حين يكلّف الورع كلمة ودرهماً.. أبو وائل شقيق بن سلمة

عبدالله السيد

30 أغسطس 2026

162

تصوير رمزي لعالم من علماء الكوفة في العصر الإسلامي المبكر

روى الذهبي في ترجمته لشقيق بن سلمة الأسدي الكوفي(1)، أن أبا وائل كان إذا صلى في بيته ينشج نشيجًا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله.

وقال: كان إبراهيم التيمي يُذكر في منزل أبي وائل، وكان أبو وائل ينتفض انتفاض الطير.

وكان لأبي وائل خصٌّ من قصب، يكون فيه هو وفرسه، فإذا غزا نقضه وتصدق به، فإذا رجع أنشأ بناءه.

وقال أبو وائل: «شهدت صفين، وبئست الصفون كانت»، وقيل له: أيهما أحب إليك، عليّ أو عثمان؟ فقال: «علي، ثم صار عثمان أحب إلي».

وقال أبو وائل شقيق بن سلمة: استعملني ابن زياد على بيت المال، فأتاني رجل بصك أن أعطي صاحب المطبخ ثمانمائة درهم، فكلمت ابن زياد في الإسراف، فقال: «ضع المفاتيح واذهب».

وقال الذهبي: «قد كان هذا السيد رأسًا في العلم والعمل».

ومما رواه أبو وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك»(2).

ومات أبو وائل بعد وقعة الجماجم سنة اثنتين وثمانين.

لا تعرض هذه الأخبار رجلًا عاش بعيدًا عن حركة التاريخ، بل تكشف عن شخصية تشكلت في قلب زمن مضطرب، ثم احتفظت لنفسها ببوصلة أخلاقية لا تتبدل بسهولة بتبدل الحكام والخصومات، فأبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي من المخضرمين؛ أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وروى عن عدد كبير من كبار الصحابة، وعدَّه أهل العلم من أئمة الكوفة وثقاتها، حتى قال ابن معين فيه: «ثقة، لا يسأل عن مثله».

ومن هذه المسافة الزمنية الطويلة بين الجاهلية والفتن الكبرى والحكم الأموي تتضح قيمة سيرته: لم تكن أخلاق أبي وائل أفكارًا صيغت في زمن هادئ، وإنما اختُبرت حين كان الغضب السياسي، والمال، والمنصب، والانقسام الاجتماعي، وحب الظهور، أبوابًا مفتوحة للاختبار.

لماذا رفض أبو وائل سب الحجاج رغم ظلمه

أشد مواقف النص إثارة للتأمل قول أبي وائل شقيق بن سلمة للزبرقان، وقد أخذ يسب الحجاج ويعدد مساوئه: «لا تسبه؛ وما يدريك لعله قال: اللهم اغفر لي، فغفر له»(3).

ليس في هذه العبارة تزكية للحجاج، ولا محو لما وقع في عصره من ظلم ودماء، كما لا يصح تحويلها إلى قاعدة تمنع بيان الباطل أو نقد تصرفات أصحاب السلطة، إنما الذي يظهر من سياق سيرة أبي وائل أنه كان يفرّق بين الحكم على الفعل وبين إطلاق اللسان في الشخص، ويؤكد هذا المعنى ما رواه عاصم بن أبي النجود عنه: «ما سمعت أبا وائل سب إنسانًا قط، ولا بهيمة».

هنا يتجاوز الورع مجرد الصمت؛ إنه تربية للنفس على ألا تجعل الخصومة السياسية مبررًا لانهيار الضوابط الأخلاقية، فالقرآن، حين نهى عن الغيبة، لم يجعل موافقة الإنسان لنا شرطًا لحفظ اللسان، فقال تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (الحجرات: 12)، كما أن العدل لا يسقط مع شدة البغض: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8).

وهذا من المعاني التي تشتد الحاجة إليها في زمن الإعلام المفتوح؛ إذ يمكن للمرء أن يبدأ بمناقشة قرار أو نقد سياسة، ثم تنقله حرارة الجماعة شيئًا فشيئًا إلى التشفي، والسخرية، والاتهام فيما لا يعلم، والموقف الذي يمثله أبو وائل يعيد ترتيب السؤال: ليس المهم فقط أن تكون قضيتك عادلة، بل أن تبقى أنت عادلًا وأنت تدافع عنها.

وقوله: «لعله قال: اللهم اغفر لي، فغفر له» يفتح بابًا آخر في التربية: أن الحكم الأخير على السرائر والمصائر لله تعالى، قد نعرف خطأ الإنسان، وقد يجب إنكار فعله، لكننا لا نملك خزائن الرحمة ولا نعلم ما يقع بين العبد وربه، وحين يستقر هذا المعنى في القلب، يقل اندفاع الإنسان إلى لعب دور القاضي على المصائر، ويزداد اشتغاله بإصلاح نفسه.

ويظهر هذا الورع نفسه في موقف الربيع بن خثيم رحمه الله، حين نُعي إليه الحجاج بن يوسف، فلم يجعل موته مناسبة للتشفي أو إطلاق اللسان، وإنما كفّ لسانه(4) وتلا قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (الزمر: 46).

فكأن موقفه ينقل الإنسان من الانشغال بالمصير إلى الانشغال بالعدل؛ قد يُنكر الظلم ويبين الخطأ، لكنه لا يجعل الخصومة مبررًا للشماتة أو انتهاك اللسان، وهذه منزلة من ضبط النفس حين تكون الفرصة مهيأة للانفعال.

حين يصبح الخفاء شرطًا لحماية صدق النية

في الجهة المقابلة تمامًا لعالم الصراع والجدل يظهر أبو وائل في بيته، يصلي وحده وينشج من البكاء، ثم تأتي العبارة الكاشفة: لو أعطي الدنيا كلها على أن يفعل ذلك وأحد يراه ما فعله.

إنها صورة دقيقة للإخلاص؛ فالمشهد الذي قد يكون مصدر مكانة اجتماعية لصاحبه لو ظهر للناس، كان أبو وائل يحميه من أعينهم، لم يكن المطلوب مجرد العمل الصالح، وإنما إبقاء مساحة في القلب لا يدخلها طلب المنزلة عند الخلق.

ويتصل بذلك قوله تعالى في وصف المؤمنين: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60)، فالعمل عند أهل الإيمان لا ينتهي بإتمامه؛ بل يبقى بعده خوف القبول، ومراقبة النية، والحذر من أن تستولي رؤية الناس على موضع كان ينبغي أن يكون لله.

ووصف مغيرة له بأنه كان «ينتفض انتفاض الطير» حين يُذكر إبراهيم التيمي في منزله يضيف إلى الصورة بعدًا آخر: العلم والتذكير عند هؤلاء لم يكونا معلومات باردة؛ كان للمعنى أثر في الوجدان والجوارح، ومع ذلك ينبغي قراءة مثل هذه الأخبار باعتبارها وصفًا لحال شخص بعينه، لا معيارًا يلزم أن تتشابه فيه أحوال الناس أو مظاهر خشوعهم.

وفي واقع تتداخل فيه العبادة بالتصوير، والعمل الخيري بالإعلان، والإنجاز المهني بالترويج المستمر للذات، تصبح الحاجة إلى «رصيد خفي» أشد، فالإنسان الذي لا يملك شيئًا يفعله بعيدًا عن أعين الناس قد يصبح، من حيث لا يشعر، أسيرًا لتقييمهم، أما العمل الخفي فيعيد للنفس استقلالها: أفعل لأن الفعل حق، لا لأن الجمهور سيراني أفعله.

حين تكلف صيانة الأمانة التخلي عن المنصب

ويتغير المشهد من محراب البيت إلى بيت المال، فقد استعمل ابن زياد أبا وائل عليه، ثم جاء صك بصرف ثمانمائة درهم لصاحب المطبخ، فلم تمر المعاملة عنده كإجراء روتيني؛ بل ذهب يناقش ابن زياد في الإسراف، وكانت النتيجة أن قيل له: «ضع المفاتيح واذهب».

وترد القصة بتفصيل أوسع في السنن الصغير للبيهقي، وفيها احتجاج أبي وائل شقيق بن سلمة بما عرفه من شدة احتياط عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أموال المسلمين.

قيمة الموقف ليست في رقم «ثمانمائة» مجردًا؛ فالمال تتغير قيمته بحسب الأزمنة والظروف، ولا يصح بناء حكم اقتصادي معاصر على الرقم نفسه، الدلالة الأهم أن أبا وائل لم يتعامل مع المال العام باعتباره مالًا بلا صاحب، ولم يرَ وظيفته مجرد تنفيذ لما يأتيه من أعلى، كان يرى أن الأمانة تحمل صاحبها مسؤولية السؤال والاعتراض حين يرى تجاوزًا.

وهذا المعنى مؤصل في السنة؛ فعن خولة الأنصارية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة»(5).

ولذلك، فإن النزاهة المؤسسية لا تبدأ من اللوائح وحدها، بل من إنسان يشعر أن توقيعه مسؤولية، فقد تكون المخالفة في مؤسسة حديثة أمر شراء، أو اعتماد فاتورة، أو انتفاعًا غير مستحق، أو مجاملة لصاحب نفوذ، وفي كل هذه الصور يظهر السؤال نفسه الذي ظهر أمام أبي وائل: هل المنصب وسيلة لحماية الأمانة، أم تتحول الأمانة إلى ثمن للاحتفاظ بالمنصب؟

عندما انتهى اعتراضه بخروجه من العمل، خسر أبو وائل الموقع ولم يخسر معيارَه، وهذه صورة مهمة من صور الشجاعة الأخلاقية: ليست الشجاعة دائمًا في البقاء والمواجهة إلى النهاية؛ فقد تكون أحيانًا في رفض أن يعطي الإنسان اسمه وضميره لقرار لا يراه حقًا.

لماذا رفض شقيق بن سلمة هدايا ابنه القاضي؟

وتبدو دقة أبي وائل شقيق بن سلمة في التعامل مع أبواب المال في موقف منزلي صغير: أوصى جاريته ألا تقبل شيئًا يأتي به ابنه يحيى، بينما تقبل ما يأتي به أصحابه، ويذكر الراوي مباشرة أن يحيى كان قاضيًا على الكناسة.

لا يقدم الخبر تعليلًا صريحًا بلسان أبي وائل لسبب التفريق، ولذلك لا ينبغي الجزم بدافع لم يذكره النص، غير أن مجاورة الخبرين تفتح بابًا ظاهرًا لفهم احتياط الرجل من الأموال المتصلة بالوظيفة والنفوذ، ولا سيما مع سيرته في بيت المال.

وهذا المعنى له أصل واضح في السنة في شأن هدايا الوظائف؛ فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عامل الصدقة الذي قال عن بعض ما جاء به: هذا أهدي إلي، وقال له بمعنى بالغ الدلالة: «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك»(6) ليرى هل ستأتيه الهدية لذاته أم بسبب الوظيفة.

ومن هنا يلتقي الورع القديم مع مفهوم معاصر شديد الأهمية: تضارب المصالح، فقد لا تكون كل هدية رشوة صريحة، لكن مجرد وجود علاقة وظيفية تجعل الإنسان مطالبًا بمزيد من الاحتياط، وفي المؤسسات والأعمال العامة لا تكفي نزاهة القرار في باطن صاحبه؛ بل ينبغي كذلك حماية القرار من مواطن الشبهة والتأثير الخفي.

مرارة تجربة الفتنة ورفض الارتهان للشعارات الحزبية

شهد أبو وائل شقيق بن سلمة صفين، وحين سئل عنها لم يقدم خطابًا بطوليًا يمجد التجربة، بل قال: «نعم، وبئست الصفون كانت».

هذه الكلمات القليلة تحمل ذاكرة رجل رأى الفتنة من داخلها، ومن الخطأ أن يُحمّل هذا الجواب أكثر مما يحتمل، أو أن يُستخرج منه حكم تفصيلي على أطراف الحدث كله؛ لكنه يكشف بلا شك عن مرارة التجربة في نفس شاهدها.

والأكثر دلالة أن الرواية نفسها تنقل تحول ميله الشخصي بين علي وعثمان رضي الله عنهما، وليس المقصود من استحضار ذلك فتح باب الموازنة بين الصحابة، وإنما ملاحظة أن أبا وائل لم يقدّم نفسه سجينًا لموقف حزبي جامد، لقد عاش زمنًا كانت فيه الأسماء الكبيرة جزءًا من استقطاب سياسي واجتماعي حاد، ومع ذلك بقيت تجربته أوسع من شعار واحد.

وتتجلى مرارة التجربة وآثارها في موقف الزبير بن العوام رضي الله عنه، حين قال بعد وقوع الفتنة: «إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (الأنفال: 25)، لم نكن نحسب أنا أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت»(7).

فالإنسان قد يقرأ عن الفتنة ويحذر منها، لكنه حين يعيشها يدرك أن خطرها أعمق مما يتصور، ولذلك لا تكون قيمة التجربة في تفاصيلها وحدها، بل في قدرتها على إيقاظ المراجعة والاتعاظ، حتى يتحول ألم الماضي إلى وعي يحفظ الناس من تكرار أسبابه.

وفي المجتمعات المستقطبة تميل الجماعات إلى مطالبة الإنسان بولاء كامل لسرديتها: أن يحب من تحب، ويكره من تكره، ويكرر تفسيرها للتاريخ دون مراجعة، أما التجربة الناضجة فتسمح لصاحبها بأن يتعلم، وأن يعيد النظر، وأن يدرك أن الأحداث المركبة لا تختصر دائمًا في ثنائية مريحة.

ولهذا كان قوله عن صفين أبلغ من تحليل طويل: الذي يدخل الفتنة ليس كالذي يقرؤها بعد قرون، ومن الحكمة عند تناول تاريخ المسلمين أن نجمع بين معرفة الوقائع، وحفظ مقامات الصحابة، والابتعاد عن تحويل المآسي القديمة إلى وقود لخصومات جديدة.

قصة بيت القصب الذي صان حرية صاحبه

كان لأبي وائل شقيق بن سلمة خص من قصب يكفيه وفرسه؛ فإذا خرج للغزو نقضه وتصدق به، فإذا عاد بناه من جديد.

صورة شديدة البساطة، لكنها لا تدعو إلى تمجيد الفقر لذاته، ولا تجعل رداءة المسكن فضيلة مستقلة، القيمة التي تكشفها هي خفة التعلق، فالشيء الذي يستطيع صاحبه أن يفككه ويتصدق به ثم يعيد بناءه لم يتحول إلى قيد نفسي يشل حركته.

والقرآن لا يحرم طيبات الحياة، لكنه يعيد ضبط موقعها من القلب: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد: 23)، فالمشكلة ليست أن يمتلك الإنسان بيتًا أو مالًا، وإنما أن يمتلكه البيت والمال؛ فيصبح قراره، وعلاقاته، ومبادئه، كلها خادمة للخوف من فقدان ما جمع.

ويبدو هذا المعنى متصلًا اتصالًا عميقًا بموقف أبي وائل في بيت المال، فالذي خف تعلقه بما في يده يكون أقدر على قول «لا» حين يهدده المنصب أو الراتب، أما من بنى حياته كلها على مستوى لا يستطيع النزول عنه، فقد يصبح استقلاله الأخلاقي أضعف مما يظن.

وهكذا لا يظهر الزهد في هذه السيرة عزلة عن الحياة، وإنما قدرة على الحركة داخلها دون أن تستولي الأشياء على صاحبها.

وتتجلى خفة التعلق بالمال في موقف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، حين قدمت له تجارة عظيمة من سبعمائة راحلة تحمل الطعام، فتصدق بها جميعًا بأحمالها وأقتابها في سبيل الله(8).

ولم تكن القيمة في مجرد كثرة ما أنفق، وإنما في أن المال بقي في يده لا في قلبه؛ فامتلاك الثروة لم يسلبه حريته، ولم يجعله أسيرًا للخوف من فقدها، وهنا تكتمل صورة الزهد: أن يملك الإنسان المال دون أن يملكه المال، فيبقى قادرًا على الإنفاق والعطاء واتخاذ الموقف الذي يرضي الله.

المراقبة الذاتية كجذر جامع لكافة الفضائل الأخلاقية

للوهلة الأولى تبدو أخبار أبي وائل شقيق بن سلمة متفرقة: رجل يمنع سب الحجاج، ويبكي في بيته، ويرفض مالًا يأتيه من ابنه القاضي، ويسكن خصًا من قصب، ويعترض على نفقة من بيت المال، ويتألم من ذكر صفين.

لكن جمعها يكشف عن أصل واحد: مراقبة الداخل قبل محاولة السيطرة على الخارج.

فمن يراقب قلبه يخشى الرياء، ومن يراقب لسانه لا يستبيح خصمه، ومن يراقب يده يحتاط للمال، ومن يراقب علاقاته يحذر أبواب الشبهة، ومن يراقب تعلقه بالدنيا يسهل عليه ترك المنصب حين يراه مؤذيًا لمبدئه.

ولهذا وصفه الذهبي بأنه كان «رأسًا في العلم والعمل»، وهي عبارة تختصر القيمة الكبرى في ترجمته: لم يكن العلم عنده منفصلًا عن البناء الخلقي، والمصادر نفسها تذكر أن عمرو بن مرة سأل عن أعلم أهل الكوفة بحديث ابن مسعود، فكان الجواب: أبو وائل، كما نقل إبراهيم النخعي مكانته بين خيار من أدركهم.

ويبلغ هذا المعنى صورته الأوسع في شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ لم تكن التقوى عنده محصورة في العبادة الفردية، بل امتدت إلى كل ما استُرعيه من مسؤوليات، ومن شدة استشعاره للمحاسبة قال: «لو عثرت بغلة بالعراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لمَ لمْ تسوِّ لها الطريق يا عمر»(9).

فالمراقبة الحقيقية هي التي تتجاوز حدود النفس إلى كل أثر يتركه الإنسان فيمن حوله؛ فيراقب قوله وفعله، وما تحت يده من مال، وما تحمله من مسؤولية، وحين يستقر هذا الشعور، يصبح العلم سلوكًا، والتقوى مسؤولية، والمبدأ حاضرًا حتى في التفاصيل التي قد يراها الناس صغيرة.

وهنا تظهر إحدى مشكلات التربية الحديثة حين تكثر المعلومات وتقل الصلة بين المعرفة والسلوك، يمكن للإنسان أن يحفظ عشرات النصوص في النزاهة ثم يبرر لنفسه مخالفة صغيرة، وأن يتحدث طويلًا عن الإخلاص ثم لا يحتمل أن يعمل دون ثناء، أما النموذج الذي تقدمه هذه الترجمة فيعيد وصل العلم بالعادة اليومية؛ فلا تظهر قيمة المبدأ حقًا إلا حين يكلف صاحبه شيئًا.

أثر القرارات اليومية الصغيرة في تشكيل المصير

تنتهي هذه المجموعة من الأخبار بحديث رواه أبو وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك»(10).

ووضع هذا الحديث بجوار أخبار حياته يمنح السيرة مفتاحًا بديعًا لفهمها، فالإنسان لا يصنع مصيره الأخلاقي في القرارات الضخمة وحدها؛ قد يكون الطريق إلى الجنة أو النار في كلمة يقولها عن خصم، أو توقيع يضعه على مال، أو هدية يقبلها، أو نية يخفيها وراء عبادة، أو موقف يتراجع عنه حفاظًا على منصب.

«شراك النعل» شيء قريب جدًا من الإنسان، وكذلك أراد الحديث أن يصنع شعورًا بالقرب: لا تجعل الآخرة قضية بعيدة مؤجلة إلى آخر العمر؛ إنها تتشكل من اختيارات الحاضر الصغيرة.

وتتأكد هذه الفكرة في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أثر الأعمال الصغيرة، فقال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة»(11)، فالمعيار ليس دائمًا في ضخامة الفعل، وإنما في أثره وموقعه من ميزان العبد.

ومن هنا تتضح قيمة التفاصيل اليومية في حياة أبي وائل شقيق بن سلمة؛ فكلمة يمسكها، ومال يتورع عنه، وصدقة يقدمها، قد تكون في ميزان الآخرة أعظم من صورتها الظاهرة، ولذلك فإن بناء المصير يبدأ من اختيارات صغيرة تتكرر كل يوم.

ما الشيء الذي يملك شراء موقفك ومبادئك؟

تكمن راهنية هذه السيرة في أنها تتناول مشكلات لا يغير جوهرها اختلاف الأزمنة: الاستقطاب الذي يفسد اللسان، والشهرة التي تهدد الإخلاص، والمنصب الذي يضغط على الضمير، والمال الذي يختبر النزاهة، والعلاقات التي قد تتداخل مع المصلحة، والممتلكات التي قد تتحول من نعمة إلى قيد.

في الأسرة، يمكن أن يبدأ تطبيق هذه المعاني بتربية الأبناء على أن الخصومة لا تبيح الشتيمة، وفي التعليم والدعوة، بتخصيص أعمال لا تُعرض ولا تُعلن، وفي الوظيفة، بوضوح الحدود بين المال الشخصي والمال المؤسسي، وبين الهدية البريئة والمصلحة المؤثرة، وفي الإدارة، بإيجاد بيئة يستطيع فيها الموظف الاعتراض على الإسراف دون أن يصبح الصمت هو الطريق الوحيد للأمان المهني.

أما على مستوى الفرد، فربما يكون السؤال الأهم الذي تتركه هذه الترجمة: ما الشيء الذي إذا تعارض مع مبدئي لم أعد قادرًا على تركه؟ منصب؟ مال؟ صورة اجتماعية؟ جمهور؟ علاقة نافذة؟

كلما قلَّ عدد الأشياء التي تستطيع أن تشتري صمت الإنسان أو تغير معاييره، ازداد نصيبه من الحرية الداخلية، وهذه الحرية هي التي تفسر كيف استطاع رجل يعيش في قلب عراق الفتن أن يبقى شديد الحساسية لكلمة من لسانه، ودرهم من بيت المال، ونظرة بشر تقع على عبادته.

إن أجمل ما يمكن أن يخرج به القارئ من هذه الترجمة ليس تقليد صورة تاريخية في تفاصيلها، وإنما استعادة ميزانها: أن تكون المبادئ حاضرة عندما تصبح مكلفة.

فذلك هو الامتحان الحقيقي للنزاهة؛ لأن كثيرًا من الناس يستطيع أن يحب الحق ما دام لا يطالبه بشيء، أما أبو وائل شقيق بن سلمة فتروي أخباره أن الحق عنده كان قادرًا على أن يضبط كلمة، ويخفي دمعة، ويرد مالًا، ويفقد منصبًا.

الهوامش
  • 1 شقيق بن سلمة الإمام الكبير شيخ الكوفة، أبو وائل الأسدي أسد خزيمة الكوفي، مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وما رآه.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص 165-166.
  • 3 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج8، ص5435.
  • 4 سير أعلام النبلاء، ج4، ص259 (ترجمة الربيع بن خثيم).
  • 5 رواه البخاري (3118).
  • 6 رواه البخاري (6979).
  • 7 سير أعلام النبلاء، ج1، ص57.
  • 8 المرجع السابق، ج1، ص76.
  • 9 البداية والنهاية، ج9، ص170.
  • 10 أخرجه البخاري (6488).
  • 11 رواه البخاري، ومسلم.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة