَضَبِ»(3)؛ فميزان القوة ينتقل من إخضاع الآخر إلى امتلاك النفس.

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة؛ فعندما تمّ له النصر والتمكين ودخل مكة فاتحاً بجيش المسلمين، وكان بمقدوره الانتقام الشديد من قريش الذين آذوه وأخرجوه، وقف عند باب الكعبة وقال لهم: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟»، قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: «اذْهَبُوا ‌فَأَنْتُمْ ‌الطُّلَقَاءُ»(4)؛ فكانت قدرته المطلقة سبيلاً للعفو والامتناع عن الإيذاء.

ولهذا لا يكون ضبط اليد شأنًا أسريًا فحسب، فالمدير الذي يستطيع إذلال موظف ثم يمتنع، والمعلم الذي يستطيع الانتقام من طالب أخطأ في حقه ثم يعدل، والأب الذي يستطيع فرض إرادته بالصوت والخوف ثم يختار الحوار؛ كل هؤلاء يمارسون صورة من صور القوة المنضبطة.

كيف عالج النبي الخلافات الزوجية دون استخدام الإيذاء؟

المسألة هنا تحتاج إلى دقة؛ فلا يصح تحويل بيت شعري إلى تقرير فقهي شامل، كما لا يصح اختزال النصوص الشرعية المتعلقة بالعلاقة الزوجية في عبارة واحدة.

فالقرآن جعل الأصل الذي تقوم عليه الأسرة هو السكن والمودة والرحمة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ ‌مَوَدَّةً ‌وَرَحْمَةً) (الروم: 21)، وأمر بحسن العشرة فقال: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: 19).

وقد بحث الفقهاء آية النشوز في سورة النساء وما ورد فيها من مراحل العلاج وضوابطها، فلا يصح تجاهل هذا الباب الفقهي أو تقديم القضية وكأن التراث الإسلامي لم يعرفها، فالضرب فيها ليس مبرحاً، بل منبهاً، ولا يجعله المسلم عادة له.

وتأتي السُّنة النبوية لتقدم المعيار الأخلاقي في حسن التعامل مع بين الزوجين، فعَنْ ‌عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا ‌امْرَأَةً ‌وَلَا ‌خَادِمًا»(5) وجاء في الحديث أيضًا أن نساءً اشتكين أزواجهن إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال عن أولئك الأزواج: «‌لَيْسَ ‌أُولَئِكَ ‌بِخِيَارِكُمْ»(6).

بل إنه صلى الله عليه وسلم قد حدثت معه بعض المواقف التي كان يمكن من خلالها أن يستخدم الضرب مع زوجته، لكنه بحث عن دافع سلوكها وأوضحه وعالجه من غير ضرب أو أذى، فعَنْ ‌أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ، فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: ‌غَارَتْ ‌أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ»(7).

وحين يوضع البيت المنسوب إلى شريح القاضي في هذا السياق، تظهر قيمته على نحو أدق: ليس لأنه يؤسس وحده حكمًا فقهيًا، وإنما لأنه يعبّر عن اختيار خُلقي ينسجم مع جانب ظاهر من الهدي النبوي في حسن العشرة والبعد عن الإيذاء.

كيف يستعيد الإنسان الصورة الجميلة لشريكه وقت الغضب؟

ينتقل البيت الثاني فجأة من الحديث عن اليد والضرب إلى السماء:

وزينب شمس والنساء كواكب    إذا طلعت لم تبق منهن كوكبا

وهنا تتحول الزوجة من طرف يمكن أن يقع معه خلاف يومي إلى صورة جمالية كبرى، إنها «الشمس»، وما سواها «كواكب».

وقد حفظ الأدب العربي الصورة نفسها في شعر النابغة الذبياني وهو يمدح النعمان بن المنذر: «فإنك شمس والملوك كواكب»(8).

لكن الأجمل من التشابه اللفظي هو اختلاف الوظيفة، النابغة استعمل صورة الشمس في بلاط ملك، ليعبر عن التفوق السياسي والمكانة بين الملوك؛ أما في البيت المنسوب إلى شريح القاضي فتدخل الصورة ذاتها إلى الحياة الزوجية، فتصبح المرأة التي تشاركه البيت صاحبة الضوء الأكبر في عينه.

وهنا يؤدي الشعر وظيفة نفسية وأخلاقية معًا، فالإنسان عند الغضب يختزل الآخر غالبًا في خطئه الأخير، سنوات من الإحسان قد تختفي خلف كلمة مزعجة، وعشرة طويلة قد تُنسى أمام موقف عابر، أما استدعاء الصورة الكلية للإنسان -فضله، ومحبته، وصحبته، وأيامه الجميلة- فيعيد ترتيب المشهد.

وهذه قاعدة نافعة في كل علاقة ممتدة: لا تحاكم الأشخاص الذين عاشوا معك سنوات بأشد لحظاتهم سوءًا، ولا تجعل خطأ عابرًا يمحو في ذهنك تاريخًا كاملًا من المودة والإحسان، كثير من البيوت لا تهدمها المشكلات الكبرى، بل تهدمها ذاكرة انتقائية لا تتذكر عند الخصومة إلا السيئات.

بناء المواقف الأخلاقية بعيدًا عن هيمنة السلوك الشائع

يبدأ شريح القاضي بقوله: «رأيت رجالًا يضربون نساءهم»، هذه البداية ذات دلالة اجتماعية؛ فالفعل موجود حوله، ويراه يمارَس من رجال آخرين، لكنه لا يتخذه حجة لتقليده، وهذه من أخطر طرق تبرير السلوك في المجتمعات: «الجميع يفعل ذلك»، فبعض الناس لا يسأل أولًا: هل هذا صواب؟ وإنما يسأل: هل هو مألوف؟ فإذا شاع الفعل تحول شيوعه، في وعيهم، إلى دليل ضمني على مشروعيته الأخلاقية، أما البيت فيبني موقفًا معاكسًا: رأيتهم يفعلون، ولذلك أعلنت أنني لا أريد أن أكون مثلهم، وهذا هو استقلال الضمير عن ضغط الجماعة، فليست كل عادة إرثًا ينبغي حمايته، ولا كل ممارسة شائعة قيمة اجتماعية، وقد تكون إحدى وظائف المصلحين وأصحاب المكانة العامة أن يكسروا الصمت حول السلوك المألوف حين يرونه مخالفًا للمروءة أو العدل.

وفي زمن الشبكات الاجتماعية تزداد الحاجة إلى هذا الاستقلال؛ إذ لم يعد ضغط الجماعة يأتي من الحي والعشيرة وحدهما، بل من آلاف المقاطع والتعليقات والنماذج التي تعيد تعريف الطبيعي كل يوم، وقد يرى الشاب الإهانة علامة قوة، أو ترى الزوجة التشهير وسيلة طبيعية للانتقام، أو يرى المدير الصراخ جزءًا من الهيبة، فقط لأن هذه النماذج تتكرر أمامهم، فالإنسان الناضج لا يقيس أخلاقه بعدد من يشبهونه.

لماذا يُعد الإفراط في استعمال السلطة دليل ضعف؟

في بعض التصورات الاجتماعية، يُقدَّم الحنان بوصفه نقيضًا للهيبة، وكأن الرجل لا يبقى قويًا إلا بقدر ما يستطيع إخافة أهل بيته، أو كأن القائد يفقد سلطته إذا ظهر منه العفو والرفق.

لكن شخصية شريح القاضي كما تحفظها كتب التراجم تكسر هذه الثنائية، فالرجل الذي اشتهر بالحكم بين الناس لم ير في إظهار المودة لزوجته إهدارًا لرجولته ولا نقصًا في وقاره.

وهذه مسألة قيادية قبل أن تكون زوجية، فالقائد الواثق لا يحتاج إلى عرض قوته في كل لحظة، غالبًا ما يكون الإفراط في استعمال السلطة علامة على ضعف أدوات التأثير الأخرى: منطق ضعيف فيستبدل بالصراخ، ثقة مهزوزة فتستبدل بالتخويف، أو علاقة هشة فتستبدل بالمراقبة والإكراه.

أما القوة الناضجة فتتحرك على درجات، تعرف متى تحسم، ومتى تحاور، ومتى تتغافل، ومتى تعفو، ولهذا فإن البيت المنسوب إلى شريح القاضي يقدم معنى صالحًا للأسرة والمؤسسة معًا؛ أن أعلى صور السيطرة ليست السيطرة على الآخرين، وإنما السيطرة على ما تستطيع أن تفعله بهم حين تغضب منهم.

لماذا لا تكفي القوانين المجردة لحماية الاستقرار الأسري؟

قد يبدو الشعر هنا شأنًا وجدانيًا خاصًا، لكن أثره الاجتماعي أوسع، فالإنسان حين يرفع قيمة شريك حياته في نفسه، فإنه ينشئ حاجزًا داخليًا ضد الإهانة، والمودة بهذا المعنى ليست عاطفة عابرة، وإنما نظام حماية، كلما استحضر الزوج فضل زوجته، واستحضرت الزوجة فضل زوجها، ضاقت المساحة التي يمكن أن يدخل منها الانتقام.

ولذلك لم يقل القرآن: إن الزواج مجرد عقد لتبادل الحقوق، على أهمية الحقوق، بل قدّم قبل ذلك مفردات أعمق؛ السكن، والمودة، والرحمة، لأن الحقوق تستطيع أن تمنع جزءًا من الظلم، أما الرحمة فتمنع أشياء كثيرة لا تستطيع القوانين دخولها أصلًا.

يمكن للقانون أن يقول للإنسان: لا تؤذِ، لكن المودة تقول له: كيف تؤذي من صار سكنًا لك؟ وهذا هو الانتقال من الحد الأدنى الذي تضبطه الأنظمة إلى المستوى الأعلى الذي تصنعه الأخلاق.

كيف يصنع ضبط النفس الأمان الحقيقي وقت الغضب؟

تبقى صورة شريح القاضي في هذين البيتين صورة لقيمة إنسانية كبيرة: رجل يرى ممارسة اجتماعية شائعة فلا يجعل شيوعها مبررًا لتقليدها، ويملك القوة فلا يرى في استعمالها برهانًا على الرجولة، ثم يستدعي الشعر ليذكّر نفسه والناس بأن الزوجة ليست خصمًا ينبغي إخضاعه، بل صاحب مودة وسكن.

وقد يكون أكثر ما يحتاجه الناس اليوم من هذا الأثر هو تصحيح مفهوم القوة، فالقوة ليست أن تستطيع الإيذاء؛ بل أن تستطيع، ثم تختار ألا تفعل.

فعن سفيان قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين رضي الله عنه فقال له: إن فلاناً قد آذاك ووقع فيك، قال: فانطلق بنا إليه فانطلق معه وهو يرى أنه سينتصر لنفسه فلما أتاه قال: «يا هذا، إن كان ما قلت فيّ حقاً فغفر الله لي، وإن كان ما قلت في باطلاً فغفر الله لك»(9).

فليست الهيبة في أن تخاف منك أسرتك أو مرؤوسيك أو حتى مبغضيك، وإنما في أن يأمنوا قدرتك حين تغضب؛ لأنهم يعرفون أن أخلاقك أقوى من انفعالك.

وحين قال شريح القاضي: «فشلت يميني حين أضرب زينبا»، كان يرسم هذه الحدود الدقيقة بين القدرة والبطش، وبين الحزم والعدوان، وبين الرجل الذي تحكمه يده والرجل الذي يحكم يده، وهناك، في تلك المسافة القصيرة بين الغضب والفعل، تُبنى كثير من البيوت، وتنجو كثير من العلاقات، ويظهر المعدن الحقيقي للإنسان.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 52).
  • 2 صحيح البخاري (5997).
  • 3 متفق عليه، أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609).
  • 4 سيرة ابن هشام (2/ 412).
  • 5 صحيح مسلم (2328).
  • 6 سنن أبي داود بسند صححه الألباني (2146).
  • 7 صحيح البخاري (5225).
  • 8 الكامل في اللغة والأدب: ابن المبرد (3/ 26).
  • 9 صفة الصفوة (1/ 354).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة