رفض الرشوة.. شجاعة أم حماقة اقتصادية؟

د. علي شيخون

20 سبتمبر 2026

19

يتضمن التصميم رسمًا لرجل يجلس خلف مكتبه ويرفض بيده مظروف أموال يقدمه له شخص آخر، مع خلفية تقسم المشهد بين الطبيعة والازدهار خلف الرافض، والظلمة والقيود خلف المقدم

رفض الرشوة.. شجاعة أم حماقة اقتصادية؟ 

يبدو السؤال للوهلة الأولى سؤالاً أخلاقياً محسوماً سلفاً بحيث يُستهجن طرحه على هذا النحو المتردد بين الشجاعة والحماقة ومن يطرحه بصدق يكون غالباً صادق الإيمان تماماً شخص رفض عمولة كانت ستُنجز له معاملة متعثرة منذ أشهر، أو تاجرٌ خسر عطاءً حكومياً لصالح منافسٍ دفع نسبته لموظف المشتريات، أو مقاولٌ شاهد مشروعاً بأكمله يذهب لغيره لأنه رفض أن يُسهّل الأمور بالطريقة المعتادة في سوقه.

وهؤلاء يعرفون حكم الرشوة الشرعي معرفة تامة، ويطرحون مع ذلك سؤالاً اقتصادياً محضاً لا علاقة له بالورع، هل كان قراري عقلانياً في سياقٍ يبدو فيه من حولي يربحون بالضبط من الفعل الذي امتنعت عنه؟ وهو سؤال يستحق إجابة تأخذ حسابه الاقتصادي على محمل الجد متجاوزةً مجرد استحضار الوعيد الأخروي والانصراف.

القرآن نفسه لم يتعامل مع الرشوة بوصفها معصية شخصية بين طرفين متراضيين، وإنما ربطها بمن يملك ولاية الفصل بين حقوق الناس، وأبرز صورها رشوة القضاء: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 188).

ولهذا الربط دلالة عميقة تتجاوز صورة القاضي وحده إلى كل من يشبهه في موقعه، ذلك أن كل صاحب قرار يفصل بين طرفين متنافسين على حق أو فرصة يتساويان فيها حاكمٌ مصغّر في دائرته تنطبق عليه العلة نفسها التي جعلت رشوة القاضي جريمة استثنائية لا تشبه سائر المعاصي المالية، فالآية تصف إفساداً لجهة الفصل التي وُجدت أصلاً لتصحيح الظلم إذا وقع، وسواء كانت هذه الجهة محكمة رسمية أو لجنة مناقصات أو مكتباً إدارياً صغيراً، فإن شراءها بعينها يُسقط المرجع الذي كان يُحتكم إليه حين يتكرر الفساد في موضع آخر.

وهذا ما يجعل المال المكتسب بالرشوة أياً كان موقع الآخذ مختلفاً في طبيعته عن أي مكسبٍ آخر ولو كان محرَّماً بصورة أخرى، فالمرابي مهما أثم ما زال يشتغل داخل معاملة تحمل شكل التبادل، بينما الراشي والمرتشي يعطّلان التبادل من أساسه، إذ يحوّلان القرار العادل إلى سلعة تُشترى بثمن، فيُحرم كل من لا يملك ذلك الثمن من حقه بصرف النظر عن عدالة موضوعه.

والحديث النبوي يضيف طبقة أعمق حين يسوّي في العقوبة بين طرفي المعاملة لعن الله الراشي والمرتشي وفي بعض رواياته إضافة الرائش، أي الوسيط الذي يمشي بينهما، ولهذه المساواة أثر يستحق تأملاً يتجاوز حفظ النص، فهي تغلق الباب أمام حكاية يروّجها كثيرون لأنفسهم حين يدفعون الرشوة، وهي أنهم مجرد ضحايا مضطرين لنظام فرضه عليهم غيرهم، الحديث يرفض هذا التبرير لأن كل من يدفع مهما بدا مكرهاً في لحظته يشارك في ترسيخ سعر ضمني للفساد يرتفع مع كل صفقة نجحت بالفساد، بحيث يصبح طالب الرشوة أكثر جرأة على طلبها فيتحول رفض فردٍ واحدٍ إلى مقاومة تسير عكس تيارٍ صنعه جزئياً كل من دفع قبله.

وهذا لا يعني أن الدافع والآخذ في منزلة أخلاقية واحدة فبينهما فارق كبير في الظلم المتحقق ابتداءً، لكنه يعني أن الدافع مساهم فعلي في استمرار الآلية التي يشكو منها وليس طرف محايد فيها.

أثر الرشوة على خراب العمران بين الفرد والجماعة

وهنا يصل السؤال إلى جوهره الاقتصادي، إذا كانت الرشوة تُضعف السوق ككل على المدى البعيد فلماذا تبدو رابحة للفرد على المدى القريب؟

والإجابة عن هذا السؤال تُستمد من مبدأ عام قرره ابن خلدون في المقدمة في فصله المعنون في أن الظلم مؤذن بخراب العمران وإن ضرب مثاله المباشر هناك بظلم السلطة في فرض الضرائب والمكوس الزائدة على ما تبيحه الشريعة، فإن المبدأ نفسه ينطبق بدقة على الرشوة، لأنها في جوهرها الاقتصادي ضريبة خفية يفرضها موظفٌ فاسد على كل معاملة تمر بين يديه، غير مقيدة بسقف ولا معروفة مقدماً، فيتماثل أثرها في نفوس التجار والمنتجين مع أثر المكوس تماماً حين يشعر التاجر أن جزءاً من ثمرة جهده سيُنتزع بغير حق قبل أن تصل معاملته إلى غايتها تضعف حوافزه على الاستثمار وينسحب من يملك خياراً إلى سوقٍ أقل ظلماً فتنكمش حركة الإنتاج والتبادل تدريجياً انكماشاً بطيئاً يخفى أثره في البداية عمّن يستفيد من الرشوة نفسه حتى تتقلص القاعدة الاقتصادية المُستَنزفة أصلاً فتنخفض معها حتى موارد الدولة الرسمية نفسها، لأن العمران الذي هو منبع كل نشاطٍ اقتصادي ومالي قد بدأ يخرب بفعل هذا الاستنزاف المتكرر.

والأخطر وفق المنطق نفسه الذي رصده ابن خلدون في انتقال الظلم من جيل إلى جيل أن الجهاز الإداري الذي يعتاد قبول الرشوة يورّثها لكل جيل لاحق من موظفيه حتى تختلط في وعيهم بما هو من مقتضيات العمل نفسه، فيتسارع الانحدار مع كل جيل يظن أن مزيداً من الابتزاز حلٌّ لا عرضٌ من أعراض الخلل، وهذا التسلسل هو الجواب عن سؤال لماذا يبدو الفعل الفردي مربحاً رغم أنه مدمّر جماعياً؟ لأن الكلفة الحقيقية لا تظهر في الصفقة نفسها ولا في الشهر نفسه إنما تتراكم في مكانٍ آخر من النظام وزمنٍ لاحق فيبدو كل فاعل بريئاً من أثر فعله لأنه لا يرى الحلقة التي يغلقها بيده.

حكمة الشريعة والعائد الحقيقي في رفض الرشوة

الشجاعة في الأخلاق الإسلامية الكلاسيكية لم تكن يوماً وصفاً لكل تحمّلٍ للخسارة أياً كانت ظروفه إنما  هي فضيلة وسطى بين طرفي إفراط وتفريط التهور من جهة والجبن من جهة أخرى، وهذا يحمل تحذيراً لمن يتحمس لفكرة الرفض المطلق كموقف بطولي جاهز في كل حال، إذ قد ينزلق هو نفسه إلى ضربٍ من التهور غير المحسوب وهو ما تنبّه إليه الفقهاء حين فرّقوا في تناولهم لحديث اللعن بين من يدفع المال ليتوصل به إلى باطل لا يستحقه فذاك آثم كالآخذ سواء بسواء، ومن يدفعه مضطراً ليستخرج به حقاً ثابتاً له أو يدفع عن نفسه ظلماً بيّناً تعطّلت دونه كل طريق مشروعة أخرى.

فينحصر الإثم في حالته في جانب الآخذ وحده، هذا التمييز يكشف أن الشريعة تطلب من الفرد فطنة تعرف متى يكون الثبات فضيلة تستحق كلفتها، ومتى يكون تعنتاً بلا طائل يضر بصاح  به ومن يعول دون أن يخدم مبدأً حقيقياً، أكثر مما تطلب منه بطولة عمياء تعامل كل موقف بالقسوة نفسها، والشجاعة الحقيقية بهذا المعنى هي القدرة على تمييز اللحظة التي يكون فيها الثبات استثماراً في مصلحة حقيقية عن اللحظة التي يتحول فيها الإصرار إلى عناد لا يخدم أحداً.

وتبقى الكلفة الحقيقية التي يدفعها من يرفض المشاركة في الباطل كلفة واقعية لا يُنكرها أحد: وظيفة تُفقد أو عطاء يُخسر أو مشروع يتعثر، لكن هذه الخسارة، على واقعيتها خسارة مؤقتة تقابلها مكاسب من طبقتين أحدها دائم وليس عابرا فكل اقتصاد يصل إلى لحظة تتغيّر فيها قواعد اللعبة حين يبلغ الفساد نقطة تجعل كلفته على الجميع أعلى من كلفة إصلاحه، تبحث المؤسسات فجأة عمّن تثق به فإذا هو نفسه من راكم سمعة الأمانة طوال سنوات الخسارة الظاهرة.

فمن يرفض الرشوة يرفع قضيته دون أن يشعر إلى محكمةٍ لا تُرشى ولا تُؤجَّل جلساتها ولا يُثقلها ازدحام القضايا، محكمة الوقت نفسه التي تصدر حكمها متأخراً دائماً ومنصفاً دائماً لمن بنى حسابه على الأمانة لا على الظرف العابر.

والثاني يظهر بأوضح صوره حين يُنظر إلى الرافض للأخذ عندما يُعرض عليه المال ويأباه يبقى جسده وماله على أصلهما الحلال، فيظل بعيداً عمّا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لكعب بن عجرة: لا يدخل الجنة لحم نبت من سحتٍ، النار أولى به والرافض للدفع يكسب معرفة صادقة عن نفسه لا تتزعزع، أنه ليس ممن تُشترى مبادئه وأن ما يعلنه من قيم هو بعينه ما تحركه يده حين يُختبر بخسارة حقيقيةً، وكلا الرافضين آخذاً أو دافعاً يحقق ما وصفته الآية بسلامة القلب التي لا يعادلها مالٌ ولا بنون يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ والقلب السليم هنا وصفٌ لحالة لم تنكسر، يحافظ عليها المرء في لحظة الرفض نفسها أقرب إلى صيانة شيء قائم منه إلى جائزة تُمنح لاحقاً لمن صبر، فالألم الذي يشعران به كل من موقعه هو الثمن الوحيد الذي لو لم يُدفع تفكك الداخل كله مهما نجحت الصفقة التي كانت ستُشترى به.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة