حين يصنع العلم مكانة الإنسان..

كيف يصنع العلم مكانة الإنسان؟ يحيى بن وثاب مثالاً

أحمد سعد الدين

30 سبتمبر 2026

40

how_knowledge_builds_human_status_yahya_bin_wathab_as_an_example

أورد الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، سيرة التابعي الجليل، والعَلَمِ القرآني الأصيل، الإمام يحيى بن وثَّاب(1)؛ ليرسم لنا لوحةً بديعةً لرجلٍ أدرك سرّ الخلود الحقيقي، فاشترى الباقية بالفانية، واستعاض عن بريق المال والجاه بنور الآيات متلوّةً ومحفوظة، لقد سطر هذا الإمام بصنيعه أروع الأمثلة في تجرد العالِم وسموّ مقصده، تاركاً خلفه إرثاً يبرهن على أن السيادة الحقيقية لا تُورث عبر الأنساب، بل تُكتسب بالصدق والإتقان وملازمة الوحي.

كيف صنع التدرج آية بآية إمام القراء يحيى بن وثاب؟

لم يصل يحيى بن وثاب إلى مكانته العلمية عبر طريق سريع، بل عبر منهج يقوم على التدرج والدقة، فقد أخذ القراءة عن كبار التابعين، وذكر أهل التراجم أنه قرأ على عبيد بن نضيلة صاحب علقمة، وأنه تعلم منه القرآن آية آية.

وهذه العبارة تكشف عن منهج تربوي عميق؛ فالعلم عند أئمة السلف لم يكن جمعًا للمعلومات، بل بناءً متكاملًا يجمع الحفظ والفهم والتأثر والعمل، فالآية لم تكن مجرد وحدة للحفظ، وإنما كانت خطوة في تشكيل شخصية العالم.

وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا) (الإسراء: 106)، ففي التدرج معنى التربية، وفي التأني معنى الرسوخ، ولم يكن هذا المسلك التربوي إلا استلهاماً للهدي النبوي الأصيل؛ فقد تجلى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التأني والتدرج في إيصال العلم لصحابته وتشكيل وعيهم، في الموقف الذي ينقله أنس بن مالك رضي الله عنه، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثاً لتعقل عنه»(2).

فكما كانت الكلمة النبوية تتردد لتستقر في القلوب والعقول، كانت الآية تُتلقى بتؤدة لتصنع إماماً.

لقد أصبح يحيى بن وثاب، بعد سنوات من هذا التعلم المتأني، إمامًا يرجع إليه القراء، وقرأ عليه عدد من كبار الأئمة، مثل الأعمش وطلحة بن مصرف وغيرهما، وهذه الرحلة تعلمنا أن الإنجازات العظيمة غالبًا لا تولد في لحظة الظهور، بل تنمو في سنوات طويلة من التدريب الصامت.

وفي زمن يكثر فيه البحث عن النتائج السريعة، تقدم سيرة يحيى نموذجًا مختلفًا للنجاح؛ فالتميز لا يصنعه المرور السريع على الأشياء، بل التعمق فيها حتى تصبح جزءًا من شخصية الإنسان.

كيف يمنح الخشوع والإتقان القارئ هيبة التأثير؟

لم يكن إعجاب العلماء بيحيى بن وثاب بسبب علمه فقط، بل بسبب اجتماع العلم وحسن الأداء وصدق الصلة بالقرآن، فقد قال الأعمش عنه: «كان يحيى بن وثاب من أحسن الناس قراءة، ربما اشتهيت أن أقبل رأسه من حسن قراءته».

وهذه الشهادة تكشف جانبًا مهمًا من أثر الإتقان؛ فالجودة الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى إعلان عن النفس، لأن أثرها يظهر في الآخرين، وقد وصف الأعمش حال المسجد عند قراءة يحيى فقال: «وكان إذا قرأ لا تسمع في المسجد حركة، كأن ليس في المسجد أحد».

إن هذا التأثير لم يكن نتيجة الصوت وحده، بل نتيجة اجتماع عناصر متعددة: علم صحيح، وخشوع ظاهر، وتعظيم لكلام الله، وحضور قلب، فالإنسان قد يمتلك مهارة، لكن المهارة إذا انفصلت عن المعنى أصبحت أداءً خارجيًا، أما حين ترتبط بالإيمان تصبح مصدر تأثير وبناء، وهذا السمت الفريد الذي يمزج بين إجلال المهابة وجمال المحبة، إنما هو قبسٌ ممتد من مشكاة النبوة؛ فقد تجلى هذا المعنى بأكمل صوره في هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأثيره العميق الذي كان يجمع بين الجلال والجمال، إذ يُروى في وصفه أنه «من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه»(3)، مما يعكس الأثر البالغ للصلة الصادقة بالله والخشوع الذي يكسو صاحبه هيبةً ومحبةً وتأثيراً طاغياً في النفوس.

وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، فالعلم الذي لا يثمر خشية يبقى ناقص الأثر، أما العلم الذي يغير القلب فإنه يصنع صاحبه قبل أن يصنع جمهوره.

ما معنى كآبة الصلاة في أثر السلف؟

لم تكن حياة يحيى بن وثاب العلمية منفصلة عن حياته التعبدية، بل كان القرآن الذي أتقن قراءته حاضرًا في سلوكه وخلواته، فقد نقل الأعمش أنه كان إذا رآه جاثيًا في العبادة تذكر موقف الحساب، ووصفه حميد بن عبد الرحمن بأنه كان إذا قضى صلاته مكث مليًا تظهر عليه «كآبة الصلاة».

وهذه الصورة تعكس معنى حضور القلب؛ فالصلاة عند هؤلاء لم تكن عادة تؤدى، بل موقفًا يقف فيه الإنسان بين يدي الله مستشعرًا مسؤوليته وحاجته إلى الرحمة.

 ولم يكن يحيى في مقامه هذا بدعاً من القوم، بل كان امتداداً لحال السلف الصالح الذين زلزلهم استشعار عظمة الوقوف بين يدي الله فأورثهم حزناً وبكاءً وخشوعاً؛ مصداقاً لما نقله محارب بن دثار في وصفه لهذا الجلال حين قال: «صليت خلف عمر فسمعت حنينه من وراء ثلاثة صفوف»(4).

وهذا الانكسار بين يدي الخالق قريب من وصف الله لأهل الإيمان: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) (المؤمنون: 60)، فالمؤمن العامل لا يعتمد على عمله، بل يبقى بين الخوف والرجاء.

ومن هنا نفهم سر اجتماع العلم والهيبة في شخصية يحيى؛ فلم يكن قارئًا مشهورًا فحسب، بل كان إنسانًا يحمل أثر ما يقرأ.

لماذا استثنى الحجاج يحيى وثاب من قراراته؟

عاش يحيى بن وثاب في مجتمع شهد تحولات سياسية واجتماعية كبيرة، وكان للقبيلة والنسب حضور مؤثر في بعض جوانب الحياة العامة، ومع ذلك استطاع أن يفرض مكانته العلمية حتى اعترف بها أصحاب السلطة.

وقد ذكر أحمد العجلي أن الحجاج بن يوسف أمر ألا يؤم بالكوفة إلا عربي، ثم استثنى يحيى بن وثاب، وهذا الخبر، كما ورد في كتب التراجم، يظهر مكانة الرجل العلمية التي جعلت كفاءته محل اعتبار.

فالعلم في الحضارة الإسلامية كان أحد المسارات الكبرى التي تفتح أبواب المشاركة والتأثير، وقد عرف التاريخ علماء كثيرين من الموالي بلغوا منزلة عالية بسبب علمهم، مثل نافع مولى ابن عمر وعطاء بن أبي رباح، ولم يكن هذا الحضور الطاغي للموالي استثناءً عابراً، بل كان واقعاً أقرّ فيه كبار رجال الدولة بسطوة العلم وكفاءة أصحابه؛ فقد بلغ العجب بالخليفة عبد الملك بن مروان مبلغه حين رأى تصدّر الموالي للفتوى والقيادة في الشام ومكة واليمن وغيرها، فقال: "والله ليسودن الموالي على العرب في هذا البلد حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها"، فأجابه الإمام الزهري مبيناً المعيار الرباني الذي يفرضه العلم: «إنما هو دين؛ من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط»(5).

لماذا يتبع الناس صاحب القدوة قبل المنصب؟

تقدم سيرة يحيى بن وثاب نموذجًا للقيادة الهادئة؛ فلم تكن قوته في منصب إداري أو سلطة سياسية، وإنما في الثقة التي بناها حوله بعلمه وسمته.

كان إمامًا يرجع إليه الناس، ويحظى بتقدير العلماء، ومع ذلك لم يكن يسعى إلى صناعة مكانة اجتماعية مصطنعة؛ فقد جاءت مكانته نتيجة طبيعية لمسيرته الطويلة.

وهذا النوع من القيادة هو الأكثر بقاءً؛ لأن الناس قد يطيعون صاحب المنصب بسبب سلطته، لكنهم يتبعون صاحب القدوة بسبب أثره.

وفي المؤسسات المعاصرة يبقى هذا المعنى حاضرًا؛ فالقائد الحقيقي ليس من يعتمد فقط على المسمى الوظيفي، بل من يمتلك قيمة تجعل الآخرين يثقون به حتى قبل أن يمنح المنصب.

لماذا احتفظت ذرية يحيى بالرئاسة في أصبهان؟

لم تقف آثار يحيى بن وثاب عند شخصه، بل امتدت إلى أسرته ومجتمعه، فقد ذكر الذهبي أن عقب وثاب بقيت لهم رئاسة وجاهة بأصبهان، مما يدل على أن القرارات الكبرى التي يتخذها الأفراد قد تصنع آثارًا تمتد عبر أجيال.

فاختيار يحيى للعلم لم يكن مكسبًا شخصيًا فقط، بل أصبح جزءًا من تاريخ أسرة ومجتمع، وهذا يذكرنا بأن بناء الإنسان هو الخطوة الأولى في بناء الحضارة.

إن المجتمعات القوية تحتاج إلى اجتماع أنواع متعددة من القوة: علم يوجه العقول، وإدارة تنظم المصالح، ومال يعمر المشاريع، لكن العلم يبقى هو العنصر الذي يمنح هذه القوى معناها واتجاهها.

حين يصبح العلم نسبًا جديدًا للإنسان

تظل قصة يحيى بن وثاب مثالًا على قدرة العلم على إعادة تشكيل حياة الإنسان، فقد بدأ من ظروف لم تكن تمنحه أعلى درجات المكانة الاجتماعية، لكنه صنع لنفسه منزلة جعلته من أئمة القراءة وأحد أعلام التابعين.

لقد اختار العلم حين كان المال قريبًا، واختار الصبر حين كان الطريق طويلًا، واختار الإتقان حين كان الظهور ممكنًا بغيره، ولذلك بقي أثره؛ لأن الإنسان قد يغيب جسده، لكن ما يبنيه في العقول والقلوب يستمر.

وسيرة يحيى بن وثاب لا تعلمنا فقط كيف يكون القارئ متقنًا، بل تعلمنا كيف يصنع الإنسان قيمته بنفسه، وكيف يتحول الاختيار الصغير في لحظة حاسمة إلى أثر كبير يمتد عبر التاريخ.

الهوامش
  • 1 يحيى بن وثاب الأسدي الكوفي بالولاء، من كبار أئمة التابعين وثقاتهم، اشتهر بإمامة القراءة فكان شيخ القراء بالكوفة في زمانه، كما عُرف برواية الحديث وكثرة العبادة والزهد، سكن الكوفة طيلة حياته، وبها توفي سنة 103هـ.
  • 2 تاريخ مدينة دمشق، ج4، ص9.
  • 3 سيرة رسول الله المعروفة بسيرة ابن هشام، ج1، ص14.
  • 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج1، ص30.
  • 5 سير أعلام النبلاء، ج5، ص85.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة