بين التوكل والتدبير
كيف يتحرر القلب من سلطان المال؟ إنفاق عامر بن عبد قيس
تصوير رمزي لرجل من عصر التابعين يحمل معنى الزهد والعطاء، مع إيحاء بقيمة المال حين يتحول إلى وسيلة للخير
أورد الذهبي عن
مُحَمَّدُ بنُ وَاسِعٍ، عن يَزِيدَ بنِ الشِّخِّيْرِ، «أَنَّ عَامِراً(1)
كَانَ يَأْخُذُ عَطَاءهُ، فَيَجْعَلُهُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ، فَلَا يَلْقَى
مِسْكِيْناً إِلَاّ أَعْطَاهُ، فَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، رَمَى بِهِ إِلَيْهِم،
فَيَعُدُّوْنَهَا، فَيَجِدُوْنَهَا كَمَا أُعْطِيْهَا»(2).
تكشف هذه
الرواية عن صورة فريدة من علاقة الإنسان بالمال؛ فالمال عند عامر لم يكن شيئًا
يُحتفظ به لمجرد الاطمئنان، ولا رمزًا للمكانة الاجتماعية، بل كان أمانة تنتقل من
يد إلى يد حتى تصل إلى موضعها الصحيح، وهذا المعنى ينسجم مع التصور القرآني للمال
بوصفه مجالًا للابتلاء والتكليف، قال تعالى: (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد:
7)، فإضافة المال إلى الاستخلاف تذكّر بأنَّ ملكية الإنسان له ليست مطلقة،
وإنما هو مستخلف فيه ومسؤول عن كيفية توجيهه.
وتتجلى هذه
المسؤولية في سلوك عامر نفسه؛ إذ لم يكن تصوره للمال مجرد معنى ذهني، بل ظهر
عمليًا في طريقة تعامله مع عطائه وإنفاقه، ويتضح ذلك في تفاصيل المشهد نفسه؛
فالرجل يأخذ عطاءه، ثم يضعه في طرف ثوبه، ثم يعطي منه كل محتاج يلقاه، ثم يعود إلى
بيته فيجد أهله المال كما هو، ومن ثَمَّ، فإن الرواية ليست مجرد قصة عن الكرم، بل
نافذة على منظومة كاملة من التصورات حول الرزق، والتوكل، ووظيفة المال في حياة
المؤمن.
البصرة في عصر العطاء.. حين أصبح المال اختبارًا للقلب
وقعت هذه الصورة
في عصر التابعين، في مرحلة كانت الدولة الإسلامية قد اتسعت فيها، وأصبح نظام
العطاء من بيت المال جزءًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكان المال في هذه
المرحلة يحمل معاني متعددة؛ فهو وسيلة للمعاش، وعلامة على الاستقرار، ومصدرًا
للتنافس أحيانًا.
وفي وسط هذا
الواقع يظهر عامر بن عبد قيس بنموذج مختلف؛ فهو لا يرفض المال من حيث هو مال، بل
يرفض أن يتحول المال إلى مركز القلب، وهذا المعنى تؤيده النصوص التي تفرق بين
امتلاك المال والتعلق به؛ فقد قال تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر: 20)، فالمذموم ليس
مجرد وجود المال، وإنما ما قد ينشأ من تعلق القلب به على نحو يصرفه عن مقاصده، فالزهد
عنده لم يكن فقرًا اضطراريًا، وإنما تحررًا من سيطرة المادة على النفس.
وإذا استقر
المال في القلب وتجاوز كونه وسيلة للمعاش، أصبح قابلًا لأن يشغل الإنسان عن غايته
الإيمانية؛ وهو ما حذّر منه القرآن بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ
أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) (المنافقون: 9)، ويؤكد
أبو موسى الأشعري رضي الله عنه هذا المعنى بقوله: «إِنَّ هَذَا الدِّرْهَمَ
وَالدِّينَارَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَإِنِّي مَا أَرَاهُمَا إِلَّا
مُهْلِكَيْكُمْ»(3)، فيكشف ذلك عن إدراك لما قد يحدثه المال من أثر في
النفس إذا تحول من وسيلة للمعاش إلى مصدر للفتنة والتعلق، ويتصل بذلك ما نُسب إلى
سفيان الثوري رحمه الله من قوله: «سُمّي المال لأنه يميل القلوب»(4)،
وهي عبارة تلخص طبيعة الاختبار الذي يمثله المال؛ إذ لا تتحدد قيمته بما يملكه
الإنسان منه، وإنما بما يحدثه امتلاكه في قلبه وسلوكه.
وتتضح هذه
الفكرة في موقف القاسم بن محمد؛ فقد رُوي عن أيوب أنه قال: «رأيت على القاسم بن
محمد رداءً قد صُبغ بشيء من زعفران، ويدع مائة ألف لم يتلجلج في نفسه شيء منها»(5)،
وهو ما يعكس معنى الزهد والتحرر من سيطرة المادة رغم توفرها وكثرتها، وهكذا يتضح
أن الاختبار لم يكن في وجود المال ذاته، وإنما فيما يمكن أن يحدثه في النفس من
تعلق أو إلهاء؛ فالقيمة الحقيقية للزهد لا تكمن في غياب المال، وإنما في ألا يتحول
إلى قوة مهيمنة على القلب والغاية الإيمانية.
لماذا لا يتعارض امتلاك الثروة مع الزهد؟
من أبرز معاني
الرواية أن عامرًا كان يأخذ عطاءه، أي أنه لم يرفض ما أُعطي له من حق مشروع، لكنه
لم يجعل المال غاية يستقر عندها، وهنا يظهر الفرق بين من يملك المال، ومن يملكه
المال؛ فالإنسان قد تكون عنده أموال كثيرة وقلبه حر منها، وقد يملك القليل وقلبه
متعلق به تعلقًا شديدًا.
ويتجلى هذا
المعنى في قيمة العطاء في التصور الإسلامي، وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن
ذلك بقوله: ««الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»(6)،
مبينًا منزلة اليد المنفقة، وأن امتلاك المال لا يتعارض مع الزهد ما دام وسيلة
للخير لا غاية في ذاته، ولهذا كان من معاني الزهد عند السلف أن تكون الدنيا في
اليد لا في القلب؛ يستخدمها الإنسان في الخير، لكنه لا يجعلها تتحكم في اختياراته
ومشاعره، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:
9)؛ إذ ربط القرآن الفلاح بالتحرر من الشح الذي يحول بين الإنسان وبين
البذل والإحسان.
وتبرز هذه
الفكرة في موقف عائشة رضي الله عنها؛ فقد رُوي عن أم ذر أنها قالت: «بَعَثَ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا
بِمَالٍ فِي غِرَارَتَيْنِ فِيهِمَا ثَمَانُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ
صَائِمَةٌ، فَجَعَلَتْ تُقَسِّمُ بَيْنَ النَّاسِ فَأَمْسَتْ وَمَا عِنْدَهَا مِنْ
ذَلِكَ دِرْهَمٌ، فَلَمَّا أَمْسَتْ قَالَتْ يَا جَارِيَةُ: هَلُمِّي فُطُورِي،
فَجَاءَتْهَا بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَقَالَتْ لَهَا: «أَمَا اسْتَطَعْتِ فِيمَا
قَسَّمْتِ هَذَا الْيَوْمَ أَنْ تَشْتَرِيَ لَنَا لَحْمًا بِدِرْهَمٍ؟» قَالَتْ:
لَا تُعَنِّفِينِي لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ»(7)، ويكشف
هذا الموقف بوضوح عن امتلاك المال دون التعلق به؛ فقد مرّ المال بيدها ولم يستقر
فيها، إذ وجّهته إلى الآخرين حتى لم يبقَ منه شيء لنفسها، بما يعكس تحررًا من
سلطان المال على القلب وتقديمًا للعطاء على الاحتفاظ به.
حدود الجمع بين الثقة بالله وحسن التدبير
المشهد الأكثر
إثارة في الرواية أن عامرًا كان يعطي كل مسكين يلقاه، دون أن يظهر في النص أنه كان
يقف طويلًا لحساب ما بقي وما ذهب، ويكشف هذا السلوك عن درجة عالية من الثقة بوعد
الله، قال تعالى: (وَمَا
أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ:
39)، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»(8)،
بما يؤكد أن الإنفاق في التصور الإسلامي لا يُفهم باعتباره خسارة محضة، وإنما
باعتباره بابًا من أبواب البر والرجاء فيما عند الله.
ويتأكد هذا
المعنى في الحث النبوي على الإنفاق دون الخوف من الفقر، فقد ورد: «أَنْفِقْ
بِلَالُ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا»(9)،
فالمعنى هنا يتصل مباشرة بعدم جعل الخوف من نفاد المال أو الإقلال سببًا للإمساك
عن الإنفاق.
غير أن هذه
الثقة لا تعني ترك التدبير أو إهمال المسؤوليات، وإنما تعني ألا يتحول الخوف من
المستقبل إلى مانع من فعل الخير، ولذلك جاءت السنة جامعة بين الحث على الإنفاق
ومراعاة الحقوق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ
عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول»(10).
ومن ثَمَّ،
فإنَّ قراءة موقف عامر ينبغي ألا تُبنى على تصور أن الإنفاق يعني إلغاء الحساب
والتدبير، وإنما على معنى أعمق: أن يكون التدبير خادمًا للمسؤولية، لا ذريعة لمنع
الخير، وأن يبقى القلب واثقًا بالله مع الأخذ بالأسباب.
أثر القدوة العملية في ترسيخ يقين الأسرة
لم يكن عامر
يشرح لأهل بيته معنى التوكل والخوف من الله، بل جعلهم يرون ذلك بأعينهم، فحين دخل
ورمى المال إليهم، ثم قاموا بعدّه، وجدوا أن المقدار لم يتغير في الرواية، لقد
تحولت الأسرة من متلقية للنصيحة إلى شاهدة على تجربة عملية، وهذه من أقوى طرق
التربية؛ فالقدوة العملية تجعل القيمة الأخلاقية مرئية في السلوك، لا مجرد فكرة
تُتداول بالكلام.
ويؤصل القرآن
لمسؤولية الإنسان عن تربية أهله وتوجيههم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم: 6)، بما يتضمن مسؤولية الإنسان عن نفسه
وأهله وتوجيههم إلى ما يصلحهم، ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في
قوله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(11)،
فالرجل مسؤول عن أهل بيته، وكل إنسان مؤتمن على ما استرعاه الله إياه.
وتتضح قيمة
القدوة العملية داخل الأسرة في موقف الزبير بن العوام رضي الله عنه مع ابنه عبد
الله؛ إذ لم يقتصر توجيهه له إلى التوكل على مجرد الوصية، وإنما ربطه بموقف عملي
ظل أثره حاضرًا في حياة ابنه، فقد قَالَ عَبْدُ اللهِ: «فَجَعَلَ يُوصِينِي
بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ
عَلَيْهِ مَوْلَايَ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ:
يَا أَبَتِ مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللهُ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا وَقَعْتُ فِي
كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ
دَيْنَهُ فَيَقْضِيهِ»(12)، هذا الموقف يُظهر أن التوكل لم يُقدَّم
للابن في صورة مفهوم مجرد، بل انتقل إليه من خلال موقف الأب وطريقة تعامله مع
الدين والمسؤولية، حتى أصبح ما شاهده من أبيه مرجعًا يستحضره عند مواجهة الكرب.
وهكذا تتجاوز
القدوة حدود التأثير اللحظي؛ إذ يمكن للسلوك العملي أن يرسخ القيمة في وعي المتلقي
بحيث تتحول من موقف شاهده إلى منهج يستعين به في مواقف حياته، ومن ثَمَّ، فإن
القدوة داخل الأسرة ليست أمرًا إضافيًا، بل هي من أقوى وسائل بناء القيم؛ لأن
السلوك المتكرر يقدم نموذجًا عمليًا لما ينبغي أن يكون عليه التعامل مع المال
والمسؤولية والعطاء.
كيف يتحول الإنفاق المالي إلى أثر ممتد؟
قد ينظر بعض
الناس إلى الإنفاق باعتباره نقصًا في الموجود، بينما يقدم القرآن والسنة معنى
أوسع؛ فالمال الذي يُنفق في موضعه لا يضيع، بل يتحول إلى أثر وثواب، قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ) (البقرة: 261)، فجعل الإنفاق في
سبيل الله قابلًا للمضاعفة في الأجر.
ومن هنا يمكن
فهم سخاء عامر بن عبد قيس؛ إذ لم يكن يتعامل مع المال بوصفه غاية في ذاته، وإنما
باعتباره موردًا ينبغي أن يُوجَّه إلى موضع النفع، فالعطاء عنده لم يكن مجرد تخلي
عن المال، بل تحويلًا له من صورة ساكنة إلى أثر حي في حياة المحتاجين.
ويؤكد هذا
المعنى موقف الزبير بن العوام رضي الله عنه؛ فقد «باع دارًا له بستمائة ألف، فقيل
له: يا أبا عبد الله، غُبنت؛ أي خُدِعتُ، أو خُسرت في البيع، فأجاب: كلا، هي في
سبيل الله»(13)؛ فلم يقس قيمة المال بما بقي في يده، وإنما بما آل إليه
من غاية نافعة.
كما يظهر المعنى
نفسه في موقف الإمام أبي حاتم محمد بن حبان، الذي وجّه موارده إلى خدمة العلم؛
فابتنى صُفّةً بقرب داره جعلها مدرسةً لأصحابه، ورتب لهم جرايات يستنفقون منها(14)،
بما يضمن كفايتهم واستمرارهم في طلب العلم ونفع الناس.
وهكذا تكشف هذه
المواقف عن مفهوم أعمق للسخاء: فليس المقصود أن يفقد الإنسان موارده، وإنما أن
يحسن توجيهها بحيث تنتقل من مجرد ملكية شخصية إلى منفعة متعدية وأثر ممتد، فالمال
الذي يُوظَّف في إغاثة محتاج، أو تعليم طالب، أو إقامة مصلحة نافعة، لا يفقد قيمته
بخروجه من يد صاحبه، بل تتغير صورته من مورد مملوك إلى أثر باقٍ.
وهذا المعنى لا
يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى واقع المؤسسات؛ فالموارد التي تُدار لمجرد
المحافظة عليها قد تبقى محدودة الأثر، بينما الموارد التي تُوجَّه بحكمة إلى
مجالات النفع العام يمكن أن تصنع أثرًا ممتدًا يتجاوز لحظة الإنفاق إلى بناء
الإنسان وخدمة المجتمع.
تحول العطاء الفردي إلى صمام أمان اجتماعي
لم يكن إنفاق
عامر موقفًا فرديًا فحسب، بل حمل أثرًا اجتماعيًا واضحًا؛ إذ كان ماله ينتقل
مباشرة إلى من يحتاجه، فلا يقف أثر العطاء عند صاحبه، بل يمتد إلى سد حاجة المحتاج
وتعزيز التراحم والتكافل داخل المجتمع، ومن هذا المنطلق، لم يكن المحتاج خارج
دائرة المسؤولية الاجتماعية، بل قرر القرآن له حقًا في أموال القادرين، قال تعالى:
(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ
لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: 19)، ومن هنا، فإن إنفاق عامر لم
يكن مجرد تخلٍّ عن المال، وإنما كان توجيهًا له نحو وظيفته الاجتماعية، وربطًا بين
ما يملكه الإنسان وما يحتاج إليه المجتمع من رحمة وتكافل.
وتتضح هذه
الصورة في موقف علي بن الحسين، فقد رُوي عن شيبة بن نعامة أنه كان يُبخَّل(15)،
فلما مات وُجد أنه كان يقوت مائة أهل بيت بالمدينة(16)، ويكشف هذا
الموقف عن صورة متقدمة للتكافل الاجتماعي؛ إذ تجاوز العطاء فيه حدود المساعدة
الفردية إلى توفير المعاش لعدد كبير من الأسر بصورة خفية ومستمرّة.
ويتسع هذا
المعنى في تعريف سفيان بن عيينة للسخاء، إذ قال: «السخاء البر بالإخوان والجود
بالمال»(17)، ثم روى عن أبيه أنه ورث خمسين ألف درهم، فبعث بها صررًا
إلى إخوانه، وقال: «قد كنت أسأل الله تعالى لإخواني الجنة في صلاتي، أفأبخل عليهم
بالمال»(18)، ويكشف هذا الشاهد عن ارتباط السخاء بملاحظة حاجات
الآخرين، بحيث يصبح المال وسيلة للبر بالإخوان ورعاية شؤونهم، لا مجرد ملكية
فردية.
ومن ثَمَّ،
فإنَّ إنفاق عامر لم يكن مجرد تخلٍّ عن المال، وإنما توجيهًا له نحو وظيفته
الاجتماعية؛ فالمال حين يصل إلى المحتاج يسهم في سد فجوة في حياته، ويجعل النعمة
وسيلة للتراحم والتكافل.
وفي زمن تتسع
فيه الفجوات الاقتصادية، يبقى هذا المعنى مهمًا: أن يرى الإنسان حاجات من حوله،
وألا تتحول النعمة إلى عزلة عن المجتمع، ولا يعني ذلك إلغاء الملكية الفردية أو
المسؤولية المالية، وإنما توجيه المال بحيث يجمع بين حق صاحبه وحق المجتمع
والمحتاجين.
لماذا لا تلغي البركة ضرورة الحساب المالي؟
يحمل النص صورة
إيمانية عميقة، لكن التعامل معها يحتاج إلى فهم صحيح؛ فالبركة ليست دائمًا بمعنى
بقاء الرقم كما هو بصورة خارقة، وإنما قد تكون في الانتفاع، وفي الكفاية، وفي
الأثر الذي يتركه المال بعد إنفاقه، وهذا الفهم أقرب إلى الجمع بين النصوص التي
تحث على الإنفاق والنصوص التي تدعو إلى الاعتدال في التدبير، مثل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ
يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: 67)،
وقال سبحانه: (وَلَا تَجْعَلْ
يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ
مَلُومًا مَّحْسُورًا) (الإسراء: 29)، وتؤصل هاتان الآيتان لمبدأ التوازن
في التعامل مع المال، بحيث لا يتحول الإنفاق إلى إسراف، ولا يتحول الخوف من النقص
إلى إمساك يمنع وجوه الخير.
وقد تقع الكرامة
لبعض أولياء الله، لكن لا يصح جعل الكرامات قاعدة عامة يُبنى عليها تصور اقتصادي
أو سلوكي، ومن ثَمَّ، فإنَّ ما ورد في رواية عامر بن عبد قيس يُفهم في سياقه بوصفه
واقعة دالة على حاله في الثقة بالله والتعامل مع المال، دون أن تُجعل الواقعة
الفردية قاعدة مطردة في بقاء المال أو زيادته ماديًا.
والأصل العام هو
أن المسلم يجمع بين التوكل والأخذ بالأسباب؛ فالثقة بالله لا تعني إلغاء الحساب،
كما أن التخطيط لا يعني ضعف التوكل، ومن هنا يمكن فهم رواية عامر في إطارها
الأخلاقي والتربوي؛ فهي تكشف عن قوة تعلقه بالله وتحرره من الشح، دون أن تجعل
الواقعة الفردية قاعدة مطردة في بقاء المال أو زيادته ماديًا.
من عامر بن عبد قيس إلى واقعنا.. كيف نعيد بناء علاقتنا بالمال؟
يقدم هذا الأثر
سؤالًا مهمًا للإنسان المعاصر: هل المال في حياته وسيلة أم أصبح غاية؟ وليس
المطلوب أن يترك الإنسان السعي والكسب، وإنما أن يراجع موقع المال في حياته، وألا
يتحول امتلاكه إلى غاية تستحوذ على اهتمامه وتوجه اختياراته، وهذا السؤال يتصل
بالتحذير القرآني من أن تتحول الأموال والأولاد إلى مجال للابتلاء والانشغال عن
المقصد الأعلى، قال تعالى: (وَاعْلَمُوا
أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (الأنفال: 28).
ومن هذا
المنطلق، يكون المال الصالح هو الذي يخدم الإنسان في طاعة الله، ويعينه على
مسؤولياته، ويفتح له أبواب النفع، ولذلك جاء التوجيه النبوي جامعًا بين العطاء
والمسؤولية، في قوله صلى الله عليه وسلم: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ
بمن تعول»(19)، بما يقرر أن الإنفاق لا ينفصل عن مراعاة المسؤوليات
والحقوق.
ويتضح هذا
المعنى في موقف «عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، أَنَّه بَاعَ أَرْضًا لَهُ مِنْ
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَسَمَهُ فِي فُقَرَاءِ
بَنِي زُهْرَةَ، وَفِي الْمُهَاجِرِينَ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ»(20)،
جاعلًا المال وسيلة للنفع لا غاية في ذاته، ويقدم هذا الموقف نموذجًا عمليًا
لإعادة توجيه المال من مجرد ملكية فردية إلى مورد للنفع الاجتماعي.
وتتسع قيمة
المال حين يُوجَّه إلى ما يتجاوز المنفعة الآنية، فيبقى أثره ممتدًا بعد حياة
صاحبه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته
بعد موته: علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه،
أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته
وحياته يلحقه من بعد موته»(21)، ويكشف هذا التوجيه عن انتقال قيمة
المال من منفعة آنية إلى أثر ممتد يتجاوز حياة صاحبه.
وفي واقعنا
المعاصر، يظهر هذا المعنى في مجالات متعددة:
- ففي الأسرة
يتعلم الأبناء أن العطاء قيمة تُمارس ولا تُلقّن فحسب.
- وفي العمل
تصبح المسؤولية الاجتماعية جزءًا من ثقافة المؤسسة.
- وفي حياة
الفرد يتحول تخصيص جزء من رزقه لأبواب الخير إلى ممارسة تعكس موقع المال في
منظومته القيمية.
وهكذا لا تكمن
قيمة المال في مقدار ما يُمتلك منه فحسب، وإنما في الغاية التي يُوجَّه إليها
والأثر الذي يتركه في حياة الإنسان ومن حوله.
ويمكن استخلاص
عدة دروس جديرة بالتأمل من موقف عامر بن عبد قيس في علاقتنا بالمال وسلوكنا في
توجيهه، وذلك على النحو الآتي:
1- إعادة ضبط
العلاقة بالمال، بحيث يبقى في دائرة التملك ولا ينتقل إلى دائرة التعلق.
2- تحرير السلوك
المالي من الخوف المفرط من النقص، مع الالتزام بحسن التدبير ومراعاة المسؤوليات.
3- توجيه
الموارد نحو النفع، بما يحول الملكية الفردية إلى أثر إنساني واجتماعي ممتد.
4- استحضار
حاجات الآخرين عند التعامل مع المال، بما يعزز التراحم والتكافل داخل المجتمع.
5- ترسيخ القيم
المالية بالممارسة والقدوة، لا بالخطاب المجرد وحده.
6- إعادة تعريف الغنى باعتباره قدرة على امتلاك المال دون الخضوع لسلطانه على القلب والقرار.
الهوامش
- 1 عامر بن عبد قيس.
- 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 15).
- 3 الزهد: أحمد بن حنبل، ص163.
- 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (6/ 386).
- 5 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 351).
- 6 متفق عليه، رواه البخاري (2/ 112/ 1427)، ومسلم (2/ 717/ 1033).
- 7 تنبيه الغافلين: السمرقندي، ص312.
- 8 أخرجه مسلم (2/ 1000/ 12).
- 9 أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3067) بلفظه، والطبراني (10/ 155، 10300)، وصححه الألباني بمجموع طرقه.
- 10 أخرجه البخاري (2/ 112/ 1426).
- 11 متفق عليه، رواه البخاري (7/ 31/ 5200) واللفظ له، ومسلم (3/ 1459/ 1829).
- 12 أخرجه البخاري (4/ 87/ 3129).
- 13 سير أعلام النبلاء: الذهبي (1/ 57).
- 14 شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ابن العماد (1/ 35).
- 15 يُتهم بالبخل.
- 16 الطبقات الكبرى: ابن سعد (5/ 172).
- 17 إحياء علوم الدين: الغزالي (3/ 247).
- 18 المرجع السابق.
- 19 أخرجه البخاري (2/ 112/ 1426).
- 20 أخرجه أحمد في مسنده (41/ 247)، وحسنه شعيب الأرناؤوط.
- 21 أخرجه ابن ماجة (242)، وابن خزيمة (2490)، والبيهقي في «الشعب» (3174) واللفظ لهم، وحسنه الألباني.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً