فقه التعليم ومراعاة عقول المتلقين..

كيف نصون العلم من الضياع؟ عكرمة يوضح ثمن العلم

رسم توضيحي يجسد منهج عكرمة مولى ابن عباس في الطريق إلى حماية العلم من الضياع

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَنْ أَرْطَاةَ بنِ أَبِي أَرْطَاةَ: أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يُحَدِّثُ القَوْمَ، وَفِيْهِم سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُ، فَقَالَ: إِنَّ لِلْعِلْمِ ثَمَناً، فَأَعْطُوْهُ ثَمَنَهُ، قَالُوا: وَمَا ثَمَنُهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: أَنْ تَضَعَهُ عِنْدَ مَنْ يُحْسِنُ حِفْظَهُ وَلَا يُضَيِّعُهُ(1).

عبارة قصيرة قالها عكرمة مولى ابن عباس في مجلس يضم سعيد بن جبير وغيره، لكنها تختصر قضية كبرى في تاريخ المعرفة الإسلامية: العلم ليس مجرد معلومات تنتقل من فم إلى أذن، وإنما أمانة تحتاج إلى من يحملها ويحفظها ويؤديها كما تلقاها.

غير أن قول عكرمة لا ينبغي أن يفهم على أنه دعوة إلى احتكار العلم أو حجب الهدى عن الناس؛ فالنصوص الشرعية جاءت بالأمر بالبيان والبلاغ، وحذرت من كتمان العلم المحتاج إليه، وإنما المقصود معنى أدق: أن للعلم مراتب، وأن من الحكمة أن يراعى في التعليم استعداد المتلقي وأمانته وقدرته على الحفظ والفهم، وأن دقائق العلم لا توضع حيث تكون عرضة للتحريف أو العبث.

لماذا لا يقاس ثمن العلم ببذل المال؟

بدأ عكرمة بجملة تستوقف السامع: «إن للعلم ثمنًا، فأعطوه ثمنه»، والذهن يتجه لأول وهلة إلى المال، لكنه قلب المعنى كله حين جعل الثمن: «أن تضعه عند من يحسن حفظه ولا يضيعه»، فثمن العلم هنا ليس ما يدفعه المتعلم إلى المعلم، وإنما ما يقدمه حامل العلم للمعرفة نفسها: الحفظ، والرعاية، والأمانة.

وهذا المعنى قريب من أصل نبوي عظيم في نقل السنة؛ فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لحامل الحديث فقال: «‌نَضَّرَ ‌اللَّهُ ‌امْرَأً ‌سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»(2).

فالحديث لا يحتفي بمجرد السماع؛ بل ينتقل من السماع إلى الضبط، ومن الضبط إلى البلاغ الأمين، ولذلك كان رجال الحديث يسألون عن الحفظ كما يسألون عن العدالة، لأن الخطأ في نقل المعرفة ليس شأنًا شخصيًا ينتهي بصاحبه؛ فقد تمتد آثاره إلى أجيال بعده.

وفي عصر تتضاعف فيه المعلومات كل لحظة، يصبح هذا المعنى أشد حضورًا، ليست المشكلة اليوم ندرة الوصول إلى المعرفة بقدر ما هي القدرة على التمييز بين تلقيها واستهلاكها؛ فقد يقرأ الإنسان كثيرًا، ويحفظ قليلًا، ويفهم أقل، ثم يتصدر للنقل والتعليم، ومقولة عكرمة تعيد ترتيب المعادلة: قيمة العلم لا تظهر في كثرة ما مر عليك، بل في مقدار ما أحسنت حفظه وفهمه وأداءه.

لماذا تتفاوت عقول الناس في حمل المعرفة؟

يقارب كلام عكرمة كلمة مشهورة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد: «القلوب أوعية، فخيرها أوعاها»، ثم ذكر أصناف الناس، وقال وهو يشير إلى صدره: إن فيه علمًا يتمنى أن يجد له حملة أمناء(3).

والتشابه بين العبارتين واضح: عكرمة يبحث عن الذي «يحسن حفظه»، وعلي يتطلع إلى «حملة» للعلم، لكن الحفظ في ثقافة السلف أوسع من قدرة الذاكرة المجردة؛ فرب إنسان يحفظ النص ولا يحفظ حدوده، أو يضبط العبارة ثم يضعها في غير موضعها، ومن هنا كان الوعاء الجدير بالعلم محتاجًا إلى أمانتين؛ أمانة الضبط، وأمانة الاستعمال.

وهذا يفسر جانبًا من عناية العلماء بأخلاق الطالب قبل كثرة معلوماته، فالمعرفة الشرعية تمنح صاحبها قدرة على التأثير في التصورات والأحكام والسلوك، وكلما عظم أثر المعرفة عظم واجب الأمانة فيها.

والأمر نفسه يظهر خارج مجال العلم الشرعي؛ فالمربي لا يعطي المسؤوليات الحساسة لمن لا يحسن حملها، والمؤسسة لا تضع أسرارها وقراراتها الدقيقة عند من لا يحفظها، والمعلم الخبير يعرف أن الطلاب يتفاوتون في استعدادهم لما يلقيه إليهم، ليس ذلك ازدراء لأحد، وإنما وضع للأمانة في الموضع الذي يحفظها.

ضوابط مراعاة عقول المخاطبين في الخطاب الدعوي

ليس كل ما يصح أن يقال لعالم متخصص مناسبًا أن يلقى بالطريقة نفسها لعامة الناس؛ ولهذا قال عليّ رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟»(4)، وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»(5).

هذان الأثران يفتحان جانبًا مهمًا في فهم كلمة عكرمة، فصيانة العلم ليست فقط في اختيار إنسان صادق يحفظ ألفاظه، بل كذلك في مراعاة قدرة المخاطب على فهم المراد.

وقد تكون المعلومة صحيحة في ذاتها، لكن عرضها بلا مقدمات، أو إخراجها من سياقها، أو إلقاءها إلى من لا يملك أدوات فهمها، بابًا إلى الالتباس لا إلى الهداية.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الداعية والمعلم وصانع المحتوى المعاصر، فنجاحه ليس في أن يعرض أعقد ما يعرف ليثبت اتساع معرفته، بل أن يعرف ماذا يحتاج إليه جمهوره الآن، وبأي ترتيب، وبأي لغة، فاختيار مستوى الخطاب جزء من العلم، لا تنازل عنه.

الفرق بين صيانة العلم وكتمانه عن الناس

هنا يلزم ضبط المعنى حتى لا تتحول حكمة عكرمة إلى ما لم يرده الشرع، فالنبي صلى الله عليه وسلم توعد من يكتم العلم الذي يحتاج الناس إلى بيانه، وجاء عنه: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»(6)، فالقاعدة ليست: لا تعلم إلا النخبة، وإنما يجتمع في الشريعة أصلان: وجوب البيان حين يجب البيان، والحكمة في اختيار ما يناسب المتلقي وطريقة عرضه عليه.

وقد جمع الإمام البخاري المعنى الثاني في ترجمة بابه: «من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا»، وأورد فيه قصة معاذ رضي الله عنه حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بفضل عظيم من فضائل التوحيد، فلما أراد أن يبشر الناس قال له: «لا تبشرهم فيتكلوا»(7)، خشية أن يفهم بعضهم الوعد على وجه يفضي إلى التقصير في العمل.

فليست المسألة إذن نخبوية معرفية تجعل العالم مالكًا للعلم يمنحه لمن يشاء ويحجبه عمن يشاء؛ إنما هي فقه مآلات، وفقه تعليم، ومعرفة بما يصلح لكل مقام.

وفي عالم المنصات المفتوحة تزداد الحاجة إلى هذا الميزان؛ لأن المادة التي كانت تقال قديمًا لعشرة طلاب مؤهلين يمكن أن يسمعها اليوم مئات الآلاف مقتطعة من سياقها، ومن هنا يصبح حسن الترتيب والشرح والتحرير جزءًا من الأمانة العلمية نفسها.

خطورة اقتران الذكاء المعرفي بضعف النزاهة الأخلاقية

اختار عكرمة فعلًا واسع الدلالة: «ولا يضيعه»، وقد يكون أول ما يتبادر إلى الذهن ضياع العلم بالنسيان، لكن الإضاعة أوسع من ذلك، يضيع العلم حين لا يضبط، ويضيع حين ينقل مشوهًا، ويضيع حين يستعمل في غير مقصده، ويضيع حين يتحول إلى وسيلة للمباهاة والمخاصمة بدل الهداية والعمل.

وفي وصية عليّ لكميل تحذير من صورة أخطر: المتعلم الذكي الذي لا يؤتمن على ما تعلم، فيستخدم المعرفة لمآربه، ولهذا قال في وصف أحد الأصناف إنه قد يكون «لقنًا غير مأمون عليه»، ثم ذكر استعمال العلم في غير مقصده(8).

فالقابلية الذهنية وحدها ليست كافية لحمل العلم، ربما كان الإنسان سريع الفهم، قوي الحفظ، لكنه يفتقد النزاهة، فتكون معرفته أداة تضخّم الخطأ بدل أن تصلحه.

وهذه قاعدة تتجاوز مجال التعليم إلى الإدارة والإعلام والبحث العلمي: الكفاءة بلا أمانة خطر، والأمانة بلا كفاءة عجز؛ وحفظ الموارد الكبيرة يحتاج إلى اجتماعهما.

ولهذا فإن «من يحسن حفظه» في عبارة عكرمة ليس مجرد ذاكرة بشرية قوية، بل شخصية يطمأن إلى أن المعرفة ستبقى عندها معرفة نافعة لا مادة للتحريف أو الاستعراض.

لماذا يحتاج العالم الراسخ لمراجعة أدب التعليم؟

يلفت النظر أن أرطاة يذكر أن عكرمة كان يتحدث والقوم حوله، «وفيهم سعيد بن جبير وغيره»، وسعيد بن جبير ليس طالبًا مبتدئًا، بل إمام من كبار التابعين.

وتفصيل كهذا يمنح المشهد دلالة تربوية مهمة؛ المبادئ الكبرى لا يستغني عنها الكبار؛ فكلما ازداد الإنسان علمًا واتسع أثره أصبحت مسؤوليته في حفظ العلم أعظم، لا أقل، والباحث أو المعلم المتقدم قد يكون أحوج من المبتدئ إلى تذكير نفسه بالأمانة؛ لأن خطأ المبتدئ محدود الأثر غالبًا، أما خطأ صاحب المنبر والتلاميذ فقد ينتشر انتشارًا بعيدًا.

ويشهد لترسيخ هذا المعنى ما جاء عن ابن مسعود في التحذير من تحديث الناس بما لا تبلغه عقولهم؛ فهذا توجيه إلى المتحدث العالم، لا إلى المتلقي وحده.

وفي مؤسسات التعليم اليوم قد ينصب الاهتمام كله على تدريب الطالب: كيف يقرأ، وكيف يبحث، وكيف يحفظ، لكن المشهد يضيف سؤالًا آخر للمعلم نفسه: لمن أقدم هذه المعرفة؟ وبأي مقدار؟ وهل صنعت لدى المتعلم القدرة على حملها قبل أن أثقل وعاءه بمزيد منها؟

مهارات إثارة السؤال الذهني قبل طرح المعلومة.. عكرمة نموذجاً

في العبارة بناء تعليمي لافت، لم يقل عكرمة مباشرة: «ضعوا العلم عند من يحفظه»، وإنما قال: «إن للعلم ثمنًا، فأعطوه ثمنه»، فكان طبيعيًا أن يسأل القوم: «وما ثمنه؟».

بهذه الصياغة صار المتلقي شريكًا في الوصول إلى المعنى؛ فقد نشأ السؤال في نفسه قبل أن يأتي الجواب، وهذا أسلوب أصيل في التعليم النبوي؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يثير انتباه أصحابه بالسؤال ثم يبني عليه المعرفة، ومن ذلك سؤاله معاذًا رضي الله عنه: «أتدري ما حق الله على العباد؟»، ثم تعليمه الجواب بعد أن قال معاذ: الله ورسوله أعلم(9).

والتعليم بالسؤال يختلف عن الإلقاء المتتابع للمعلومات؛ لأنه يستدعي ذهن المتعلم أولًا ثم يضع المعرفة في موضع أصبح مستعدًا لاستقبالها.

ولهذا يمكن أن يتعلم المعلم والداعية من صياغة عكرمة قبل أن يتعلم من مضمونها: لا تجعل المتلقي مخزنًا سلبيًا للمعلومات؛ أيقظ فيه السؤال، واجعله يشارك في اكتشاف الفكرة، فالمعنى الذي يسعى العقل إليه أرسخ عادة من المعنى الذي يلقى عليه بلا تمهيد.

لماذا لا تصنع وفرة المحتوى الرقمي علماء؟

تواجه المعرفة اليوم مفارقة لم يعرفها السابقون بهذه الصورة: المحتوى متاح بكميات هائلة، لكن كثرة الوصول إليه لا تعني كثرة العلماء ولا رسوخ المعرفة.

وكانت كلمة عكرمة تتجه إلى ما هو أبقى من كثرة المستمعين: صناعة الإنسان الذي «يحسن حفظه ولا يضيعه».

ويمكن أن تستفيد الأسرة من ذلك حين تعلم أبناءها أن الغاية ليست إنهاء عدد من الكتب بل ترسيخ معانيها، ويستفيد المعلم حين يقيس أثر درسه بقدرة طلابه على الفهم والتطبيق، لا بكثرة المادة التي ألقاها، وتستفيد المؤسسات حين تفرق بين توزيع المعلومات وبين صناعة أصحاب الكفاءة القادرين على حمل المسؤولية.

والدعوة كذلك لا تقاس وحدها بعدد المشاهدات والمتابعين؛ فرب كلمة تصل إلى الملايين ثم لا تترك حاملًا واحدًا لها، ورب مجلس صغير يخرج منه إنسان يحمل علمًا عقودًا وينقله إلى أجيال.

ولهذا جاء الحديث النبوي في البلاغ مبنيًا على سلسلة دقيقة: سماع، ثم حفظ، ثم تبليغ، ثم احتمال أن يكون المبلَّغ «أوعى من سامع»، فالحضارة العلمية لا تبنى بمجرد تداول المعلومات، وإنما ببناء أوعية بشرية تحفظها وتنقدها وتفهمها وتورثها لمن بعدها.

كيف تصون الأوعية البشرية المعرفة عبر الأجيال؟

اختصر عكرمة مولى ابن عباس قضية ضخمة في كلمات معدودة: «إن للعلم ثمنًا.. أن تضعه عند من يحسن حفظه ولا يضيعه»، ولم يكن الثمن مالًا، ولا جاهًا، ولا حقًا شخصيًا للعالم؛ وإنما كان مسؤولية تقع على طرفي العملية العلمية: على المعلم أن يحسن اختيار الخطاب وموضعه، وعلى المتعلم أن يبرهن بحفظه وفهمه وأمانته أنه وعاء جدير بما حمل.

ومن كلمة عليّ: «القلوب أوعية»، إلى توجيهه: «حدثوا الناس بما يعرفون»، إلى تحذير ابن مسعود من الحديث بما لا تبلغه العقول، يتكون منهج متكامل: انشر العلم، ولا تكتم الحق المحتاج إليه؛ لكن لا تفصل التعليم عن الحكمة، ولا المعلومات عن أهلية حاملها.

وهنا يظهر وجه «الثمن» الحقيقي: أن تكلّف نفسك الوفاء بحق ما تعلمت؛ فتضبطه قبل أن تنقله، وتفهمه قبل أن تتكلم به، وتعرف موضعه قبل أن تستعمله، ثم تسلمه إلى من يرجى أن يزيده حفظًا لا ضياعًا.

وفي زمن يستطيع فيه كل إنسان أن ينشر في لحظة ما يصل إلى آلاف الناس، ربما أصبحت كلمة عكرمة أشد إلحاحًا: ليس السؤال فقط ماذا تعرف؟ بل أيضًا: كيف حفظت ما تعرف، وكيف تبلغه، وعند من تضعه؟ فالعلم لا تصونه الخزائن، وإنما يصونه الحَمَلة.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 19).
  • 2 سنن الترمذي بسند صحيح (2656).
  • 3 حلية الأولياء (1/ 79).
  • 4 صحيح البخاري (127).
  • 5 صحيح مسلم (1/ 9).
  • 6 سنن أبي داود بسند صحيح (3658).
  • 7 صحيح البخاري (2856).
  • 8 العقد الفريد (2/ 81).
  • 9 متفق عليه، أخرجه البخاري (7373)، ومسلم (30).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة