كيف يثبت صاحب الرؤية أمام ضغط الجماعة؟ موقف تبيع بن عامر

عبدالله السيد

29 سبتمبر 2026

32

مشهد تعبيري يجسد قصة تبيع بن عامر الحميري ومعنى الثبات أمام ضغط الجماعة

روى الذهبي، في «سير أعلام البلاء»، في ترجمة تبيع بن عامر الحميري(1)، أنهم كانوا برودس وأميرهم جنادة بن أبي أمية، فكتب إليهم معاوية في الشتاء أن يتأهبوا، فقال تبيع: «تقفلون إلى كذا وكذا»، فأنكروا عليه حتى قال له صاحبه: «ما يسمونك إلا الكذاب».

فقال تبيع: «يأتيهم الإذن يوم كذا، وتأتي ريح يومئذ تقلع هذه البنية»، فانتشر قوله، فلما جاء اليوم أقبلت ريح فقلعت البنية، ثم أقبل قارب في البحر بخبر موت معاوية وبيعة يزيد، والإذن لهم في القفول، فأثنوا على تبيع(2).

يمثل هذا الخبر مشهدًا من مشاهد التاريخ الإسلامي المبكر التي تتداخل فيها حركة الإنسان مع تقلبات الزمن والظروف السياسية والعسكرية، وتدور أحداثه في جزيرة رودس خلال العصر الأموي، في بيئة عسكرية بعيدة عن مركز القرار، حيث كان الجنود يواجهون مشقة الإقامة في الثغور البحرية وانتظار توجيهات القيادة، وتظهر في هذا الموقف شخصية تبيع بن عامر الحميري، المعروف باتصاله بكعب الأحبار، في لحظة اختبرت فيها مكانته بين أصحابه، إذ واجه إنكارهم بقوة الثبات، ثم ترك للأحداث أن تكشف صدق ما قال.

ولا يتناول هذا المقال الحكم على تفاصيل الغيب أو مصادر المعرفة التي اعتمد عليها تبيع، وإنما يقرأ الموقف كما ورد في كتب الأخبار من زاوية إنسانية وتاريخية: كيف يتعامل الإنسان مع المعرفة التي يعتقد صحتها؟ وكيف يحافظ على ثباته حين يصطدم رأيه بإجماع المحيطين به؟ وكيف تتحول لحظة الشك إلى درس في القيادة والوعي؟

مواجهة تبيع بن عامر لضغط إجماع الجماعة

أول ما يلفت النظر في القصة هو طبيعة المواجهة بين تبيع بن عامر ومحيطه، فقد كان الجنود يعيشون واقعًا واضحًا أمامهم؛ كتاب من الخليفة يأمرهم بالاستعداد للشتاء، ومنطق الظاهر يقول إن الإقامة ستستمر، لذلك بدا كلام تبيع مخالفًا لما يعرفونه من المعطيات المباشرة.

لكن الإنسان لا يرفض دائمًا الفكرة لأنها خاطئة، بل قد يرفضها لأنها تخالف الصورة التي اعتادها، وهنا يظهر جانب مهم من طبيعة النفس البشرية؛ فالجماعة في لحظات القلق تميل إلى التشكيك في الرأي المختلف، خصوصًا إذا جاء من شخص لا يملك سلطة تنفيذية.

ومع ذلك لم يدخل تبيع بن عامر في جدل طويل، ولم يحاول أن يفرض رأيه بالقوة، بل انتقل من مجرد القول إلى تحديد علامات قابلة للملاحظة: وقت معين، وحدث طبيعي معين، ثم وقوع الخبر السياسي بعد ذلك، وهذا الأسلوب يكشف أن بعض المواقف لا يحسمها كثرة الكلام، وإنما يكشفها الزمن.

ويشهد موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع مانعي الزكاة أن مخالفة الرأي السائد قد تكون ثمرة وضوحٍ في الرؤية لا مجرد رغبة في المخالفة؛ فحين رأى بعض الصحابة التوقف عن قتال من نطق بالشهادتين، ثبت أبو بكر على ما ظهر له من حكم المسألة وقال: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال»، ثم قال عمر رضي الله عنه بعد ذلك: «فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق»(3)، وكما ثبت أبو بكر على ما أدركه حتى تكشف للصحابة وجه الصواب، لم يستنزف تبيع بن عامر نفسه في مجادلة من خالفوه، وإنما ذكر لهم علامات محددة ثم ترك للواقع أن يكشف صدق ما أخبر به؛ فليست كثرة المعترضين وحدها ميزانًا لصواب الرأي، وإنما العبرة بما يقوم عليه من علم وما تكشفه النتائج.

وفي واقع الناس اليوم تتكرر هذه الصورة في ميادين كثيرة؛ فقد يرى الإنسان المتخصص مؤشرات لا يلاحظها غيره، سواء في التجارة أو الإدارة أو التعليم أو الدعوة، لكن قيمة الرؤية لا تظهر بمجرد إعلانها، بل بقدرتها على تفسير الواقع عندما تتكشف نتائجه.

لماذا لا يحتاج صاحب اليقين إلى الخصومة؟

من أكثر اللحظات دلالة في الخبر قول صاحبه له: «ما يسمونك إلا الكذاب»، وهي عبارة تحمل ضغطًا اجتماعيًا شديدًا؛ لأن وصف الإنسان بالكذب لا يمس رأيه فقط، بل يمس صورته أمام الآخرين.

غير أن تبيع بن عامر لم ينشغل بالدفاع عن نفسه أو الرد بالمثل، بل تعامل مع الاعتراض بطريقة مختلفة؛ إذ لم يجعل القضية معركة شخصية، وإنما أعادها إلى ميدان الاختبار الواقعي.

وهذا يذكر بمعنى قرآني أصيل في التعامل مع أقوال الناس، وهو أن الحق لا يحتاج دائمًا إلى كثرة الخصومة، قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81).

فالإنسان الذي يملك يقينًا فيما يقول لا يحتاج إلى أن يستنزف نفسه في كل مواجهة، بل يزن متى يتكلم، ومتى يترك للواقع أن يقدم جوابه، وهذا لا يعني رفض النقد أو إلغاء الحوار، وإنما يعني أن بعض القضايا لا يحسمها الانفعال، بل البرهان والنتيجة.

متى يتجاوز أثر العلم حدود السلطة الرسمية؟

لم يكن تبيع بن عامر قائد الجيش، ولم يكن صاحب الأمر العسكري، فالأمير كان جنادة بن أبي أمية، ومع ذلك استطاع أن يؤثر في وعي من حوله، وهذه صورة مهمة من صور القيادة غير الرسمية.

فالقيادة ليست دائمًا مرتبطة بالمنصب، بل قد تنشأ من الخبرة أو العلم أو القدرة على قراءة الأحداث، وقد يحتاج القائد التنفيذي إلى أصوات من خارج دائرة السلطة المباشرة، لأن بعض الرؤى لا تأتي من موقع القرار، وإنما من موقع المعرفة.

وتبرز قيمة صاحب المعرفة خارج موقع القيادة في موقف عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه عند خروج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام؛ فلما بلغ سَرْغ وعلم بوقوع الوباء، اختلف المهاجرون والأنصار ومشيخة قريش في الرجوع أو المضي، حتى جاء عبدالرحمن بن عوف، وكان غائبًا عن المشاورة، فقال: «إن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه»(4)، فحمد عمرُ اللهَ ثم انصرف.

لم يكن عبدالرحمن صاحب القرار ولا أمير الجيش، لكن ما حمله من علم حسم مسألةً عجزت المشاورة عن حسمها؛ وهو قريب من موقع تبيع بن عامر مع جنادة بن أبي أمية، إذ لم يحتج إلى منصبٍ تنفيذي حتى يكون لرؤيته أثر، فالمعرفة قد تمنح صاحبها تأثيرًا يتجاوز حدود موقعه الرسمي.

وقد دل القرآن على قيمة العلم والخبرة في مواضع كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 9).

وفي المؤسسات المعاصرة، سواء كانت أسرية أو تعليمية أو إدارية، تظهر الحاجة إلى احترام أصحاب الاختصاص، مع بقاء النظام والانضباط؛ فالمعرفة لا تلغي القيادة، والقيادة الناجحة لا تستغني عن المعرفة.

كيف تتقاطع حوادث الطبيعة مع تحولات التاريخ؟

يحمل الخبر مشهدًا أدبيًا مؤثرًا؛ فالجند ينتظرون، والقول ينتشر، ثم تأتي الريح في الوقت الذي ذكره تبيع فتقلع البنية، وفي اللحظة نفسها يظهر القارب القادم من البحر حاملاً خبر وفاة معاوية وبيعة يزيد.

هذه الصورة تجعل القارئ أمام مشهد تتجاور فيه عناصر متعددة: حركة الطبيعة، وحركة الأخبار، وحركة التاريخ السياسي، فالرياح في التراث العربي كثيرًا ما كانت رمزًا لتحول الأحوال وتقلب المراحل.

وقد ذكر القرآن تسخير الرياح ضمن دلائل قدرة الله سبحانه، فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (الأعراف: 57).

ويجد اقتران هبوب الريح بحدثٍ إنساني لافت نظيرًا في خبر رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك؛ فقد هبّت ريح شديدة، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنها هبَّت لموت عظيمٍ من عظماء الكفار»، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت، وكان من رؤوس المنافقين، قد مات في ذلك اليوم(5)، فاجتمع في المشهد حدث طبيعي ظاهر وخبر وفاة لم يكن القوم قد علموا به، على نحوٍ يذكّر بما رواه أهل الأخبار في قصة تبيع بن عامر حين هبّت الريح فقلعت البنية، ثم أقبل القارب يحمل خبر وفاة معاوية وبيعة يزيد، ومع التشابه في صورة الحدث، يبقى لكل رواية درجتها ومصدرها، ولا يصح أن يُتجاوز بما ورد فيها إلى تفسيرٍ لسبب معرفة تبيع بما سيقع دون دليل.

كيف تقرأ المؤشرات المبكرة قبل تفاقم الأزمات؟

تتجاوز دلالة القصة زمنها لتقدم معنى متكررًا في حياة الناس: أن الأحداث الكبرى غالبًا لا تأتي من فراغ، بل تسبقها علامات ومقدمات.

فالقائد في أي مجال يحتاج إلى قراءة المؤشرات قبل أن تتحول إلى أزمات، والمربي يحتاج إلى ملاحظة تغيرات السلوك قبل تفاقم المشكلات، وصاحب القرار يحتاج إلى الاستماع إلى الأصوات التي ترى ما قد يغيب عن الرؤية اليومية.

لكن هذه المهارة تحتاج إلى توازن؛ فليست كل توقعات تصيب، ولا كل حدس يصبح علمًا، ولذلك يبقى الإنسان مطالبًا بالجمع بين حسن الملاحظة والتثبت والرجوع إلى الأدلة.

وهذا من هدي الشريعة في التعامل مع الأخبار، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6).

وتظهر قيمة قراءة المؤشرات مع التثبت في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين بلغ سَرْغ، فعلم بوقوع الطاعون في الشام، فاستشار الصحابة وقرر الرجوع، وقال لأبي عبيدة رضي الله عنه: «نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله»(6)، ثم جاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه مؤيدًا القرار بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه»، فجمع عمر بين الانتباه للخطر والمشاورة والدليل؛ وهي قراءة واعية للمقدمات دون تحويل الظنون إلى يقين.

يكشف خبر تبيع بن عامر الحميري عن جانب مهم من طبيعة الإنسان في مواجهة الأحداث: المعرفة قد تُقابل بالإنكار، والرؤية المختلفة قد تواجه بالسخرية، لكن الزمن يكشف كثيرًا من الأمور التي يعجز الجدل عن حسمها.

ويبقى المعنى الأوسع في القصة أن الإنسان يحتاج إلى اجتماع صفات متوازنة: علم يرشده، وثبات يحفظه، وتواضع يمنعه من الغرور، وبصيرة تجعله يفرق بين الوهم والفهم.

فليست قيمة الإنسان في أن يوافقه الناس دائمًا، ولا في أن يخالفهم دائمًا، وإنما في أن يبحث عن الحق، ويثبت عليه، ويترك للأيام أن تظهر ما خفي.

الهوامش
  • 1 تبيع بن عامر الحميري الحبر ابن امرأة كعب الأحبار، قرأ الكتب، وأسلم في أيام أبي بكر، أو عمر، وروى عن كعب فأكثر، وعن أبي الدرداء، وعرض القرآن على مجاهد، وكان رفيقه في الغزو، وروى عنه مجاهد، وأبو قبيل المعافري، وعطاء بن أبي رباح، وحكيم بن عمير، وحيان أبو النضر، وآخرون.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص414.
  • 3 شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج1، ص151.
  • 4 المرجع السابق، ص164.
  • 5 البداية والنهاية، ج4، ص144.
  • 6 تاريخ الطبري، غزوة بدر الكبرى، ج2، ص441.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة