من الولاية إلى الأثر

الكرم يصنع مكانة القائد.. عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي

أحمد سعد الدين

03 سبتمبر 2026

264

يظهر في قلب اللوحة رجل ذو بشرة سمراء وملامح وقورة، يزينه الشيب، ويرتدي عمامة بيضاء مزخرفة وزيًا تقليديًا باللونين الأخضر والبني. تعلو وجهه ابتسامة عطوفة تعكس التواضع والقرب من الناس.

أورد الإمام الذهبي، في كتابه «سير أعلام النبلاء»، سيرة التابعي الجواد عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي(1)، أحد أبناء الصحابة، الذي جمع بين العلم والولاية والكرم، فكان ممن روى عن أبيه أبي بكرة الثقفي، وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، وروى عنه عدد من كبار التابعين، كما تولى قضاء البصرة وإمارة سجستان في خلافة بني أمية.

وقد عُرف عبيد الله بن أبي بكرة بسعة العطاء وحسن الأثر، حتى ارتبط ذكره في كتب التراجم بالجود والشجاعة وكبر القدر؛ فقيل: إنه كان ينفق على أهل مائة وستين دارًا من جيرانه، ويعتق في كل عيد مائة مملوك، فكانت سيرته نموذجًا لشخصية لم تُبنَ مكانتها بالمنصب وحده، بل بما تركته من أثر اجتماعي وأخلاقي امتد بعد رحيلها.

وتكشف قراءة سيرته عن رجل اجتمعت فيه خصال متعددة؛ شرف النسب، وطلب العلم، وتحمل مسؤولية القيادة، والبذل في سبيل الناس، ليقدم مثالًا على أن الهيبة الحقيقية لا تصنعها السلطة وحدها، وإنما يصنعها العلم والعمل والعطاء.

صناعة الهيبة القيادية بالعدل والعلم لا بالشكليات

لم تكن مكانة رجال صدر الإسلام تُقاس بالظواهر المجردة أو الشرف الفردي المبتور، بل بالعمق الحضاري الذي يدمج بين التكوين العلمي والكفاءة القيادية؛ فها هو عبيد الله بن أبي بكرة لم تقم منزلته على شرف اتصاله بالصحابة فحسب، بل اجتمع له مع ذلك العلم والرواية والولاية.

لقد نقل عنه أهل العلم روائع الأثر؛ إذ روى عن أبيه وعن عليّ رضي الله عنه، وروى عنه رجال من كبار التابعين كسعيد بن جمهان، ومحمد بن سيرين، وهذا الجمع الفريد بين الرواية والعطاء الإداري يجلّي نموذجًا أصيلًا كان حاضرًا في الجيل الأول من رجال الدولة؛ حيث لم تكن القيادة منفصلة عن الحصافة العلمية، بل كان العلم يمنح صاحب السلطة ميزانًا أخلاقيًا وفهمًا أوسع للناس والواقع.

وتلك فلسفة راقية تجذرت في روح الدولة الأولى؛ حيث كانت الكفاءة وحسن التدبير المعيار الأسمى لتقليد الولاية، بصرف النظر عن الاعتبارات الشكلية، وتتجلى هذه المبادئ في أبهى صورها مع الصحابي جزء بن سهيل رضي الله عنه؛ إذ كان رجلًا «أويدمًا قصيرًا»، فلم تقعد به تلك الصفات الظاهرة عن معالي الأمور، بل ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيادة وإدارة الأعاجم في الشام، فكان عظماء الروم والأعاجم يقفون بين يديه قيامًا لطاعته والائتمار بأمره، تحققًا لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «سيخلفنكم الله فيها حتى تظل العصابة فيهم البيض قمصهم المحلقة أقفافهم قيامًا على الرويجل الأسود منكم المحلوق وما أمرهم من شيء فعلوه»(2)؛ حيث كان الصحابة يعجبون من تحقق هذا الوصف فيه، وعلو مكانته التي شيّدها بالعمل والقيادة لا بالهيئة والشكليات.

وعلى هذا النهج المتين، امتدت مسيرة عبيد الله بن أبي بكرة؛ فتولى قضاء البصرة ثم إمرة سجستان سنة خمسين للهجرة، وهي مسؤولية جسيمة تتطلب شخصية استثنائية تجمع بين الحزم والمرونة؛ لأن الوالي في تلك البيئات النائية لم يكن مجرد منفذ للأوامر، بل كان ممثلًا للدولة في منطقة تحتاج إلى بناء الثقة وحماية المجتمع وإدارة الأزمات.

إن انتقاله بين منصفي القضاء والإمارة يشير إلى ثقة سياسية بكفاءته، ويكشف عن طبيعة الشخصية التي امتلكت أدوات متكاملة؛ فالقاضي يحتاج إلى العدل والبصيرة، والأمير يحتاج إلى الشجاعة وحسن التدبير، ومن يجمع بينهما يحتاج إلى اتزان داخلي وقدرة على فهم النفوس، لتظل الريادة الحقيقية صرحًا يُبنى بالعدل، والعلم، وحسن الأثر.

تكامل العلم والإدارة في سيرة عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي

تشير الروايات إلى أن عبيد الله بن أبي بكرة كان أسود اللون، وهي إشارة -وإن بدت عابرة في كتب التراجم- تحمل دلالة اجتماعية عميقة حين تُقرأ في سياقها التاريخي، فقد كانت بعض البيئات القديمة تمنح اللون والنسب والقبيلة وزناً بالغاً في التقييم الاجتماعي؛ مما جعل التفوق الحقيقي رهانًا يتجاوز المظهر الخارجي إلى جوهر الفعل وصادق الأثر، ولم تكن استجابة عبيد الله لهذه الموازين بالشكوى أو بالانشغال بإثبات الذات في سجالات الكلام، بل عبر صناعة قيمة عملية جليّة؛ علمٍ يُروى، ومنصبٍ يُدار بحكمة، وكرمٍ يلهج به الناس، ومواقف تجبر المجتمع على أن يتناول أثر الرجل لا صفاته الظاهرة.

ولم تكن هذه التجربة فريدة في بابها، بل يتجدد المعنى ذاته في سيرة الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ إذ تجاوز العوائق الاجتماعية المرتبطة بحداثة سنه وأصله ليثبت جدارته القيادية.

فعندما ولاه النبي صلى الله عليه وسلم إمارة جيش يضم كبار الصحابة، واعترض بعض الناس على تلك الولاية بمعايير النظرة السائدة، وقف النبي صلى الله عليه وسلم مدافعًا عن قيمته العملية واستحقاقه الفعلي، قائلًا: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده»(3)؛ فجاء هذا الإقرار النبوي ليؤكد أن الكفاءة والفضل يفرضان حضورهما فوق حسابات السن والنسب.

إن هذه الشواهد تتقاطع جميعها عند أصل قرآني عظيم يحدد معيار التفاضل الحقيقي، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)؛ فالمعيار الأعلى ليس الصورة التي يراها الناس، ولا الظروف التي يُولد فيها المرء، وإنما ما يحمله في قلبه من تقوى، وما يقدمه في حياته من عمل نفعي صلب.

وفي واقع الناس اليوم، تتكرر صور مشابهة لهذه العوائق؛ فقد يواجه الإنسان تحديات تتعلق بالبيئة أو الفرص أو التقييمات الاجتماعية الجاهزة، لكن أصحاب الرسالات الحقيقية لا يجعلون هذه القيود تعريفًا نهائيًا لأنفسهم، بل يحولونها إلى دافع لبناء قيمة سامية لا يمكن تجاهلها، فالأثر الممتد، واليقظة في معالجة الواقع، وحسن العطاء، هي المعالم الخالدة التي تفرض احترام صاحبها وتصنع رفعة الإنسان الحقيقية في كل زمان ومكان.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء، ج4، ص138، روى عن أبيه، وعليّ، وعنه سعيد بن جمهان، ومحمد بن سيرين، وغيرهما، وقد ولي قضاء البصرة، وولي إمرة سجستان سنة 50هـ، ثم عزل بعد 3 سنين، ثم وليها الحجاج.
  • 2 تاريخ مدينة دمشق، ج1، ص74، باب ذكر أصل اشتقاق تسمية الشام.
  • 3 البداية والنهاية، ج8، ص23.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة