عبادة السرعة.. وآثارها المدمرة

د. أحمد عيسى

25 أكتوبر 2026

24

رسم_يعبر_عن_آثار_السرعة

صفة تقف وراءها نفس مندفعة، وانفعال متهور، وطيش أحمق، من مغباتها قتل الأبرياء، ومن أضرارها تفكك الأسر، ومن عواقبها العزلة، ومن آثارها الضغط العصبي، إنها صفة العجلة واستعجال الأمور، والسرعة والتعجل في اتخاذ القرارات، وعدم النظر في العواقب، فإذا صارت سلوكاً تحولت مرضاً مفسداً أو عبادة مهلكة.

مرض العجلة وهوس الوقت

اكتشف بعض الخبراء وجود نمط سلوكي يسمى «مرض العَجَلة» يتسم بالاستعجال المستمر، والشعور المزمن بضيق الوقت، والإفراط في أداء مهام متعددة في آن واحد، أعراضه الجسدية تسارع ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وتوتر العضلات، وصعوبة النوم، وأعراضه النفسية سرعة الانفعال والقلق والإحباط، وتؤدي التغيرات السلوكية إلى كثرة التحقق من الساعة، وتخطي فترات النوم والطعام لتوفير الوقت، وصعوبة الاسترخاء أو «فصل الذهن» عن ضغوط العمل(1).

وعن العَجَلة، قال عز وجل: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) (الإسراء: 11)، قال ابن عباس: ضَجِرًا لا صبر له على سرّاء، ولا ضرّاء، وقال سبحانه: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) (الأنبياء: 37)؛ والعَجَل: السرعة؛ أي خُلق عجولًا، يبادر الأشياء، ويستعجل بوقوعها، فالمؤمنون يستعجلون عقوبة للكافرين، فقال الله: «سأريكم آياتي»؛ في انتقامي ممن كفر بي، «فلا تستعجلون» ذلك (تفسير السعدي)، ومن عجلة الإنسان أنه يحب الدنيا العاجلة المنقضية الزائلة: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ {20} وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) (القيامة).

عصر السرعة

زجَّت بنا التكنولوجيا الرقمية ونماذج الذكاء الاصطناعي إلى عصر السرعة المفرطة، حيث يحدث كل شيء في غمضة عين، الرسائل تعبر العالم في ثوانٍ، والطعام وسيارة الأجرة يصلان إلى بابك بلمسة شاشة، مع سرعة إنجاز العمل والتعليم والتسوق والسفر والمعاملات المصرفية، لقد وفّرت التكنولوجيا يسرًا فوق الخيال، لكنّ خلفه جانبًا مظلمًا؛ فكل شيء يجب إنجازه الآن، فيصيبنا الإرهاق النفسي.

نشعر بالقلق عندما نضطر للانتظار، وخلاله فقدنا تعرّفنا بالغير، أو التأمل والتفكير، كان الصبر والأناة في الماضي هما مرآة للنضج والقوة النفسية، لكنهما الآن يتلاشيان وسط تيار الحياة السريعة، ويمتد التلاشي للعلاقات الاجتماعية، اعتدنا توقّع حدوث ما نطلبه من الزوج أو الزوجة أو الأب أو الآخرين في التو واللحظة، ونتوقع ردودًا فورية على رسائلنا، وإجابات آنية لأسئلتنا، وحلولًا سريعة لمشكلاتنا.

عبادة السرعة!

تظهر «عبادة السرعة» في منطق النظام الرأسمالي الذي يحافظ على وجوده بالإيقاع السريع المحموم، فعلى الناس أن تدمن العمل وتبتكر وتتنافس وتنتج وتكسب وتستثمر وتستدين وتستهلك وتنفق بأقصى سرعة(2).

وأشقى الناس من اتخذ إلهه هواه وشهوته، فيكون عمله كله لتحصيل هذه الشهوة، قال صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة» (رواه البخاري).

مع غزو الوجبات السريعة فقدنا أجواء مائدة الطعام، وبغزو الإنترنت فقدنا الحوار الأسري وجهًا لوجه، وفقدنا وقت الفراغ لذوبان الحدود بين العمل والراحة، تنزف هواتفنا وقتنا؛ البريد الإلكتروني، والرسائل النصية، وتدفق المعلومات والأخبار، كلها فتحت أبوابًا لا تغلق، وتركتنا في شبه يقظة قسرية، فوهنت قدرتنا على التكيف.

ثقافة العَجَلة

تغلغلت روح الاستعجال والاختزال لحياتنا، وانتشرت ثقافة قراءة النت السريعة، والوجبات السريعة، والتعلم السريع، والتدوين السريع، والإنتاج السريع للمحتوى، ونقل الأخبار السريع، والزواج السريع، والطلاق السريع، والتخسيس السريع، والاستشارة الطبية السريعة، وتغيير خلق الله والتجميل السريع، وجرائم النت السريعة.

وغفلنا عن الأضرار المترتبة على الاستعجال التي تفرض السطحية، وتجعلك تفقد مراجعة نفسك، وتفقد تواصلك وتفاعلك وواجباتك تجاه أسرتك والآخرين، فالسريع مشغول دائمًا ومُجهد وضَجِر، لا يهتم إلا بالتخلص من حِمله.

صور الاستعجال المذموم

الاستعجال في الحكم على الأشخاص والجهات، وفي تصديق الأخبار ونشرها قبل التثبت من صحتها، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)؛ التبيّن أي التعرّف والتفحّص، بأناة وعدم عجلة.

استعجال بعض الدعاة والشباب المتحمس التمكين وإصلاح الناس وتغيير واقعهم، شكا الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: «ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟»، فعرّفهم ما عاناه المؤمنون قبلهم، وبشّرهم بالنصر، وقال: «ولكنكم تستعجلون».

استعجال إجابة الدعاء، قال صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي» (رواه البخاري)، فلا تيأس من الإجابة فستأتيك؛ وأظهر الافتقار لله والاستسلام.

الاستعجال في تحصيل العلم الشرعي، فبعض الطلاب يستعجلون الإمامة والتصدر للفتوى، بالمختصرات، والوجبات العلمية السريعة.

الاستعجال والسرعة المفرطة في قيادة السيارات والدراجات النارية بين الشباب، أودت حوادث المرور بحياة 1.16 مليون شخص عام 2025م، والإصابات الناجمة عنها تمثل السبب الرئيس للوفاة بين الأطفال والشباب، ومع انتشار تطبيقات خدمات التوصيل، تضاعف عدد الدراجات النارية، وأصبح سائقوها يمثلون ثلث وفيات الحوادث في العالم(3).

الترياق

العلاج بالصفة الأخرى المضادة للعجلة؛ تتحلى بها نفسٌ حليمة، ووقار متمهل، وتثبت رزين، تؤدي إلى السلامة من الخطأ والندم، وإلى جودة وصواب القرارات، وكسب الاحترام والثقة، والهدوء النفسي والطمأنينة، إنها صفة التأني، والمتأني متأمل وصبور ومنفتح، وهادئ، يتقن عمله، وتراه سهلًا لينًا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان» (حسَّنه الألباني)؛ أي التأني مما يرضاه الله ويثيب عليه، والعجلة من الشيطان لأنه الحامل عليها بوسوسته، وهي خفة وطيش وحدّة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم.

الأناة وصورها

الأناة تعني الحلم، والوقار، والتثبت، وتأَنَّى بمعنى ترفّق، وتمهّل، ومكث ولم يعجل، فعن زارع بن عامر بن عبد القيس قال: لما قدمنا المدينة، فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبّل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله، وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عيبته (مستودع ثيابه) فلبس ثوبيه (مستحسنًا لأحسن ثيابه)، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «إن فيك خُلَّتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (صحيح أبي داود).

والأناة مطلوبة في العلماء وذوي الرأي إذا تكلموا أو كتبوا أو نصحوا، أو سُئلوا عن حكم شرعي، ومطلوبة منا جميعًا في كل تعاملاتنا، فلا نتسرع في أخذ القرارات التجارية والاستثمارية، أو الرد على المسيء، ولا نستسلم للانفعال.

ومطلوبة من الشاب المتقدم للزواج، ومن الفتاة وأهلها، ألا يتسرعوا في إبرام الأمر؛ بل عليهم البحث والتثبت من صلاحية الاختيار.

ومطلوبة من الزوجين، فإذا حدث خلاف فليُعالَج بالأناة، والصبر، والحوار، وقد يعمد الرجل المتسرع الغضبان إلى إيقاع الطلاق دون تبصر لعواقب الأمر، ثم يندم.

ومطلوبة من القاضي فيسمع حجج الخصمين ويدرس الأدلة، ولا يستعجل الحكم، ومطلوبة، كذلك، من الحكام فلا يستعجلون الحرب أو السلام أو الحياد، بل التأني لإدراك مصلحة الشعوب.

وما أصدق قول ابن حبان في «روضة العقلاء»: «العَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم، والعَجِل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة».

الهوامش
  • 1 Reach Link, Understanding Hurry Sickness And Feeling Rushed Impacts, 22/1/2026.
  • 2 بي بي سي، ضدّ «عبادة السرعة»: لماذا علينا أن نبطئ؟ 15/ 11/ 2025م.
  • 3 أخبار الأمم المتحدة، انخفاض وفيات حوادث المرور رغم إضافة مليار مركبة إلى طرق العالم، 20/ 7/ 2026م.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة