شهادة إمام من آل البيت
أبو جعفر الباقر.. وموقفه من أبي بكر وعمر والصحابة
أورد الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا يقول: أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ هُوَ
السَّيِّدُ الْإِمَامُ(1)، أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ
الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ.
قَالَ ابْنُ
فُضَيْلٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وَابْنَهُ
جَعْفَرًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَا لِي: يَا سَالِمُ، تَوَلَّهُمَا
وَابْرَأْ مِنْ عَدُوِّهِمَ؛ فَإِنَّهُمَا كَانَا إِمَامَيْ كَانَ سَالِمٌ فِيهِ
تَشَيُّعٌ ظَاهِرٌ، وَمَعَ هَذَا فَيَبُثُّ هَذَا الْقَوْلَ الْحَقَّ، وَإِنَّمَا
يَعْرِفُ الْفَضْلَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ ذُو الْفَضْلِ، وَكَذَلِكَ نَاقِلُهَا
ابْنُ فُضَيْلٍ، شِيعِيٌّ ثِقَةٌ، فَعَثَّرَ اللَّهُ شِيعَةَ زَمَانِنَا مَا
أَغْرَقَهُمْ فِي الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ، فَيَنَالُونَ مِنَ الشَّيْخَيْنِ
وَزِيرَيِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْمِلُونَ هَذَا
الْقَوْلَ مِنَ الْبَاقِرِ وَالصَّادِقِ عَلَى التَّقِيَّةِ.
وَرَوَى
إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ بَسَّامٍ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا
جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي
لَأَتَوَلَّاهُمَا وَأَسْتَغْفِرُ لَهُمَا، وَمَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ
بَيْتِي إِلَّا وَهُوَ يَتَوَلَّاهُمَا(2).
ليس أعظم ما
يميز أهل البيت النبوي الشريف شرف النسب الموصول وحده، فالنسب الشريف مسؤولية
شرعية وتاريخية كبرى قبل أن يكون مجرد منزلة موروثة؛ لأنه يجعل صاحبه أقرب الناس
إلى معرفة حقيقة المنهج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ولهذا
فإن أصدق صورة لأهل البيت ليست هي ما يضيفه الغلاة أو ينسبه القائلون عنهم، بل هي
ما ثبت يقيناً من أقوالهم ومواقفهم الناصعة المدونة في زبر أهل الأثر.
ومن أوضح
المواقف التاريخية التي تكشف منهج وعقيدة الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين
بن علي، المعروف بـ«الباقر»، ما دُوّن بسندٍ صحيح حين سأله أصحابه عن المكانة
الشرعية للشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ فجاء جوابه حاسماً ليصون ميزان
الأمة ويقطع دابر الفتنة، إنها كلمة تجسد روح الديانة والوفاء، وتكشف كيف فهم أئمة
أهل البيت العلاقة الوثيقة بين محبة آل البيت المطهر وبين حفظ قدر صحابة رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
كيف أثمر النسب الشريف إمامة علمية؟
هو السيد الإمام
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، العلوي الفاطمي المدني، ينتهي نسبه
الشريف من جهة أبيه الإمام علي بن الحسين «زين العابدين» إلى السبط الحسين بن علي
رضي الله عنهما، ومن جهة أمه الشريفة فاطمة إلى السبط الحسن بن علي رضي الله عنهما،
فاجتمع له شرف السبطين، وشرف البيت النبوي، وشرف العلم والعمل الصالح الذي ورثه عن
آبائه.
لكن عظمة الإمام
الباقر لم تكن محصورة في مجرد الانتساب الشريف، بل في أنه جعل هذا النسب العريض
باباً لتحمل مسؤولية البيان، ونشر الفقه، وحراسة عقيدة الأمة، ولهذا صار إماماً
متبوعاً في العلم والهدى، لا مجرد صاحب جاه ومكانة؛ فكان كلامه مرجعاً يزن الأحداث
والمواقف بميزان الحق.
موقف الإمام الباقر من الخلفاء الراشدين
يروي محدث
الكوفة سالم بن أبي حفصة أنه دخل على أبي جعفر الباقر وسأله عن الموقف الشرعي
الدقيق من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان السؤال يحمل خلفية زمنية وسياسية
شديدة التعقيد؛ فقد ظهرت في العراق بعض التيارات والفرق التي جعلت الموقف من
الصحابة جزءاً من الصراع الفكري، وغالت في بعض الشخصيات، فاتخذت دعوى محبة أهل
البيت ذريعة زافرة للطعن في خيار الصحابة والسابقين الأولين.
فجاء جواب
الإمام الباقر صريحاً، قاطعاً، لا يحتمل المواربة: «عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي
حَفْصَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَجَعْفَرًا عَنْ
أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَا
سَالِمُ، تَوَلَّهُمَا، وَابْرَأْ مِنْ عَدُوِّهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا كَانَا إِمَامَيْ
هُدًى».
لم يكن هذا النص
الصريح جواباً سياسياً عابراً أو مجاملة لحظية، بل كان تأصيلاً لمنهج آل البيت
الراسخ، الذي يقرر بيقين أن محبة آل البيت النبوي لا تُبنى أبداً على بغض الصحابة
أو النيل من المهاجرين والأنصار، وقد ردت هذه الواقعة في أمهات كتب التراجم
والتاريخ والسُّنة («سير أعلام النبلاء» و«تاريخ الإسلام» للذهبي، و«تهذيب الكمال»
للمزي، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر، و«السُّنة» للخلال، و«حلية الأولياء» لأبي
نعيم).
تحليل مقولة: تولهما وابرأ من عدوهما
اختار الإمام
الباقر في هذه الشهادة التاريخية ألفاظاً شرعية محكمة تحمل معاني ومقاصد حاسمة:
- أولاً:
«تَوَلَّهُمَا»: لم يكتفِ الإمام بالقول السلبي: "لا تسبهما"، بل أثبت
أصل الولاية، والمحبة، والإجلال الصادق لهما كفريضة يتقرب بها العبد إلى الله.
- ثانياً:
«وَابْرَأْ مِنْ عَدُوِّهِمَا»: وهي عبارة قاطعة تجعل الموقف من أعدائهما
والناقضين لفضلهما مفاصلة إيمانية؛ فمن أبغض الشيخين فليس على هدي آل البيت.
- ثالثاً:
«فَإِنَّهُمَا كَانَا إِمَامَيْ هُدًى»: وهي شهادة صريحة بإمامتهما الشرعية
وهدايتهما للأمة؛ مما ينفي كافة دعاوى الانحراف أو الغصب التي ينسبها الغلاة.
ويتأكد هذا
المعنى الصارم في موقف آخر روى فيه الإمام غضبه الشديد من أهل العراق الذين ينالون
من الشيخين: «عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ يَا جَابِرُ
بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا بِالْعِرَاقِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحبَّونَنَا
وَيَتَنَاوَلُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنِّي آمُرُهُمْ بِذَلِكَ
فَأَبْلِغْهُمْ أَنِّي إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ وَلِيتُ لَتَقَرَّبْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى
بِدِمَائِهِمْ، لَا نَالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَسْتَغْفِرُ
لَهُمَا وَأَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمَا، إِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ لَغَافِلُونَ عَنْهُمَا»(3).
يبرهن هذا الأثر
الشديد أن الإمام الباقر كان يرى الطعن في أبي بكر وعمر انحرافاً عقائدياً يوجب
المفاصلة، وأن محبة آل البيت بريئة تماماً ممن يستغلها للإساءة لأصحاب النبوة.
التكامل بين محبة العترة وتوقير الصحابة
تكمن قيمة هذه
النصوص الثابتة في أنها تعيد ترتيب العلاقة الإيمانية الصحيحة بين ثلاثة أركان؛
محبة آل البيت، واحترام الصحابة الكرام، والالتزام بالمنهج النبوي الأوسط، فلا
تعارض ولا منافاة بين هذه المعاني؛ بل إن آل البيت أنفسهم كانوا جزءاً من الجيل
الذي حفظ آثار الصحابة وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم ونقلوا عنهم الفقه
والحديث.
وكان هذا
امتداداً مباشراً لموقف والده الإمام علي بن الحسين «زين العابدين» الذي زجر الذين
حاولوا استغلال نسبهم للطعن في السلف: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ
الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَانِي نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ
فَقَالُوا فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ثُمَّ ابْتَرَكُوا فِي عُثْمَانَ، فَلَمْ
يَتَزَكُّوا، فَلَمَّا فَرَغُوا، قَالَ لَهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَلَا
تُخْبِرُونِي أَنْتُمُ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) (الحشر: 8)، قَالُوا: لَا،
قَالَ: فَأَنْتُمْ (وَالَّذِينَ
تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، قَالُوا: لَا،
قَالَ: أَمَّا أَنْتُمْ فَقَدْ بَرَأْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ
الْفَرِيقَيْنِ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الَّذِينَ قَالَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَالَّذِينَ
جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)(4).
يوضح هذا
الاستشهاد القرآني الفذ كيف كان آل البيت يفهمون مبدأ الولاية؛ فمن لم يستغفر
للمهاجرين والأنصار ويكف عنهم لسانه، فقد خرج عن الميزان الذي ارتضاه الله
للمؤمنين.
الفرق بين تعظيم أهل البيت والغلو
تكشف سيرة
الباقر قاعدة تربوية جليلة؛ أن شرف الانتساب إلى بيت النبوة لا يعني أن الإنسان
يُترك بلا ميزان شرعي يحكم عمله وقضائه، بل إن أعظم أهل البيت كانوا أشد الناس
لزوماً للحق واتباعاً للسنن، فالإمام الباقر لم يستخدم نسبه ليصنع موقفاً طارئاً
يخالف أصول الدين، بل استخدم مكانته العلمية ليحفظ المعنى الذي رآه حقاً ثابتاً عن
أجداده.
وهنا يبرز الفرق
بين تعظيم أهل البيت الشرعي وبين الغلو المذموم فيهم؛ فالتعظيم يكون باتباع
أقوالهم الثابتة والاقتداء بزهدهم وفقههم، أما الغلو فيكون بإضافة ما لم يقولوه،
أو ادعاء العصمة لهم، أو تحميلهم مواقف وخصومات تاريخية لم تثبت عنهم؛ كما تقرر في
منهج فقهاء المدينة وقد ذكر البلاذري: «حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن
سعد عن الزهري أنه سئل عن سعيد بن المسيب فقال: أخذ علمه من زيد بن ثابت، وجالس
ابن عباس، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وكان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه
وسلم عائشة وأم سلمة، وسمع عثمان بن عفان، وعلياً، وصهيباً، ومحمد بن مسلمة، وجلّ
روايته المسندة عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته، وسمع من أصحاب عمر وكان يقال: ليس
أحد أعلم بما قضى عمر وعثمان منه، وقال: حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، ثنا قدامة
بن موسى الجمحي قال: كان سعيد بن المسيب يفتي وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحياء»(5).
أهمية التوثيق العلمي لمرويات الإمام الباقر
من أهم الدروس
المنهجية التي تثيرها هذه القضية أن الأئمة الكبار لا يُعرفون بما ينسبه أصحاب
الأهواء إليهم، بل بما ثبت عنهم بالأسانيد الصحيحة، فالإمام الباقر كان حائزاً
لمكانة علية في قلوب الأمة، ولذلك كثرت الأقوال والأحكام المكذوبة التي نُسبت إليه
عبر القرون لاجتذاب العامة.
لكن الأمانة
العلمية والتاريخية تقتضي التمييز الصارم بين ما ثبت عنه بالسند المتصل الصحيح،
وبين ما أُضيف إليه بلا دليل، ونقل كلامه الصريح الثابت في تولي الشيخين ليس مجرد
عرض جاف، بل هو حراسة لصورة الإمام وتطهير لترجمته من الافتراءات.
تفنيد دعوى ممارسة الباقر للتقية بمجلسه
يدعي بعض
المفسرين أن هذه النصوص الممتلئة بالتولي والتوقير للشيخين إنما صدرت من الإمام
الباقر في إطار «التقية» والخوف السياسي، لكن التحليل العلمي لسياق الروايات ينقض
هذا التفسير تماماً؛ فالسؤال صدر من تلميذه سالم بن أبي حفصة في مجلس علمي خاص
بالمدينة المنورة، ولم يكن الإمام تحت تهديد حاكم أو سلطة تضغط عليه ليجامل.
بل إن الإمام
كان يكرر هذا المعنى ويؤكده بأغلظ الأيمان في مجالس أصحابه، كما في حواره المشهور
مع عروة بن عبد الله: «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا
جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ فَقُلْتُ: مَا قَوْلُكَ فِي حِلْيَةِ السُّيُوفِ؟
فَقَالَ: لَا بَأْسَ، قَدْ حَلَّى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ سَيْفَهُ، قَالَ:
فَقُلْتُ: وَتَقُولُ الصِّدِّيقُ؟ قَالَ: فَوَثَبَ وَثْبَةً وَاسْتَقْبَلَ
الْقِبْلَةَ ثُمَّ قَالَ: نَعَمُ الصِّدِّيقُ، نَعَمُ الصِّدِّيقُ، نَعَمُ
الصِّدِّيقُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَمَنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ الصِّدِّيقَ فَلَا
صَدَّقَ اللَّهُ لَهُ قَوْلًا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ»(6).
فالتفات الإمام
الباقر إلى القبلة وتكراره للفظ «الصِّدِّيقُ» والدعاء على من ينكره يبرهن على أن
عقيدته في توقير أبي بكر الصديق كانت ديناً ويميناً يتقرب بهما إلى الله، وليست
تصنعاً أو تقية.
أخطار التأويل الخارجي لآراء الأئمة الصريحة
تنشأ إشكالية
منهجية خطيرة حين يُجعل ادعاء "التقية" شماعة لتفسير كل نص صحيح يخالف
تصورات الغلاة؛ فإذا أصبح كل كلام صريح يصدر عن الإمام يُلغى بدعوى أنه قاله تقية،
فإن كلام الإمام نفسه يفقد قيمته الشرعية والتاريخية! إذ يستحيل مع هذا الادعاء
معرفة ما كان يعتقده الإمام حقيقة.
وحفظ مقام أئمة
آل البيت يكون بإثبات صدق كلامهم، وبصيرتهم، وشجاعتهم في إعلان الحق، لا بجعل
أقوالهم تحت التأويل المزدوج؛ كما كان موقف أخي الباقر الإمام زيد بن علي بن
الحسين حين رفض مساومة أهل الكوفة فرفضوه وسموا بذلك الرافضة: «عَنْ زَيْدِ بْنِ
عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ؛ حِينَ طَالَبَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ
أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ شَرْطًا لِنُصْرَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ صَرَاحَةً: رحمهما
الله وغفر لهما، ما سمعتُ أحدًا من أهل بيتي يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيرًا،
قالوا: فلم تطلب إذًا بدم أهل هذا البيت إلّا أن وثبا علي سلطانكم فنزعاه من
أيديكم!
فقال لهم زيد:
إن أشدّ ما أقول فيما ذكرتم أنّا كنا أحقّ بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الناس أجمعين، وإنّ القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم
كفرًا، قد وُلّوا فعَدَلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسُّنة.
قالوا: فلم
يظلمك هؤلاء! وإن كان أولئك لم يظلموك، فلمَ تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين!
فقال: وإنّ هؤلاء ليسوا كأولئك؛ إن هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم؛ وإنما ندعوكم
إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى السنن أن تُحيا، وإلى البِدَع
أن تُطفأ؛ فإن أنتم أجبتمونا سعِدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل، ففارقوه
ونكثوا بيعتَه فقالوا: جعفر إمامنا اليومَ بعد أبيه؛ وهو أحق بالأمر بعد أبيه؛ ولا
نتبَع زيد بن عليّ فليس بإمام، فسمّاهم زيد الرّافضة، فهم اليوم يزعمون أن الذي
سماهم الرافضة المغيرة»(7).
يثبت هذا النص
المروي بالدم والشهادة أن آل البيت كانوا يعلنون ولايتهم للشيخين جهاراً حتى في
أشد لحظات المفاصلة والقتال، رافضين خيانة أصولهم.
معالم المنهج الوسطي عند أئمة السلف
تكشف هذه
الروايات المتواترة عن معالم المنهج الأوسط الذي جسده الإمام الباقر: منهج ليس فيه
جفاء ولا انتقاص من أهل البيت النبوي الشريف، وليس فيه في الوقت ذاته أي طعن أو
إسقاط لكبار الصحابة والسابقين، إنه الجمع الراشد بين المودتين والإجلالين: محبة
آل البيت، وحفظ فضل الصحابة، ورفض الغلو في أي طرف.
قواعد منهجية في لزوم الأقوال الثابتة وشهادة الإمام الباقر
تتصل الدروس
التربوية والإيمانية المستفادة من سيرة الإمام الباقر اتصالاً وثيقاً بتقديم نموذج
علمي وعملي فريد لكيفية توجيه الطاقة والنسب في أبواب النفع والسيادة، وتتجلى أهم
هذه القواعد التي عبرت عنها مسيرته العطرة في المعاني الآتية:
- أعظم تعظيم
لأئمة آل البيت هو الاتباع الصادق لأقوالهم الثابتة: فلا يُرفع الأئمة بأقوال لم
يقولوها، ولا يُنسب إليهم ما يخالف صريح أفعالهم.
- المحبة
الإيمانية لآل البيت لا تقتضي الخصومة مع الصحابة: فمحبة العترة الطاهرة تتأكد
بإجلال من أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ورافقوه.
- شرف النسب
النبوي يضاعف المسؤولية الشرعية ولا يعفي منها: فمن كان أقرب إلى بيت النبوة كان
أولى الناس بحفظ سنته ومنهجه.
- الغلو يضر
بالمحبوب ويشوه رسالته: لأن التزيد على الأئمة يخرجهم من مقام الأسوة الهادية إلى
مجرد رموز لصراعات مفرقة.
كما أُثر عن
سفيان الثوري: «حدَّثنا محمدُ بنُ مسكينٍ، حدَّثنا محمد -يعني الفِريابيَّ- سمعتُ
سفيانَ يقول: مَنْ زَعَمَ أن عليّاً كان أحقَّ بالولاية منهما فقد خطَّا أبا بكر
وعُمرَ والمهاجرين والأنصار، وما أُراهُ يَرتفعُ له مع هذا عَملٌ إلى السماء»(8).
وبهذه المعالم
المتكاملة تكتمل صورة المربّي والعالم الذي يترجم ميراث أهله الشريف إلى أثر حَيّ
وممتد في الأمة، ليبقى جيل التابعين شاهداً على أن العلم والتزكية هما الحصن
الأكبر لحفظ هداية هذا الدين.
كيف رَسَّخ الميزان النقدي لدى المحدثين احترام آل البيت دون غلو؟
تقدم مواقف
الإمام الباقر وأقواله الثابتة الأنموذج الأرفع لوعي الأمة؛ فقد برهن بعمله ولسانه
أن آل البيت هم الحصن الحصين لحفظ عقد الجماع وصيانة مقادير الصحابة، وإن التمسك
بكلام الباقر الصريح يُسقط كل محاولات اتخاذ اسم أهل البيت خطاً للمفاصلة والطعن،
ليعود آل البيت كما كانوا دائماً أئمة هدى يجمعون الأمة على تعظيم كتاب الله،
ولزوم السُّنة، وإجلال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان أبو جعفر
محمد بن علي الباقر من أعظم أعلام أهل البيت الذين جمعوا بين شرف النسب المطهر
ورفعة العلم النافع والعمل الصالح، ولذلك كانت شهادته في حق أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما ذات وزن وأثر خاص؛ فهي شهادة صريحة صادرة من رجل ينتمي إلى البيت الذي يحبه
كل مسلم ويجله.
فلم يجعل قربه الشريف من النبي صلى الله عليه وسلم باباً للطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل جعل هذا القرب أداة للتمسك بالمنهج الذي ورثه عن علي والحسين وزين العابدين، وهكذا يبقى الإمام الباقر شاهداً خالداً على أن أهل البيت يُعرفون بما ثبت عنهم من العلم والهدى..، وأن محبتهم الصادقة تكون باتباع طريقهم الناصع، لا بإضافة ما لم يقولوه أو تحميلهم ما برئت منه أفواههم وأفئدتهم.
الهوامش
- 1 أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب (الباقر): ولد بالمدينة المنورة سنة 56هـ، وهو تابعي جليل ومن أئمة العلم والفقه في آل البيت، اشتهر بتبحر العلم وتبقره فيه، والحديث، والتفسير، والعبادة والسيادة، سكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 114هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 402).
- 3 النهي عن سب الأصحاب، ص59 (16).
- 4 فضائل الصحابة للدارقطني، ص62 (36).
- 5 أنساب الأشراف (10/ 239).
- 6 فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (1/ 419/ 655).
- 7 صحيح وضعيف تاريخ الطبري (9/ 622).
- 8 سنن أبي داود (7/ 32/ 4630)، وقال: إسناده إلى سفيان الثوري، صحيح، ومحمد الفريابي، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (7/ 31) من طريق محمد بن سهل بن عسكر، عن محمد بن يوسف الفريابي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً