حِكَم تبني الإنسان من داخله

أبو جعفر الباقر.. كيف يُفسد الكِبْرُ العقلَ ويحفظ الذكرُ القلبَ؟

رجل يسبح الله ويذكره وهو يبدوا عليه الخشوع والسكينه

يذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا يقول: أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُهُوَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ(1)، أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ.

عَنْ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: قَالَ: مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ مِنَ الْكِبَرِ شَيْءٌ إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِقْدَارَ ذَلِكَ.

وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: الصَّوَاعِقُ تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ وَغَيْرَ الْمُؤْمِنِ، وَلَا تُصِيبُ الذَّاكِرَ.

وَعَنْهُ قَالَ: سِلَاحُ اللِّئَامِ قُبْحُ الْكَلَامِ(2).

تُمثّل الحِكَم المأثورة عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر جانباً عميقاً من شخصية العالم المربّي الذي لا يقف عند حدود تقرير الأحكام الظاهرة أو الاكتفاء بنقل المأثورات، بل يغوص في أعماق النفس البشرية، ويستكنه العلاقات الدقيقة بين منظومة الأخلاق وطريقة التفكير المعرفي، وبين اتصال العبد بربه وقدرته على مواجهة التقلبات والحوادث.

ففي كلمات قصيرة جامعة، يرسُم الإمام الباقر ثلاثة قوانين إنسانية مترابطة تُشكّل منظومة سلوكية وفكرية متكاملة؛ حيث ينصّ المأثور عنه على الآتي:

- عن عمر مولى غفرة، عن محمد بن علي قال: «ما دخل قلب امرئ من الكبر شيء إلا نقص من عقله مقدار ذلك».

- وعن أبي جعفر قال: «الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن، ولا تصيب الذاكر».

- وعنه قال: «سلاح اللئام قبح الكلام».

تُبيّن هذه النصوص الثلاثة أن مدرسة العلم والتربية لم تكن مجرد تراكم للمعلومات أو حفظ للنصوص الشريفة، بل كانت عملية بناء شاملة للإنسان من داخله، فالعقل يُصاب بالخلل حين يغزو الكبرُ والغرورُ جنبات القلب، والقلب يجد حصانته وثباته المستمر في عمق الذكر والتسبيح، واللسان يكشف الاستقامة الأخلاقية أو يعكس الفقر المعرفي والسلوكي حين يتذرع بالرديء والقبيح من القول.

كيف يحجب الغرور العقل عن رؤية الحقائق؟

تُقدّم عبارة الباقر: «ما دخل قلب امرئ من الكبر شيء إلا نقص من عقله مقدار ذلك» قراءة تحليلية بليغة للعلاقة المتينة بين الأخلاق الباطنة وآليات الإدراك العقلاني، فهي لا تجعل الكبر مجرد زلة سلوكية مجردة، بل تراه معطلاً حقيقياً لقدرة العقل على معالجة الواقع ورؤية الحقائق.

إن العقل السليم كي يعمل بكفاءة وحيادية يحتاج إلى أدوات أساسية؛ منها القدرة على مراجعة الذات، وتأمل الرأي المخالف، والاعتراف بالخطأ، والإذعان للبرهان الصادق، لكن المتكبر يُصاب بخلل وظيفي في تفكيره؛ لأنه ينطلق دائمًا من مركزية تعظيم الأنا، ثم يُسخّر معارفه لتفسير الواقع بما يخدم هذا الشعور، فهو لا يبحث عن الصواب لمجرد كونه صواباً، بل ينشغل بسؤال دائم: كيف أحافظ على صورتي ومكانتي وأتفوق على الآخرين؟ وهنا يقتطع الكبر جزءاً كبيراً من طاقة العقل واستيعابه؛ لأن الفكر يصير مشغوفاً بحراسة الغرور بدل البحث عن الحقيقة.

ويظهر هذا المعنى جلياً في موقف أبي جهل بن هشام، حين سأله الأخنس بن شريق عن رأيه الحقيقي فيما سمعه من النبي، فأعرب صراحة عن أن التنافس القبلي والكبر هما الحائلان بينه وبين الاتباع، فقال: «تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف؛ أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه! والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه»(3)، كما يظهر في قول مجاهد بن جبر: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر»(4)، وفي قول عبدالله بن مسعود: «الكِبْرُ سَفَهُ الحَقِّ، وازدراءُ الناسِ»(5).

وهذا التداعي النفسي يُفسّر الاقتران الوثيق بين الكبر والعمى المعرفي، وهو ما يتقاطع مع قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (الأعراف:146)؛ إذ إن الاستكبار يضع حجاباً كثيفاً يمنع النفس من الانتفاع بالنور والهدى.

كيف يمنع الكبر المتعلم من الانتفاع بعلمه؟

قد يختزن الإنسان قدراً هائلاً من المعارف والعلوم، لكنه إذا فقد خُلُق التواضع عجز عن الانتفاع الحقيقي بما يعلم، ولهذا جاءت صياغة الحكمة عند الإمام الباقر في غاية الدقة؛ إذ لم يربط الكبر بنقص المعلومات المخزنة، بل بنقص العقل ذاته، والفرق جوهري بين الأمرين؛ فالمعلومات آلات جافة يمكن جمعها وحفظها، أما العقل والحكمة فيحتاجان إلى أرضية نفسية مهيأة للقبول والمراجعة والتزكية.

إن التواضع هو الشرارة التي تُحيي المعرفة وتحولها إلى بصيرة نافعة؛ ولذا كان أئمة العلم يقرنون التحصيل بالتواضع لله وللخلق، فالمعرفة التي تُغذّي الاستكبار والتعالي تُحوّل صاحبها إلى أسير لمعارفه السابقة، وتجعله يتوهم العصمة والكمال، فينسدّ أمامه باب النمو والتعلم المستمر.

ويتجلى هذا المعنى في موقف عبد الله بن عباس في طلب العلم والتواضع لعلماء الصحابة، حيث كان يذهب إلى أبوابهم ويتوسد رداءه فيتسافى عليه التراب تأدباً وتواضعاً حتى يخرج العالم فيعلمه، فصار بذلك حبر الأمة وأعلمها، كما يتضح في منهج الإمام الشافعي وتواضعه في المناظرة وقبول الحق حيث قال: «ما كلمت أحداً قط إلا وددت أن يكون الحق معه، أو يظهر الله الحق على لسانه»(6)، وكذلك في قول سفيان الثوري: «إِنَّمَا يُطْلَبُ الْحَدِيثُ لِيُتَّقَى اللَّهُ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ فُضِّلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ»(7)، وفي الحديث الشريف المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»(8).

وهكذا يتبين أن التواضع ليس مجرد فضيلة أخلاقية ثانوية، بل هو شرط بنيوي لسلامة الفكر وشرط أساسي لنمو العقل وتجدده.

لماذا لا تصيب صاعقة الانهيار قلب الذاكر؟

يقول الإمام الباقر: «الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن، ولا تصيب الذاكر»، تحمل هذه العبارة أبعاداً إيمانية ونفسية عميقة في فهم طبيعة الابتلاءات واستجابة النفس البشرية لها.

فالشطر الأول يُقرّر قاعدة كونية مطردة؛ وهي أن النائبات والمصائب البدنية والمادية تقع على البشر جميعاً وفق سنن الله في الخلق، فالإيمان لا يعزل الإنسان عن طبائع الحياة الكونية، ولا يعنيه أنه لن يمرض أو يفقد عزيزاً أو يواجه الحوادث والأزمات الخارجية.

أما الشطر الثاني فيرتقي بالمعنى إلى الرسوخ الداخلي؛ فالذاكر لله لا يستقبل المصيبة بالطريقة الهشة التي يستقبلها بها الغافل، إن الذكر يُشيّد في الباطن مرجعاً روحياً مكتملاً وحصناً متيناً يلجأ إليه العبد عند اضطراب الظروف، فقد تقع الصاعقة الخارجية على البدن والمحيط، لكن صاعقة الانهيار الداخلي والهلع والجزع لا تتمكن من قلب استقر فيه ذكر الله والاطمئنان بفرجه.

ويتجسد هذا المعنى في ثبات النبي صلى الله عليه وسلم والقلب المتصل بالله في أحلك المواقف والمعارك، كما رواه علي بن أبي طالب بقوله: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً»(9)، كما يظهر في موقف الصحابي أسيد بن حضير وملازمته للذكر والتلاوة التي كانت تنزل معها السكينة، فتصنع لديه صلابة وشكيمة في مواجهة الأزمات، وفي قول الحسن البصري: « إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأَسَاءَ الْعَمَلَ»(10).

وهذا التماسك الباطني هو جوهر التنزيل في قوله تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)؛ حيث يصير الذكر طاقة إيمانية تمد العقل والنفس بالطمأنينة واليقين.

بين الحماية من البلاء والحماية من أثر البلاء

يتيح تتّبع حكمة الصواعق فهم المعنى على مستويات متعددة تُكمّل بعضها بعضاً، فقد يحملها بعض أهل العلم على معنى الحفظ والوقاية الخاصة التي يختص الله بها بعض عباده الذاكرين من بعض الآفات الحسية بإذنه ورحمته.

ولكن القراءة الأعمق والأوسع تتجه إلى حماية الباطن من آثاره المدمرة، فالبلاء المادي قد ينزل بالجسد أو المال أو الأهل، ولكن الذكر الحقيقي يمنع المصيبة من اختراق الروح وسحق السكينة الإيمانية، إن الفرق بين شخصين يمران بالمحنة عينها ليس في الشدة الخارجية للحدث، بل في البناء النفسي والإيماني الذي يستقبل هذا الحدث.

ويتضح هذا التفريق البليغ في موقف التابعي عروة بن الزبير حين قُطعت رجله ومات ابنه في ليلة واحدة، فما تسخط ولا انكسر داخلياً بل قال: « الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدًا وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت »، كما يتجلى في الحديث النبوي الشريف عند وفاة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «تَدمَعُ العينُ، ويَحزنُ القلبُ، ولا نقولُ إلا ما يَرضَى رَبُّنَا، إنا بكَ يا إبراهيم لمحزونونَ»(11)، وكذلك في موقف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل في طاعون عمواس؛ إذ وقع البلاء الجسدي، لكن الاستقبال القلبي كان استبشاراً ورضاً بالقدر.

إن الإيمان لا يلغي الحزن البشري الطبيعي، ولكنه يحمي العبد من الوقوع في السخط والانهيار، مما يجعل الذكر درعاً حصيناً لحماية الروح من صواعق الفزع.

هل الحفظ بالذكر حسيٌّ أم ثباتٌ نفسي؟

يقول الإمام الباقر: «سلاح اللئام قبح الكلام»، تكشف هذه الحكمة عن دراية ثاقبة بدوافع الخصومات ومستويات السلوك الإنساني عند المواجهة.

إن الإنسان الذي يمتلك قوة البرهان ووضوح الحجة لا يحتاج إلى استخدام الفحش أو البذاءة؛ لأن قوة منطقه تكفيه للإقناع والبيان، أما من يفتقر إلى الدليل ويشعر بالضعف والانكسار الفكري، فإنه يعمد إلى السباب والتجريح والإهانة ليعوض هذا النقص الداخلي، وليحرف اتجاه النقاش من اختبار الأفكار إلى الشتم المهين.

ولهذا وصفت الحكمة هذا السلوك بأنه «سلاح»، لأنه يُستخدم كأداة للهجوم والتشتيت وجر المقابل إلى مساحة هابطة لا تليق بأصحاب العقول، فاللئيم يجعل قبح القول درعاً يستتر خلفه وسيفاً يشهر بوجه الحق.

ويتأكد هذا المعنى في موقف الأحنف بن قيس في الحلم والتسامي عن سفاهة القول، حين تبعه رجل يسبه فلم يرد عليه، وقال: «إِنْ كَانَ عِنْدَكَ شَيْءٌ آخَرُ فَقُلْ; لِئَلَّا يَسْمَعَكَ قَوْمِي فَيُؤْذُوك»(12)، وقيل لرجل مرة: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً، فقال: «لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة»(13)، كما يتضح في لجوء كفار قريش إلى رمي النبي بالألقاب القبيحة والاتهامات الباطلة كقولهم ساحر ومجنون وشاعر، لمّا عجزوا عن معارضة البيان القرآني وحجته القاطعة.

وهذا الترفع السامي هو ما جسّده القرآن الكريم في وصف عباد الرحمن في قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: 63)؛ حيث يُعتبر ضبط اللسان وحفظ الهيبة دليلاً على اكتمال النفس ورجاحة العقل.

كيف حول الباقر ناقل العلم إلى مربٍّ للنفوس؟

تُظهر الكلمات المأثورة عن الإمام الباقر عبقرية خاصة في قراءة دوافع الإنسان؛ فهو لا يتوقف عند ظواهر الأفعال والأقوال، بل يغوص للوصول إلى الجذور النفسية التي تُنتج تلك التصرفات.

فالخصومة البشعة لها أصل نفسي يكمن في اللؤم وضعف الحجة، والغرور له انعكاس معرفي يتمثل في نقصان العقل، والذكر له أثر وجداني يتجسد في الثبات والسكينة، وهذا المنهج هو ما يُميّز العالم المربي عن مجرد الناقل للمعارف؛ إذ إن العلم الذي لا يفسر التحولات النفسية للإنسان ولا يعينه على إصلاح باطنه يظل علمًا محدود الأثر ضعيف الجدوى.

ويظهر هذا المنهج التربوي في موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع فضالة بن عمير الليثي، الذي جاء يضمر قتل النبي وهو يطوف بالبيت، فقرأ النبي خبايا نفسه وابتسم وسأله: «ماذا كنت تحدث به نفسك؟»(14)، ثم وضع يده المباركة على صدره ودعا له، فخرج فضالة وهو يقول إنه ما من خلق الله أحد أحب إليه منه، كما يتضح في موقف النبي مع الأنصار يوم حنين لمّا وجدوا في أنفسهم من قسمة الغنائم، فخاطب مكنون نفوسهم وشفقته عليهم حتى بَكَوْا وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً، وفي قول عبد الله بن المبارك: «رُبَّ عملٍ صغير تُكثِّره النية، ورُبَّ عملٍ كبير تُصغِّره النية»(15).

إن النفاذ إلى دوافع السلوك يُشخّص العلة الحقيقية، ويجعل التوجيه المعرفي والأخلاقي علاجاً ناجعاً يستأصل الداء من جذوره.

كيف تعالج حكم الباقر أزمات التواصل الحديثة؟

تكتسب هذه الحكم الباقرية حيوية متجددة وتطابقاً شديداً مع تفاصيل الواقع المعاصر الذي يعيشه إنسان اليوم.

فالكبر يتجسد في المشهد المعاصر في صور متعددة؛ كرفض الاعتذار، والاستكبار عن قبول النقد البناء، والنظر بإنكاس وازدراء إلى جهود الآخرين، وقبح الكلام يزداد انتشاره في منصات التواصل وفضاءات النقاش العام، حيث يعجز الكثيرون عن تفكيك الأفكار والآراء بالمنطق والبرهان، فينتقلون فوراً إلى الشخصنة والسباب والتشويه اللفظي، والغفلة تظهر جلياً في الأزمات والضغوط الحديثة حين يفقد الإنسان توازنه النفسي والروحي؛ لأنه لم يبنِ في داخله صلة وثيقة ومستمرة بالذكر واليقين.

ويرتبط هذا الطرح فيما أورده أبو بكر البيهقي بناء استقرار الإنسان: «إنك لا تقدر أن ترضي الناس كلهم، فأصلح ما بينك وبين الله، فإذا أصلحت ما بينك وبين الله، فلا تبال بالناس».

ومن هنا تبدو حكم الإمام الباقر عابرة للأزمنة؛ لأنها لا تعالج وقائع تاريخية منقضية، بل تضع اليد على الطبيعة الإنسانية الثابتة وتحلل مكوناتها النفسية والسلوكية.

كيف نحدد الدلالات العلمية الدقيقة للتوجيهات التزكوية؟

تقتضي المنهجية التحليلية الدقيقة صيانة النصوص والحكم وتحديد أبعادها المعرفية دون تحميلها ما لا تحتمل من الدلالات.

ففي مقولة الكبر والعقل، يجب فهم النقص المذكور باعتباره تراجعاً في كفاءة التفكير الجاد وتأثراً بالأهواء النفسية والتعصب للذات، وليس بالضرورة نقصاً في الذكاء الفطري أو القدرات الذهنية المجرّدة، وفي مقولة الصواعق والذاكر، تتعدد وجوه الفهم بين من يحملها على الحفظ الحسي للبدن بإذن الله، ومن يراها متوجهة إلى حفظ القلب من صواعق الجزع والانهيار، أما حكمة «سلاح اللئام قبح الكلام» فهي قاعدة أخلاقية واجتماعية تصف نمطاً سلوكياً مكرراً في أدبيات الخصومة الإنسانية.

ويستند هذا الانضباط الدلالي إلى منهج أئمة التحقيق؛ كقول الإمام مالك بن أنس: «الْحِكْمَةُ وَالْعِلْمُ نُورٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ»(16)، وموقف القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق في التحري والتثبت والوقوف عند حدود المعرفة بقوله عند المسائل: «يا أهل العراق، إنا والله ما نعلم كل الذي تسألونا عنه ولئن يعيش المرء جاهلًا إلا أنه يعرف ما افترضي الله عز وجل عليه خير له من أن يقول على الله عز وجل ما لا يعلم»(17)، مؤكداً أن التثبت والوقوف عند حدود الدليل أصل العلم وصيانته.

وهكذا يُبيّن النظر المحقق أن التنوع في أوجُه الفهم لا يمس أصل المعنى الرخيم؛ وهو أن صلاح الباطن وطهارة السريرة هما الجسر الأساسي لجودة العقل وحسن التعامل مع مجريات الحياة.

تُقدّم هذه الحكم الثلاث صياغة مكثفة وشاملة لمنهج الإمام أبي جعفر الباقر في بناء الشخصية الإنسانية المتزنة؛ حيث ركزت الزاوية الأساسية لهذا الطرح على إثبات التكامل العضوي بين صلاح الباطن وسلامة الفكر وحسن السلوك، فالإنسان في حقيقته يحتاج إلى تواضع يزكي عقله ويحميه من العمى المعرفي، وذكر دائم يحرس قلبه من السقوط والانهيار أمام صدمات الحياة، ولسان متزن يترفع عن السفاهة ليحفظ كرامته ومكانته، فالكبر لا يرفع قدر صاحبه بل يحجبه عن رؤية الحقائق، والذكر لا يعزل المرء عن واقع الحياة بل يمنحه ثباتاً راسخاً في مواجهتها، والكلمة الطيبة والنزهة اللسانية ليست مجرد أدب ظاهري بل علامة ناصعة على قوة النفس وامتلاك زمامها، وبذلك تتحول الكلمات المأثورة من مجرد حكم موجزة إلى منهج تربوي وفكري متكامل لصناعة الإنسان الرشيد.

الهوامش
  • 1 أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، ولد بالمدينة المنورة سنة 56هـ، وهو تابعي جليل ومن كبار أئمة آل البيت وكبار فقهاء المدينة، اشتهر بالفقه والحديث والعبادة وسعة العلم حتى لُقّب بالباقر لتبحره فيه، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 114هـ ودفن بالبقيع.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 402).
  • 3 سيرة ابن إسحاق، ص190.
  • 4 صحيح البخاري (1/ 38/ 129).
  • 5 تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 289).
  • 6 التذكرة الحمدونية (1/ 211-212/ 498).
  • 7 جامع بيان العلم وفضله (1/ 663/ 1152).
  • 8 الزهد لوكيع، ص465 (214)
  • 9 المصنف، ابن أبي شيبة (18/ 227/ 34798).
  • 10 المرجع السابق (7/ 187/ 35191).
  • 11 سنن أبي داود (5/ 45/ 3127).
  • 12 البداية والنهاية (12/ 171).
  • 13 عيون الأخبار (1/ 399).
  • 14 شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (3/ 460).
  • 15 جامع العلوم والحكم (1/ 69/ 1).
  • 16 كتاب جامع بيان العلم وفضله (1/ 83).
  • 17 الجامع في الجرح والتعديل (2/ 378).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة