مناهج التغيير وثقافة مقاومة الذات

د. عمرو نافع

22 مارس 2025

173

ألا يسوؤك ما حل بأمتنا؟ ألا تمتلئ غيظًا من الدم المراق على أرض غزة كل يوم؟ ألا يؤرق مضجعك الأقصى الذي تدنسه عصابات الصهيونية؟ ألا تحترق كمداً على تخلفنا المادي في سباق الأمم؟

ألا يدفع كل ذلك إلى تغيير فكري وحضاري ونفسي ومجتمعي، وهذا ما تقصده الآية الكريمة: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)؟ إن هذه الأيام الكريمة تدفعنا إلى ثورة في المفاهيم. فصناعة التغيير الشخصي والمجتمعي مهمة الكبار ودور الفاعلين في المجتمعات الناهضة. فالماء إذا طال مكثه في مكان ما، ركد وخرب، فصناعة التغيير الشخصي ليست أفكارًا للتسلية وإنما هي صناعة حدث وكتابة تاريخ، وهي هم الأبطال.

بطل قرر ألا يقف ينظر إلى أسفل الجبل بل ينظر إلى القمة، ليتذوق حلاوة الإيمان والطاعة.

فصناعة التغيير الشخصي والمجتمعي في عالم اليوم تحتاج إلى منهج ينظر في عملية تغيير ذاتي ثم مجتمعي على إثر التغيير الذاتي.

مناهج تغيير الذات:

1- الأولى: حتى يغيروا ما بأنفسهم:
 تغيير أي شيء ينبع من داخل الإنسان نفسه، وهو محطة ومرحلة رئيسية في أي عملية تغيير حقيقية. فكل خطوة منك إلى التغيير يدفعها معك المولى عز وجل إلى الأمام
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69)، فعملية التغيير تمرد ذاتي على كل شيء يخالف المقاصد الشرعية الكلية.

2- الثانية: لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر:

كل إنسان يحمل هم نفسه وتبعتها، ويضع نفسه حيث شاء أن يضعها. فالاختيارات هي سنة الحياة، ومن هنا فاختيار التقدم غاية والتأخر غاية أخرى، وهذا الاختيار الذاتي، فمنهم من يكرمها أو يهينها. فهي رهينة بما تكسب ورهينة بهذا الاختيار ومقيدة بما تفعل، ومن هنا يكون طريق التغيير القويم وهو الانطلاق نحو التقدم بتغيير الذات، وهو إعلان ذاتي صارخ في مواجهة المشاهد العالقة في المحيط الوجداني.

3- الثالثة: الوعي بسنة التدرج وعدم الاستعجال في التغيير:
التدرج سنة إلهية في كل شيء، ويراد له النجاح في مستقبل الأيام. لقد خلق الله الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش في اليوم السابع، وخلق الإنسان في أطوار متعددة، وجاءت السماء سبع طوابق في كل طابق ملك. وجاء التشريع أيضًا متدرجًا في عملية التحريم. أحد أهم المعاني في عملية التغيير هي التدرج، فتأمل الكون في هذا التدرج واجب شرعي، وإحسان التدرج يجعل عملية التغيير مقبولة وقوية
.

 4- الرابعة: الربط بين المعادلة الكبرى الرغبة في التغيير والمعرفة بالتغيير والمهارات المتعلقة بعملية التغيير:

فالرغبة القوية في التغيير لا تكفي وحدها ويجب أن ترتبط ارتباطًا شرطيًا بمهارات الشخص العلمية والفكرية، ثم المعرفة بمراحل التغيير وثقافته، وأخيرًا المهارات المكتسبة التي تساعد على هذا التغيير.

وهي معرفة إمكانياتك فلا تقبل فوق طاقتك، ورد ما لا تستطيع أن تفعله في يومك وليلتك، وهنا الإيمان بقدراتك حتى تكون طموحاتك على قدر قدراتك.

5- الخامسة: الوعي بالواقع قبل تغيير الواقع:

الواقع الذي حولنا له خصوصياته، ضرورة فقهه وفهمه وسبر أغواره مهمة لها علماؤها ومتخصصوها. وكل جهل بما حولنا يكلفنا مشقة في المسير، وسيكون حجر عثرة في عملية التغيير. وأعني بالواقع بيئتك التي تعيش فيها، وليكن لك تصور في عملية التغيير واختر من يرافقك في هذا الواقع ليتحمل معك مشاق السير.


جيل يصنع التغيير |  مجلة المجتمع الكويتية
جيل يصنع التغيير | مجلة المجتمع الكويتية
ارتفع الصحابة في الدين؛ حيث أحبّوا الله ورسوله حبّ...
www.mugtama.com
×


فقه النظر والأثر

منهج التغيير القويم يأتي من قدرة الإنسان على التأمل ونفاذ التأمل إلى الأمر الواقع المؤثر. وإذا أردت أن تبدأ منهج التغيير فيجب أن تتبع فريضة التأمل والنظر. من النظائر القرآنية التي تستوقف القارئ لكتاب الله الآيات التالية:

قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام:11).

قوله سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل: 69).

قوله عز وجل: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20).

قوله عز من قائل: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) (الروم:42).

يُلاحظ على هذه الآيات أنها اتفقت على الأمر في السير في الأرض، وافترقت في متعلق التأمل ثم النظر، فقارن بين موقف رجلين في مسألة النظر والتأمل وهما يتلوان قول الله تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف:109). فأما الأول: فقد قرأ الآية وحفظها ثم خرج بما يحفظ إلى الكون الفسيح ليتأمل الظواهر الكونية، يدرس الضوء وانكسار الأشعة ويعرف الكهرباء والمغناطيسية ودور الجاذبية الأرضية، وكل ما أتيح له من واقع في دراسة للنبات والحيوان وما يستطيع أن يستفيد منه الإنسان من هذه الظواهر. فقد طوع النظرة الفكرية والتأمل الواقعي إلى إرادة تغيير عملية.

أما الرجل الثاني: فقد حفظ الآية وخرج يدعو الناس بها، وقد نقلها في درسه ووعظه كما هي، "بلغوا عني ولو آية" الحديث، ومن باب "نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمع منّا شيئًا فبلَّغه كما سمع، فرُبَّ مبلِّغٍ أوعى من سامعٍ". فحدود هذا هو البلاغ فقط

الفرق بين الرجلين كبير وهو إرادة التغيير ومنهج التناول الواقعي عند الأول، أما الثاني فناقل فقط. الثاني نقل الآية ولم يكن في وسعه أن يدرس أصل الظواهر ومكونات الواقع الذي يعيش فيه، أما الأول فقد زود نفسه بتفاصيل الظواهر الكونية، وحلل لها وتعلم أصلها وما فيها من عجائب تثير الدهشة والذهول. فإذا عاد إلى الآية الكريمة أحس بعمقها وفلسفتها ومنهج التغيير بها، وهو فقه التغيير الذي أرادته الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، فلو كان وراء البحر سبعة أبحر كلها مداد لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله، وهي إرادة الوصول إلى الحقيقة.

لقد جعل الله مقاومة الذات والشهوات في مرتبة كبيرة وعظيمة، وجعل فقه النظر له مكانة، والتعلم وفهم الآخر له مكانه، وجعل العلم بهما عز المؤمن، وجعل في الجهل بهما الذل والصغار. والحق أن إشاعة مصطلح المقاومة بمفهومه الواسع، ونشر مضامينه وإبراز حقائقه، والقيام بمقتضاه، ليعدُّ من أعظم مقاصد الإسلام، ولا يبنى إلا على منهج وعلم، وأهم مقاصد هذه المرحلة التي تعيشها أمتنا العلم والمنهج.

من المعلوم في شريعتنا الإسلامية أن مجال الجهاد "المقاومة" لا يقتصر على التضحية بالنفس في سبيل الله فقط، بل هو يتعدى إلى أكثر من ذلك، فيصل إلى مجاهدة النفس (بالعلم والعمل)، حيث يقول الله سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت آية (69): (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)

إن العلم والوعي بحقيقة الوجود والحياة يجعلنا في تقدم دائم ونكون به نافذين خطوة على الآخرين.


قراءة في تجارب التغيير عبر التاريخ |  مجلة المجتمع الكويتية
قراءة في تجارب التغيير عبر التاريخ | مجلة المجتمع الكويتية
شكل مفهوم الاستبداد والطغيان السياسي محورًا أساسيً...
mugtama.com
×


 


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة