العنوان محاذير في طريق القدوات
الكاتب عبدالله عبدالرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993
مشاهدات 12
نشر في العدد 1061
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 10-أغسطس-1993
المسلم القدوة هو ذاك الرجل المتقد الإيمان، ذو الأخلاق الحسنة، المبرز في عمل الصلاح والخير، والمقدم على خدمة الناس وجلب النفع لهم. فهو إنسان ملحوظ عليه التقدم والارتقاء، فإذا ما عاشرته وجدت أن يومه أحسن وأفضل من أمسه. وهذه الصفة -صفة الارتقاء- أمر مطلوب لكل من نصب نفسه قدوة يُقتدى به في مجتمعه ويتأثرون به.
وإنك للأسف تجد أن بعض من دخل جديدًا
في الالتزام يكون شعلة في الحق ذا همة عالية وحماسة جياشة، لا يرضى بالدون ولا
بالحال الذي هو عليه.. حتى إن المجتمع من حوله يلحظ عليه تقدمًا وتغيرًا سريعين..
وهذا كله أمر محمود..
ولكن ما إن تتوالى الأيام ويصبح
الرجل منغمسًا في التزامه تنطفئ شعلته، يعيش حياة رتيبة مستقرة لا ترى فيها نشاطًا
وإقدامًا ولا تأثرًا وتأثيرًا.. فكأنه يوحي للناس من حوله أن شعلته السابقة كانت
شعلة حماس وعاطفة مؤقتة.. وأنه الآن قد وصل إلى المرحلة النهائية في التزامه..
ولكن لا يرى ذلك الرجل أن
العبرة بالخواتيم.. وأن من كانت همته عالية ونيته صالحة استمر في التقدم والرقي
دونما توقف.. ومن كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة... ومن كان دائم العطاء
والبذل صار الناس يتأثرون به ويلحقون بركبه دون عناء ولا تعب.. وإنما التأثير
بالأعمال أكثر من الكلام.. وبالحال قبل المقال.
وتلاحظ أحيانًا في بعض «القدوات»
إذا ما خالطته.. يتعالى عليك ويرتفع.. ويشعرك أنه أعلى منك قدرًا.. وذلك لعجبه
بنفسه لأنه أسبق منك التزامًا أو أحفظ منك قرآنًا.. وهذا على سبيل المثال، فدائمًا
ينشئ حاجزًا من التعالي والعظمة عليك.. وأن غيره من غير الملتزمين أدنى منه..
فيحتقرهم وينظر إليهم نظرة التكبر والاحتقار..
والواجب على أهل الالتزام أن
يعتزوا بما هم عليه دون كبر وأن يتواضعوا ويلينوا الجانب لمن هم دونهم من عامة
الناس دون ذلة ومهانة.. وأن ينظروا بمنظار الشفقة والرحمة والعطف عليهم.. فيدفعهم
ذلك إلى ترك كل حظ من حظوظ النفس وحظوظ الدنيا في سبيل نقل فكرة الالتزام الصحيحة
للغير.
وفي المقابل، فإنك إذا جلست مع
بعض «القدوات» وأخذت تتحدث معه، فإنك تلحظ من كلامه انتصارًا للنفس ولا ترى لكلامه
أي قيمة ولا أدنى نفع.. وإذا ما خالطته وعاشرته وتعرفت عليه، فإنك لا ترى في حياته
أي معنى من معاني الإسلام الجميلة ولا أي تميز في الأخلاق والأدب، بل تجد الأثرة
وحب الذات، وتجد التصرف والسلوك اللامسؤول.
كما تلحظ من بعضهم عدم مبالاة،
فلا يهتم بإرجاع حقوق الآخرين أو الالتزام بالمواعيد، وتلحظ منه أنه إذا عمل عملًا
فإنه لا يكمله ويؤديه بأدنى جهد، دون اهتمام أو إتقان، وتلحظ منه الجفاء الدائم
دون أي معنى للحب والود والوئام.
وتلحظ التحيز والانطواء دون
مخالطة للناس، والخجل دون الجرأة في الحق، والشعور بالذلة دون العزة وعدم الثقة
بالنفس وبالفكرة التي يحملها، فهو مهزوز الشخصية، لا يدرك أهمية عطائه وبذله
للمجتمع ولا يدرك أن مجتمعه والناس حوله يحتاجون إلى تضحية منه وإلى كبير اهتمام،
وأن عليه ترك الدعة والراحة وأن تكون مطالبه عالية، لا ينظر إلا بمنظار إسلامي ساعيًا
إلى تجريد نفسه من كل حظ نفسي أو دنيء.
فهذا الإمام ابن تيمية يعاتب
الإمام ابن القيم لاشتغاله بشيء من المباح، وأنه ينافي المراتب العالية. وأنه إذا
اشتغل هو بالمباح فإن ما دونه من الناس سوف يشتغلون بالمحرمات من باب أولى.
فما أجمل الإنسان المسلم القدوة
حين يسعى للارتقاء بنفسه مع تواضع وشعور بالتقصير، وأن يكون نصب عينيه الاهتمام
بغيره من المسلمين لجلب عزة النفس بعزة الإسلام.
اقرأ أيضًا
العمل الجماعي ضرورة لازمة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل