ميراث الهداية لا المتاع
لماذا جعل هرم بن حيان القرآن وصيته الباقية؟
أورد الذهبي عن
حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ: قِيْلَ لِهَرِمِ بنِ حَيَّانَ العَبْدِيِّ: أَوْصِ، قَالَ:
قَدْ صَدَقَتْنِي نَفْسِي، وَمَا لِي مَا أُوْصِي بِهِ، وَلَكِنْ أُوْصِيْكُم
بِخَوَاتِيْمِ سُوْرَةِ «النَّحْلِ»، وعَنِ الحَسَنِ، عن هرم: أنه قيل له: أوصنا، فَقَالَ:
أُوْصِيْكُم بِخَوَاتِيْمِ سُوْرَةِ «البَقَرَةِ»(1).
ليس هذا الموقف
مجرد خبر في ترجمة أحد الزهاد من التابعين، وإنما مشهد مكثف يكشف عن تصور كامل
لمعنى الإنسان، ومعنى القيادة، ومعنى ما يبقى بعد الرحيل، فحين طلب الناس من هرم بن حيان وصيته لم يقدّم لهم قائمة من الممتلكات، ولم يبحث عن أثر اجتماعي يخلّد
اسمه، وإنما أعاد تعريف الميراث نفسه؛ فالميراث عند أهل البصيرة ليس ما تتركه
اليد، بل ما تتركه الروح من هداية ومعنى.
وهذه القراءة لا
تنظر إلى الموقف بمعزل عن سياقه؛ فهرم بن حيان من عبَّاد التابعين المعروفين
بالزهد والجد في الطاعة، وقد عاش في جيل كانت فيه الأمة تنتقل من مرحلة التأسيس
الأولى إلى مرحلة اتساع الدولة وتنوع الأحوال الاجتماعية، فكانت الحاجة قائمة إلى
نماذج تعيد ضبط ميزان القيمة بعيدًا عن وفرة المال والجاه.
الصدق الداخلي ومصارحة النفس عند هرم بن حيان
قول هرم بن حيان: «قد
صدقتني نفسي» من أبلغ العبارات في تصوير علاقة الإنسان بذاته، لم يقل: لم يبق لي
شيء، أو لم أجد ما أعطيكم، بل عبّر عن حالة من المصارحة الداخلية؛ فقد وصلت نفسه
إلى مرحلة لم تعد فيها تخفي عنه حقيقة موقعه ووضعه.
وتتجلى أسمى
مراتب الصدق والمصارحة الداخلية مع النفس في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين
عاد من غار حراء بعد نزول الوحي أول مرة، فكان صادقاً وشفافاً في التعبير عن حالته
النفسية وتجرده من أي كبرياء بشري مصطنع أمام زوجته خديجة رضي الله عنها، حيث قال
لها بعد أن أخبرها الخبر: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»(2).
كما يظهر الصدق
الداخلي مع النفس في مصارحة علي بن الحسين لنفسه وتجرده من حظوظها حين جاءه رجل
فشتمه، فلم يكابر أو يدافع عن كبرياء زائف بل قال: «يا هذا، إن كان ما قلت فيّ
حقاً فغفر الله لي، وإن كان ما قلت فيّ باطلاً فغفر الله لك»(3).
وفي واقع
الإنسان المعاصر، حيث يكثر بناء الهوية حول الممتلكات والمكانة والصورة
الاجتماعية، تظهر قيمة هذا الموقف؛ فالإنسان الذي لا يستطيع مواجهة نفسه بصدق قد
يمتلك أشياء كثيرة، لكنه يفتقر إلى أهم ملكة: معرفة حقيقته أمام الله.
لماذا اختار هرم بن حيان الوصية بخواتيم «النحل» و«البقرة» تحديدًا؟
عندما قال هرم بن حيان: «وما
لي ما أوصي به» لم يكن ذلك إعلانًا عن فراغ، بل كان انتقالًا من مفهوم الثروة
المادية إلى الثروة المعنوية، لقد رأى أن أعظم ما يملكه يمكن أن يمنحه للناس هو ما
يربطه بالوحي.
ولهذا اختار
خواتيم سورة «النحل» وخواتيم سورة «البقرة»؛ لأنهما تحملان معاني جامعة تتصل بحياة
المؤمن؛ الدعوة، والصبر، والإحسان، والإيمان، والتسليم، وطلب العون من الله.
ففي خواتيم سورة
«النحل» يقول الله تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {125}
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ
لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ {126} وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ
وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ {127} إِنَّ
اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل)، وهي آيات ترسم منهج التعامل مع الناس؛ حكمة في الخطاب،
وصبر في الطريق، واستمداد للقوة من الله.
وفي خواتيم سورة
«البقرة» يأتي إعلان الإيمان، والافتقار إلى الله، والدعاء برفع المشقة والمغفرة
والنصر: (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي
الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ
اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ {284} آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ
نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ {285} لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً
إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ
تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا
إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ
تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة).
ومن هنا يظهر أن
هرمًا لم يختر آيات عابرة، بل اختار نصوصًا تصلح أن تكون دستورًا مختصرًا لمسيرة
الإنسان.
كيف تصنع القيادة الراشدة أتباعًا مرتبطين بالمبادئ؟
من أعمق
الدلالات القيادية في موقف هرم بن حيان أنه لم يجعل رحيله سببًا لتعلق الناس به،
بل وجّههم إلى الأصل الذي لا يرحل، وهذه من أعظم خصائص القيادة الراشدة أن يبقى
المنهج بعد غياب صاحبه.
وقد أعلن ذلك
أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين اختلف الناس عند موت النبي صلى الله عليه وسلم،
حيث أعلن وجوب الارتباط بالمبدأ لا بالأشخاص، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها
الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي
لا يموت، ثم تلا هذه الآية: (وَمَا
مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ
أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى
عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل
عمران: 144)»(4).
والناظر في واقع
الناس يجد أن كثيراً من الشخصيات تنجح في صناعة أتباع مرتبطين بها، لكنها تفشل في
صناعة أتباع مرتبطين بالقيم، أما القيادة المستنيرة فوظيفتها أن تنقل الناس من
الاعتماد على الفرد إلى الالتزام بالمبدأ.
وهذا المعنى
حاضر في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن العلماء ورثة الأنبياء، فقد جاء في
الحديث: «إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ
يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ
أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»(5)؛ فالقيمة الباقية ليست في
المتاع، وإنما في العلم والهداية.
ويؤكد ذلك ما
جاء في وصية عمر بن عبد العزيز الجامعة التي يربط فيها الناس بالمبدأ الأصيل، حيث
خطب الناس قائلاً: «أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى
الله عز وجل خلف»(6).
إنها وصية تؤسس
لفكرة الارتباط بالمبادئ العليا والقيم الكبرى، دون النظر إلى الأشخاص الزائلون.
والناظر في
التراث الإسلامي العظيم يجد أن منهج أئمة الحديث والمؤرخين الأوائل كان عظيماً في
الدقة العلمية، وقد ارتكزوا فيه على قيمة الارتباط بالمبادئ لا بالأشخاص، حيث
ربطوا الأمة بمبدأ «السند» والتوثيق المنهجي بدلاً من الاعتماد على الأفراد من غير
تمحيص، حيث دفعتهم الأمانة إلى ألا يعتبروا المعلومات جديرة بالثقة ما لم تأتِ
بالنقل المباشر والسماع الشخصي عن أصحابها العارفين بها(7).
وفي مؤسسات
اليوم، سواء كانت أسرية أو تعليمية أو دعوية، يبقى السؤال القيادي الأهم: هل نترك
بعدنا أشخاصًا متعلقين بنا، أم نترك منظومة قيم قادرة على البناء والاستمرار؟
كيف لخص هرم بن حيان تجربة حياته؟
تميز كلام هرم
بقوة الاختصار؛ فالجملة القصيرة «قد صدقتني نفسي» تختزل رحلة طويلة من المجاهدة
والمراجعة، كما أن الإحالة إلى خواتيم سور محددة تختزل منهجًا تربويًا كاملًا.
وهذه البلاغة
ليست مجرد جمال لغوي، بل هي فقه في اختيار الرسائل، فالإنسان في لحظات التحول
الكبرى لا يحتاج دائمًا إلى كثرة الكلام، وإنما يحتاج إلى الكلمات التي تجمع
المعاني الأساسية.
ولهذا كانت
وصايا الصالحين كثيرًا ما تقوم على جوامع المعاني؛ لأن الكلمة التي تستقر في القلب
قد تغيّر مسار حياة كاملة.
ويبرز مفهوم
جوامع الكلم والوصايا الموجزة التي تمثل دستوراً للحياة في مقولة التابعي الجليل
أبي حازم الأعرج، حين اختصر خيري الدنيا والآخرة في كلمتين فقط، فقد سُئل عن ذلك
فقال: شيئان إذا عملت بهما، أصبت خير الدنيا والآخرة، لا أطول عليك، قيل ما هما؟
قال: «تحمل ما تكره إذا أحبه الله، وتترك ما تحب إذا كرهه الله»(8).
وفي موضع آخر،
يختزل أبو حازم الأعرج منهج الاستعداد للموت ومراقبة الله في عبارة وجيزة ومكثفة
تصلح لتكون مشروع حياة متكامل للمسلم، حيث قال: «كل عمل تكره من أجله الموت
فاتركه، ثم لا يضرك متى مت»(9).
كيف تعيد وصية هرم بن حيان تعريف النجاح الحقيقي؟
تأتي قيمة هذا
الموقف في عصر يزداد فيه التركيز على ما يملكه الإنسان لا على ما يمثله، فالمجتمعات
تقيس النجاح غالبًا بالرصيد والشهرة والتأثير الظاهر، بينما يذكّرنا هرم بن حيان
بأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان أثره في النفوس.
وهذا أبو بكر
الصديق رضي الله عنه تأتي أوصافه في المصادر التاريخية بما يدل على اهتمامه بالأثر
الباقي لا المال الفاني، فقد قال ابن كثير عنه: «كان صدراً معظماً، ورئيساً في
قريش مكرماً، وصاحب مال، وداعية إلى الإسلام، وكان محبباً متألفاً يبذل المال
في طاعة الله ورسوله»(10).
- والحاجة إلى
الاهتمام بالأثر المعنوي الباقي أكثر من غيره تظهر في أن التربية ليست فيما يورثه
الوالدان من مال فقط، بل فيما يزرعانه من إيمان وخلق.
- وفي التعليم،
ليست قيمة المعلم فيما يحفظه الطلاب من معلومات فقط، بل فيما يبنيه من عقلية
ومنهج.
- وفي الدعوة،
ليست القوة في كثرة الخطابات وحدها، بل في تحويل الناس إلى أصحاب صلة مستقلة بالله
وكتابه.
لقد اختصر هرم
بن حيان تجربته كلها في وصية صغيرة الحجم عظيمة المعنى: إذا أردت أن تترك شيئًا
بعدك، فاترك ما يبقى عند الله.
من خلال ما سبق
يتبين أن الإنسان قد يرحل خالي اليدين من متاع الدنيا، لكنه يرحل غنيًا بما حمله
من يقين ومعرفة؛ فلقد رفض هرم بن حيان أن يكون الميراث مجرد شيء ينتقل بين الأيدي،
واختار أن يكون نورًا ينتقل بين القلوب.
ومن هنا يبقى هذا الموقف شاهدًا على أن أعظم القادة ليسوا الذين يتركون وراءهم أسماءً فقط، بل الذين يتركون معايير تهدي من بعدهم إلى الطريق.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 13).
- 2 متفق عليه، رواه البخاري (3)، ومسلم (160).
- 3 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 354).
- 4 سيرة ابن هشام (2/ 656).
- 5 سنن الترمذي بسند صحيح (2682).
- 6 تاريخ دمشق: ابن عساكر (45/ 357).
- 7 شذرات الذهب: ابن العماد الحنبلي (1/ 17).
- 8 حلية الأولياء: الأصفهاني (3/ 241).
- 9 زهر الآداب وثمر الألباب: أبو إسحاق القيرواني (1/ 211).
- 10 البداية والنهاية (4/ 67).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً