السنن الإلهية في الدعوة إلى الله (3) سُنة الأودية!
من دقائق السنن الإلهية في الدعوة إلى الله، وفي صناعة الإنسان الرسالي، سُنة يمكن أن نسميها سنة الأودية، قال تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) (الرعد: 17).
ماء واحد نازل
من السماء، ولكن الأودية مختلفة؛ فهذا وادٍ واسع، وذاك ضيق، وهذا يحتمل كثيرًا،
وذاك لا يحتمل إلا قليلاً، وكل وادٍ يسيل بقدره.
وهنا يلفت
القرآن القلب إلى معنى عميق؛ وحدة المصدر لا تستلزم وحدة المجاري، فالوحي واحد،
والغاية واحدة، والدين واحد، لكن الناس يتفاوتون في المواهب، والاستعدادات،
ومجالات العطاء.
يفتح الله لعبد
في العلم، ولآخر في الدعوة، ولثالث في التربية والتزكية، ولرابع في الإنفاق،
ولخامس في التعليم، ولغيرهم في الإصلاح، والجهاد، وبناء المؤسسات، وصناعة الوعي،
وخدمة الناس.
فليس المطلوب أن
يكون كل داعية كلَّ شيء، وإنما أن يعرف الوادي الذي فتح الله له، ثم يحسن جريانه،
وهنا تبدأ حكمة عظيمة في بناء النفس أن يكتشف الإنسان موضع عطائه، فكثير من
الطاقات لا تضيع لأنها ضعيفة، وإنما لأنها مشتتة؛ يطارد صاحبها كل مجال، ويستجيب
لكل معركة، ويقارن نفسه بكل ناجح، حتى يخرج من ميادين كثيرة بأثر قليل.
إن فكرة الإنسان
الذي يستطيع أن يفعل كل شيء ليست نضجًا، وإنما صورة طفولية للقدرة؛ فالإنسان عبد
محدود الطاقة، وإنما كماله أن يحسن استثمار ما آتاه الله، لست مطالبًا أن تكون كل
شيء، ولكنك مطالب أن تحسن الشيء الذي أقامك الله فيه.
إن بعض الناس
يبددون أعمارهم لأنهم لا يعرفون أين يضعون أقدامهم، يتنقلون بين الميادين،
ويستجيبون لكل موجة، وينشغلون بكل معركة، ويتطلعون إلى كل دور، حتى ينتهي بهم
الأمر إلى حركة كثيرة وأثر قليل، وربما حملهم حب الخير على تشتيت الخير، وحملهم
الحماس على استنزاف الطاقة في غير موضعها.
وليس من الحكمة
أن يطلب الإنسان من نفسه أن يكون عالمًا ومربيًا ومجاهدًا وإداريًا وكاتبًا
ومتحدثًا ومنفقًا ومفكرًا وخبيرًا في كل فن في وقت واحد، هذه صورة حالمة للإنسان،
وأقرب إلى فكرة «السوبرمان» الطفولية منها إلى فقه النفس وسنن الله في الخلق
ولهذا، ينبغي أن
نفرق بين شمولية الرؤية وتخصصية الأداء، فالداعية يحتاج إلى فهم الإسلام في وحدته
ومقاصده وترابط أبوابه، لكنه ليس مطالبًا أن يكون متبحرًا في كل علم، متقدمًا في
كل ميدان، متصدرًا لكل وظيفة، قد يكون واسع الأفق، لكنه مركز الجهد؛ يرى الرسالة
كلها، ويقيم بقدميه في الثغر الذي يحسن القيام عليه.
وهذا المعنى
تؤكده السُّنة في تنوع أبواب الخير؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للجنة
ثمانية أبواب، فقال: «في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا
الصائمون» (رواه البخاري).
إنها صورة بديعة
لتنوع مسالك الخير أبواب متعددة، وجنة واحدة؛ أعمال متفاوتة، وغاية واحدة؛ مواهب
مختلفة، ووجهة واحدة، وهكذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه؛ لم يصنع منهم
نسخًا متشابهة، وإنما استخرج من كل واحد أجمل ما فيه، ووجّهه إلى الموضع الذي يحسن
القيام عليه.
فهذا معاذ في
العلم والفقه، وهذا ابن مسعود في القرآن، وهذا خالد في الجهاد والقيادة، وهذا أبو
عبيدة في الأمانة، وكل واحد منهم بلغ في واديه مبلغًا عظيمًا، ثم التقت الأودية
كلها في نهر الأمة الكبير.
والنضج هنا أن
يدرك الإنسان أن تميز غيره لا ينتقص منه، ليس عليه أن يكون معاذاً، وخالداً، وابن
مسعود، وأبا عبيدة في وقت واحد، يكفيه أن يعرف ما الذي فتح الله له فيه، ثم يتعمق
فيه، ويتدرب عليه، ويخلص فيه، ويجعله بابًا إلى الله.
فالوادي ليس
موضعًا للغرور، وإنما موضع للتكليف؛ والموهبة ليست ملكية يتعالى بها الإنسان،
وإنما أمانة يسأل عنها، قد يكون لك باب لم يعطه الله لغيرك، لكن عليك أن تعلم أن
لغيرك أبوابًا لم يعطك الله مفاتيحها.
ومن عرف واديه
تحرر من عبودية المقارنة، لا يعود يسأل: لماذا ليس عندي ما عند فلان؟ بل يسأل: ما
الذي أعطاني الله، وكيف أبلغ فيه غاية الإحسان؟ وهنا يجيء قوله تعالى: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ
وَتَسْبِيحَهُ) (النور: 41).
فلكل مخلوق
وظيفته، ولكل موهبة موضعها، ولكل سائر مجراه، وليس في معرفة واديك دعوة إلى
الانغلاق، وإنما دعوة إلى التركيز؛ وليس المقصود أن تقف عند حدودك إذا احتاجتك
الأمة، بل أن تعرف موضع تميزك الذي تجعل فيه معظم طاقتك وأعمق عطائك.
ومن أجمل ما في
سُنة الأودية أنها تجمع بين التواضع والطموح؛ تواضع يمنعك من ادعاء القدرة على كل
شيء، وطموح يدفعك إلى الإحسان فيما تستطيع.
وقد يكون أعظم
إنجاز في حياة الإنسان ألا يفتح ألف باب، وإنما أن يفتح الله له بابًا واحدًا
فتحًا عميقًا، فيظل يطرقه حتى يُفتح له منه ما لم يكن يظنه ممكنًا.
فيا أيها السالك
إلى الله لا تستنسخ غيرك، ولا تحتقر عطيتك، ولا تستنزف عمرك في محاولة أن تكون كل
شيء، ابحث عن الوادي الذي فتح الله لك فيه، وعمّق مجراه بالعلم، ونقِّ ماءه
بالإخلاص، ووسّعه بالإتقان، ودع أودية الآخرين تجري إلى الله من مجاريها، فالماء
واحد، والسماء واحدة، والغاية واحدة، ولكن الأودية متعددة.
اعرف واديك،
وأحسن جريانه، ونقِّ ماءه من الشوائب، وعمّق مجراه بالعلم، وطهّره بالإخلاص،
ووسّعه بالتجربة، ثم دع وديان الآخرين تجري إلى الله أيضًا.
وهكذا تبنى
الدعوات، وتنهض الأمم لا بتحويل الناس إلى نسخة واحدة، بل بجمع أودية كثيرة، لكل
منها مجراه، وكلها تصب في بحر واحد، فليس مطلوبًا منك أن تجمع أودية الخير كلها،
وإنما أن تعرف الوادي الذي فتح الله لك فيه، ثم تصدق في السير فيه، وتحسن العمل،
وتبلغ فيه منازل الإتقان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً