القيادة التي تُصلح ولا تُهين..
لماذا عالج هرم بن حيان خطأ حارسه بالصوم؟
أورد الذهبي،
وابن سعد، عَنْ أَبي عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، أَنَّ هرم بن حيان أَشْرَفَ
فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ، وَإِذَا صَاحِبُ حَرَسِهِ يَلْعَبُ الْخَرَاجَ،
فَدَعَاهُ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ غَدًا فَصُمْ، فَصَنَعَ ذَلِكَ بِهِ ثَلَاثَ
لَيَالٍ»، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبِ الْآنَ، فَالْعَبِ الْخَرَاجَ»(1)،
قَالَ: وَكَانَ هَرِمٌ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ(2).
يمثل هذا الخبر
القصير من أخبار هَرِم بن حَيَّان نموذجًا غنيًا للتأمل في طبيعة القيادة
الإسلامية في جيل التابعين، لا من جهة الحدث الظاهر فقط، بل من جهة الطريقة التي
عالج بها الوالي خللًا سلوكيًا ظهر عند أحد رجاله المقرّبين، فالمشهد لا يتحدث عن
مجرد رجل وجد حارسه منشغلًا باللعب، وإنما يكشف عن عقلية إدارية ترى أن إصلاح
الإنسان أعمق من معاقبة الخطأ، وأن القائد الناجح لا يكتفي بإيقاف السلوك الظاهر،
بل يبحث عن جذره في النفس.
وهَرِم بن
حَيَّان من الشخصيات التي اجتمع فيها جانب العبادة والزهد مع جانب الولاية
والمسؤولية، وكان ممن عمل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، في مرحلة تاريخية عُرفت
بشدة المراقبة والمحاسبة، وحرص الخلفاء والولاة على أن يكون المسؤول قدوة قبل أن
يكون صاحب سلطة، ومن هنا تأتي أهمية قراءة هذا الموقف في سياقه: إنه موقف مسؤول عن
أمن الناس، يتعامل مع رجل من رجال الحماية، وفي الوقت نفسه يحاول أن يحافظ على
كرامته ويعيد توجيه سلوكه.
حين يتفقد هرم بن حيان رعيته ويعاين الواقع بنفسه
لم يكن خروج
هَرِم بن حَيَّان في تلك الليلة القمرية مجرد جولة عابرة، بل يعكس معنى أصيلًا في
الإدارة؛ أن المسؤول لا يعيش خلف التقارير، ولا يكتفي بما يُرفع إليه من الأخبار،
وإنما يلامس الواقع بنفسه، فالقيادة في التصور الإسلامي ليست منصبًا مكتبيًا، بل
أمانة تحتاج إلى متابعة ومشاهدة ومعرفة بأحوال العاملين.
وقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم يتفقد أحوال أتباعه ويحرص على رعايتهم وكذلك الخلفاء من بعده،
ومن أمثلة ذلك ما كان من زيارات النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر لتفقد
الصحابة والصالحين، كزيارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لأم أيمن رضي الله عنها
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لتفقد حالها ومواساتها(3).
كما اشتهر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شدة تفقده لأحوال الرعية، حتى صار تفقد الناس ليلًا من
العلامات المرتبطة بعصره في الوعي التاريخي.
وهذا المعنى
تؤكده القاعدة القرآنية العامة في استشعار المسؤولية: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) (الصافات: 24)،
فالمسؤولية ليست مجرد صلاحيات تمنح الإنسان مكانة، وإنما تبعات تجعل عليه واجب
النظر والمتابعة.
وفي واقع
المؤسسات اليوم، يبقى هذا المعنى حاضرًا؛ فالقائد الذي لا يرى فريقه إلا من خلال
التقارير قد يفوته كثير من الخلل الصامت، بينما القائد القريب من الواقع يكتشف
المشكلات في بدايتها قبل أن تتحول إلى أزمات.
لماذا يحتاج القائد إلى فهم دوافع الأفعال قبل إيقاع العقوبات؟
اللافت في موقف
هَرِم بن حَيَّان أنه لم يبدأ بالتوبيخ أو التشهير أو العزل، مع أن الأمر يتعلق
بصاحب حرس، وهي وظيفة ترتبط باليقظة والانضباط، لكنه اختار أسلوبًا آخر: قال له
«إذا كان غدًا فصم».
هذه العبارة
القصيرة تكشف عن فقه دقيق للنفس البشرية، فالإنسان لا يتغير دائمًا بمجرد الأوامر،
وقد يتوقف عن الخطأ ظاهريًا بينما يبقى الدافع الداخلي قائمًا، أما التربية
العميقة فهي التي تجعل الإنسان يعيد النظر في سلوكه من داخله.
لقد تعامل هَرِم
مع أصل المشكلة، لا مع صورتها الخارجية فقط، فاللعب في الليل لم يكن مجرد فعل
عابر، بل كان علامة على وجود وقت وطاقة وانشغال بما لا يناسب مقام المسؤولية، ولذلك
وجّه الرجل إلى عبادة تحتاج إلى صبر ومجاهدة، حتى تتغير حالته النفسية والجسدية.
والناظر في
تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أخطاء أصحابه يجد أنه لم يكن يبادر بفرض
العقوبات قبل أن يتعرف دوافع الأفعال، حيث كان كثيراً ما يسأل الفاعل: «مَا حَمَلَكَ
عَلَى مَا صَنَعْتَ؟».
والمثال الأشهر
في ذلك ما وقع من الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة، حيث روى البخاري عَنْ عَلِيٍّ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثَدٍ وَالزُّبَيْرَ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، قَالَ:
انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ
الْمُشْرِكِينَ، مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى
الْمُشْرِكِينَ، فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْنَا: الْكِتَابُ،
فَقَالَتْ: مَا مَعَنَا كِتَابٌ، فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ
كِتَابًا، فَقُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ
أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا، وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتْهُ.
فَانْطَلَقْنَا
بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي
فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا
حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟»، قَالَ حَاطِبٌ: وَاللهِ مَا بِي أَنْ لَا
أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرَدْتُ
أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي
وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ
مَنْ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ.
فَقَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ، وَلَا تَقُولُوا لَهُ
إِلَّا خَيْرًا»، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ
وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ مِنْ
أَهْلِ «بَدْرٍ»؟»، فَقَالَ: لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ «بَدْرٍ»
فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ»، أَوْ: «فَقَدْ
غَفَرْتُ لَكُمْ»، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ»(4).
ففي هذا الموقف
دليل على عدم تسرعه صلى الله عليه وسلم بإيقاع العقوبة على المخطئ، بل إنه سأله عن
سبب فعله، وطلب له المعذرة.
كيف صنع هرم بن حيان بالتربية الإيمانية رقابة الضمير الداخلي؟
قد يبدو لمن
ينظر إلى القصة من الخارج أن هَرِمًا عاقب الرجل بالصيام، لكن التأمل يكشف أن
الأمر أبعد من العقوبة التقليدية، لقد اختار وسيلة تجمع بين الإصلاح والتزكية، فلو
أنه منعه فقط من اللعب، ربما توقف الفعل أمام السلطة، لكنه قد يعود إليه عند غياب
الرقابة، أما حين يربط الأمر بتغيير داخلي، فإنه ينقل الإنسان من مرحلة الخوف من
القائد إلى مرحلة مراقبة النفس، وهذا من أعظم الفروق بين الإدارة التي تصنع
الانضباط بالقوة، والقيادة التي تصنع الانضباط بالوعي.
إن الإنسان الذي
يتعلم كيف يضبط نفسه يصبح أكثر ثباتًا من الإنسان الذي لا يستقيم إلا تحت عين
الرقيب، ولهذا كانت التربية الإيمانية في الإسلام تهدف إلى بناء الضمير قبل بناء
النظام، قال الله تعالى: (إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1)، فالرقابة العليا التي
يصنعها الإيمان هي التي تجعل الإنسان مستقيمًا حتى عندما لا يراه أحد.
وهذا قريب من
المعنى الذي جاءت به السنة النبوية في جعل الصيام وسيلة لضبط النفس، كما في قول
رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ
مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ
لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ
وِجَاءٌ»(5)؛ فالصوم ليس مجرد ترك للطعام والشراب، بل تدريب على التحكم
في الدوافع وضبط الرغبات.
الذكاء القيادي عند هَرِم بن حيان
ورد في الخبر أن
هَرِمًا صنع ذلك به ثلاث ليالٍ، وهذه المدة تحمل دلالة على التدرج والاستمرار، فالتغيير
الحقيقي لا يحدث غالبًا بقرار لحظي، وإنما يحتاج إلى ممارسة متتابعة تكسر الاعتياد
القديم وتفتح طريقًا لعادات جديدة، والإنسان بطبيعته يميل إلى ما اعتاده، ولذلك
كان من الحكمة ألا يكتفي هَرِم بتوجيه سريع، بل جعل التجربة تمتد مدة تكفي ليشعر
الرجل بأثرها.
ثم جاء التحول
اللافت حين قال له بعد ذلك: «اذهب الآن فالعب الخراج»، هذه العبارة تحمل جانبًا
تربويًا عميقًا؛ فقد نقل الرجل من مرحلة المنع إلى مرحلة الاختبار، وكأنه يقول له:
بعد أن ذقت أثر الانضباط، انظر هل ما زلت ترى ذلك اللعب مناسبًا؟
وهنا يظهر نوع
من الذكاء القيادي؛ فالهدف لم يكن أن يمنع الإنسان من فعل معين إلى الأبد بالقوة،
وإنما أن يجعله يراجع اختياره بنفسه.
كيف تحمي كرامة المخطئ دون إغفال المحاسبة؟
من دقائق هذا
الموقف أن هَرِمًا لم يكسر صورة صاحب الحرس أمام الآخرين، لم يعلن خطأه، ولم يجعله
موضع سخرية أو إذلال، وهذا باب مهم في التربية والإدارة؛ فالإنسان قد يخطئ، لكن
طريقة التعامل مع خطئه قد تحدد هل سيزداد صلاحًا أم يزداد عنادًا.
وقد أرشد النبي
صلى الله عليه وسلم إلى الرفق في مواضع كثيرة، ومن ذلك ما ثبت عَنْ عَائِشَةَ
زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ،
وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»(6)؛ فالرفق لا يعني ترك
الخطأ، وإنما يعني اختيار الطريق الذي يحقق الإصلاح بأقل قدر من الضرر.
وقد ضرب النبي
صلى الله عليه المثل في ذلك عند تعامله مع الأنصار حين وجدوا في أنفسهم شيئاً مما
أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم لإخوانهم من المهاجرين بعد غنائم هوازن، فقد حرص
النبي صلى الله عليه وسلم على مكانة الأنصار وصورتهم حين بلغه عتبهم في قسمة
الغنائم، فلم يعاتبهم أو يوبخهم علناً أمام بقية الجند، بل أمر بجمعهم بعيداً عن
غيرهم، وخصهم بالحديث والمناقشة سراً حفظاً لكرامتهم وتصحيحاً لخطئهم برفق(7).
وفي بيئات العمل
المعاصرة، كثير من القيادات تخسر موظفين أكفاء بسبب أسلوب التصحيح العلني الذي
يحطم الثقة، بينما يمكن معالجة الخلل بأسلوب يحفظ الكرامة ويحقق الانضباط.
حراسة الوقت والقلب في عصر الملهيات المعاصرة
قد يبدو أن
القضية في ظاهرها مرتبطة بالحراسة فقط، لكن معناها أوسع؛ فكل إنسان له حراسة خاصة
به؛ حراسة وقته، وحراسة قلبه، وحراسة مسؤولياته.
فالفراغ إذا لم
يُملأ بالنافع قد يتحول إلى باب للانشغال بما لا يليق، ولهذا قال الله تعالى في
وصف المؤمنين: (وَالَّذِينَ
هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون: 3)؛ واللغو ليس دائمًا أمرًا
محرمًا، لكنه قد يكون مما يستهلك عمر الإنسان ويصرفه عن أولوياته، ومن هنا فإن
تربية النفس على معرفة قيمة الوقت من أهم أسس النجاح.
وهذا المعنى
يحتاجه الإنسان المعاصر في عصر كثرت فيه وسائل الترفيه وتشعبت مجالات الإلهاء؛
فليست المشكلة دائمًا في وجود الراحة، وإنما في أن تتحول الراحة إلى غفلة، وأن
يصبح اللهو بديلًا عن الرسالة والهدف.
هرم بن حيان وصناعة المسؤول بين الحزم والرحمة
يكشف هذا الموقف
جانبًا من المدرسة الإدارية التي نشأت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ مدرسة
تجمع بين الحزم والرحمة، وبين المحاسبة والإصلاح؛ فالمسؤول ليس آلة تطبق العقوبات،
وليس صديقًا يتغاضى عن الأخطاء، وإنما هو مربٍّ يحمل أمانة الإصلاح.
وهذا يفسر لماذا
كان اختيار هَرِم لطريقة المعالجة مهمًا؛ فهو لم يترك الخطأ حتى ينتشر، ولم يعالج
الإنسان بطريقة تفسده، بل جمع بين الحزم والحكمة.
وهو في هذا
يقتدي بالقائد الأعلى، عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يتفقد أحوال رعيته
ويتابع قراراتهم ولا ينعزل عنهم ولا عن مجتمعه الذي يحكمه.
وفي زماننا
تحتاج المؤسسات التعليمية والدعوية والإدارية إلى هذا النوع من القيادة؛ قيادة ترى
الإنسان مشروع إصلاح، لا مجرد رقم في قائمة الموظفين.
من خلال ما سبق
يتبين أن قصة هَرِم بن حَيَّان مع صاحب حرسه ليست خبرًا عن موقف تأديبي عابر، بل
نافذة تكشف فلسفة كاملة في التعامل مع الإنسان، فقد علّمتنا أن القائد الحقيقي لا
يبحث فقط عن إيقاف الخطأ، بل يبحث عن بناء الإنسان الذي لا يعود إليه.
في ليلة قمرية
رأى هَرِم خللًا صغيرًا في الظاهر، لكنه أدرك أن وراءه معنى أكبر يتعلق بالانضباط
والمسؤولية، فاختار طريق التربية بدل الإهانة، والإصلاح بدل الإقصاء، وبناء الوعي
بدل الاكتفاء بالمراقبة.
وهكذا تبقى مواقف أعلام النبلاء ثروة تتجاوز زمانها؛ لأنها لا تقدم لنا أحداثًا فقط، بل تقدم لنا طرائق في فهم النفس، وإدارة المجتمع، وصناعة القادة.
الهوامش
- 1 الخراج: اسم لعبة قديمة عند العرب، قال الفراء: خراج اسم لعبة معروفة، وهو أن يمسك أحدهم شيئاً بيده، ويقول لسائرهم: أخرجوا ما في يدي، انظر: لسان العرب (2/ 254).
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 13)، وانظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 132).
- 3 صفة الصفوة (2/ 55).
- 4 صحيح البخاري (3983).
- 5 متفق عليه، رواه البخاري (5065)، ومسلم (1400).
- 6 صحيح مسلم (2594).
- 7 انظر الحديث في صحيح البخاري (4075).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً