كعب الأحبار.. والتوراة التي أُخفيت صيانة للعقيدة
أورد الذهبي في
ترجمة كعب الأحبار(1) عن محمد بن سيرين، عن أبي الرباب قال: فبدا لي أن آتي بيت
المقدس، فبينا أنا في الطريق، إذا أنا براكب شبهته بذلك الأجير النصراني، فقلت:
نعيم؟ قال: نعم، قلت: ما فعلتَ بنصرانيتك؟ قال: تحنفت بعدك، ثم أتينا دمشق، فلقيت
كعباً، فقال: إذا أتيتم بيت المقدس، فاجعلوا الصخرة بينكم وبين القبلة.
ثم أتينا بيت
المقدس، فسمعت يهود بنعيم، وكعب، فاجتمعوا فقال كعب: هذا كتاب قديم وإنه بلغتكم
فاقرؤوه، فقرأه قارئهم حتى أتى على ذلك المكان: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً
فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85) فأسلم منهم اثنان وأربعون حبراً، ففرض لهم معاوية،
وأعطاهم.
ثم قال همام:
وحدثني بسطام بن مسلم، حدثنا معاوية بن قرة، أنهم تذاكروا ذلك الكتاب، فمر بهم شهر
بن حوشب، فقال: على الخبير سقطتم؛ إن كعباً لما احتضر، قال: ألا رجل ائتمنه على
أمانة؟ فقال رجل: أنا، فدفع إليه ذلك الكتاب، وقال: اركب البحيرة، فإذا بلغت مكان
كذا وكذا، فاقذفه.
فخرج من عند
كعب، فقال: كتاب فيه علم، ويموت كعب لا أفرط به، فأتى كعباً وقال: فعلت ما أمرتني
به قال: فما رأيت؟ قال: لم أر شيئاً، فعلم كذبه، فلم يزل يناشده، ويطلب إليه حتى
رده عليه، فقال: ألا من يؤدي أمانة؟ قال رجل: أنا، فركب سفينة، فلما أتى ذلك
المكان، ذهب ليقذفه، فانفرج له البحر، حتى رأى الأرض، فقذفه، وأتاه، فأخبره، فقال
كعب: إنها التوراة كما أنزلها الله على موسى ما غيرت ولا بدلت، ولكن خشيت أن يُتكل
على ما فيها، ولكن قولوا: لا إله إلا الله، ولقنوها موتاكم.
هكذا رواه ابن
أبي خيثمة في «تاريخه» عن هدبة، عن همام، وشهر لم يلحق كعباً، قال الذهبي: وهذا
القول من كعب دال على أن تيك النسخة ما غيرت ولا بدلت، وأن ما عداها بخلاف ذلك، فمن
الذي يستحل أن يورد اليوم من التوراة شيئاً على وجه الاحتجاج معتقدًا أنها التوراة
المنزلة؟ كلا والله.
قصة كعب الأحبار والتوراة بين الرواية والتفسير
أبو الرباب مطرف
بن مالك القشيري ممن روى عن كعب الأحبار، والقصة هنا تكملة لما نشر في المقال
الأول تحت عنوان «كعب الأحبار.. وثيقة الحق ومجلس الاعتراف».
وقد وصل الخبر
إلى انتقال التوراة إلى الأجير النصراني نعيم الذي أسلم لاحقًا، ثم عُرض على علماء
اليهود في بيت المقدس، فوجدوا فيه نصوصًا توافق القرآن، ومنها قوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً
فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ)، فأسلم اثنان وأربعون حبرًا، وقام معاوية بن أبي سفيان
برعايتهم وإعطائهم من بيت المال تثبيتًا لهم.
فلما حضرت كعب
الوفاة أخفى كتاب التوراة خوفًا من تعلق الناس بالأسرار والكتب القديمة وترك
القرآن، فأمر بإلقائه في البحر، وبعد تجربة رجل كاذب وآخر صادق أُلقي الكتاب، وقال
كعب: إنه من التوراة التي لم تُحرّف، ثم أوصى بالتمسك بالتوحيد والقرآن، وبيّن
الذهبي أن الاحتجاج بالتوراة الموجودة اليوم غير جائز؛ لأنها ليست التوراة
المنزلة.
حين يصبح العلم اختبارًا للأمانة لا وسيلة للتميز
ليست بعض
المواقف التاريخية مجرد أخبار تُروى، بل هي نوافذ تكشف طريقة تفكير أصحابها،
وموازينهم في النظر إلى العلم والدين والمصلحة، وقصة كعب الأحبار تضع أمامنا
نموذجًا لعالمٍ حمل معه ميراثًا معرفيًا ضخمًا من بيئته الأولى، ثم دخل في
الإسلام، فانتقل من موقع الحافظ للنص السابق إلى موقع المدافع عن مرجعية القرآن
الكريم.
ويقع هذا المشهد
في مرحلة مبكرة من تاريخ الإسلام، حين كانت بلاد الشام تشهد التقاء الحضارتين
الإسلامية واليهودية المسيحية، وكانت النخب الدينية السابقة تواجه سؤال التحول من
المرجعيات القديمة إلى الوحي الخاتم.
إعادة ترتيب المرجعيات بعد الإسلام
كان كعب الأحبار
من الشخصيات التي امتلكت معرفة واسعة بكتب أهل الكتاب وأخبارهم، ولذلك كان حضوره
في المجتمع الإسلامي المبكر ذا أثر خاص؛ فلم يكن مجرد فرد أسلم، بل كان يحمل
رصيدًا معرفيًا جعله قادرًا على مخاطبة أهل الكتاب بلغتهم الفكرية.
وتظهر أهمية
موقفه في أنه جاء في بيئة كان فيها التفاعل بين المسلمين وأهل الكتاب واقعًا
يوميًا، فكان السؤال المركزي: كيف تُدار العلاقة مع الموروث السابق بعد نزول
القرآن الكريم؟
لقد أدرك كعب أن
الانتقال إلى الإسلام ليس إضافة معلومات جديدة إلى المخزون القديم فقط، بل إعادة
ترتيب للمرجعيات؛ بحيث يصبح القرآن هو الأصل الحاكم.
وقد يعيش
الإنسان اليوم حالة مشابهة من حيث كثرة المرجعيات وتداخل المصادر، وتعددية
الثقافات في عالم تتنافس فيه آلاف المنصات والمصادر والأفكار على إثبات صدقها
وأفضليتها، والدرس العملي هنا ليس في رفض المعرفة، بل إدارتها بميزان واضح:
- ما الذي يمثل
المرجعية الكبرى؟
- وما الذي يمثل
المعرفة المساندة؟
ففي المحاضن
التعليمية، مثلاً، لا ينبغي أن نفتح للطلاب أبواب المعرفة، دون أن نعلمهم ترتيب
مصادرها ومراتبها، وكذا في البيوت والمحاضن التربوية يحتاج الأبناء إلى بناء هوية
معرفية قوية قبل تعرضهم لكل التيارات الفكرية.
ومن هنا يمكننا
القول: إن التحولات الحضارية لا تُدار بكثرة المعلومات والمصادر فحسب، بل بوضوح
المرجعية التي تنظم تلك المعلومات.
ولنا في الصحابة
الكرام أسوة حسنة، فعن زيد بن وهب الجهني أنَّ رجلًا أقرأَه مَعقلُ بنُ مُقَرِّنٍ
أبو عميرةَ آيةً، وأقرأها عمرُ بنُ الخطابِ آخرَ، فسألا ابنَ مسعودٍ عنها، فقال
لأحدِهما: من أقرأَكها؟ قال: أبو عُمَيرةَ بنُ معقلِ بنِ مُقرنٍ، وقال للآخر: من
أقرأَكها؟ قال: عمرُ بنُ الخطابِ، فبكى ابنُ مسعودٍ حتى كثرتْ دموعُه، ثم قال:
اقرأْها كما أقرأكها عمر؛ فإنه كان أقرأُنا لكتابِ اللهِ، وأعلمُنا بدينِ اللهِ، ثم
قال: كان عمرُ حصنًا حصينًا على الإسلام يدخل في الإسلامِ ولا يخرجُ منه، فلما ذهب
عمرُ انثَلَمَ الحصنُ ثُلمةً لا يَسُدُّها أحدٌ بعده، وكان إذا سلك طريقًا
اتَّبعْناه ووجدْناه سهلًا، فإذا ذُكر الصالحون فحَيَّهلًا بعمرَ، فحيَّهلًا
بعمرَ، فحَيَّهلًا بعمرَ(2).
حماية العقيدة من التشويش المعرفي
يظهر في موقف
كعب معنى مهم؛ وهو أن وجود نص صحيح من الكتب السابقة لا يعني بقاءه مصدرًا مساويًا
للقرآن الكريم بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
فالقرآن وصف
نفسه بأنه مصدق لما سبقه ومهيمن عليه، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: 48).
ومن هنا جاء خوف
كعب من أن يتحول وجود الكتاب إلى باب تعلقٍ أو تشويش عند من لم يميز بين مراحل
الوحي، مما يفهم أن حفظ العقيدة لا يكون فقط بإثبات الحق، بل أحيانًا بمنع ما قد
يؤدي إلى اضطراب الفهم عند العامة.
وقد ظهر هذا
الفهم جلياً في موقف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه حين أتاه حذيفة بن
اليمان رضي الله عنه يحذره من اختلاف الناس في قراءة القرآن، فبادر عثمان إلى
حماية العقيدة وحفظ النص الأصلي عبر جمع القرآن في مصحف واحد وأمر بإحراق ما سواه
لمنع التشويش والنزاع؛ فعن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان
يُغازي أهل الشأم في فتح أرمينية، وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم
في القراءة.
فقال حذيفة
لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف
اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى
حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة
إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن
الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان
للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه
بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان
الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل
صحيفة أو مصحف، أن يحرق(3).
وفي أيامنا هذه
تعاني المجتمعات من تدفق لا ينتهي من الأفكار والمحتويات، وقد يقع بعض الناس في
خطأ مساواة كل ما يقرؤونه في القيمة والتأثير، فيتعاملون مع كل مصدر وكأنه يملك
الدرجة نفسها من الحجية، فيضلون من حيث أرادوا الهداية، ويهدمون من حيث أرادوا
البناء.
ولذا، فإن من
فقه الدعاة تحديد الأصول والمرجعيات قبل الدخول في التفاصيل، وترسيخ اليقين قبل
فتح أبواب الجدل، فليس كل اطلاعٍ نافعًا لكل شخص وفي كل وقت، كما أن حراسة الحق لا
تكون فقط بإثباته، بل أيضًا بحسن إدارة الطرق الموصلة إليه التحرر من أسر الامتلاك
المعرفي؛ حين ينتصر الحق على هوى النفس من أعقد الاختبارات التي يمر بها الإنسان
اختبار علاقته بما يملك من علم ومكانة.
فالمعرفة ليست
مجرد معلومات في الذهن، بل قد تتحول إلى جزء من هوية صاحبها ومكانته الاجتماعية،
خصوصًا إذا كان الإنسان متميزًا بها عن غيره.
وفي موقف كعب
الأحبار يظهر معنى نفسي عميق؛ فقد كان يحمل معرفة لا يملكها كثير من الناس، وكان
بإمكانه أن يجعل هذه المعرفة مصدر نفوذ دائم، لكنه -وفق ما جاء في الخبر- لم ينظر
إلى الكتاب باعتباره إرثًا شخصيًا أو رمزًا لمكانته، بل نظر إليه من زاوية
المسؤولية والنتيجة.
وهنا يظهر معنى
التجرد؛ فالعالم الصادق لا يسأل فقط: ماذا أملك؟ بل يسأل: ما أثر ما أملك على
الناس؟
وهذه من أعلى
درجات النضج النفسي؛ لأن الإنسان قد يتعلق بالأشياء لا لقيمتها الذاتية، بل لأنها
تمنحه شعورًا بالتصدر والتميز، وقد قال الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) (القصص: 83).
فالتجرد من حب
الظهور والتميز شرط في سلامة العلم والعمل، وما أحوج أبناء الجيل إلى هذا التجرد!
حيث تظهر هذه القضية اليوم في صور كثيرة؛ فبعض الناس لا يتعلق بالمعلومة لأنها
نافعة، بل لأنها تمنحه شعورًا بالتفوق والعلو على الآخرين.
لذا، قد يتحول
الباحث إلى أسير لنظريته، فيدافع عنها ولو ظهرت له أدلة تخالفها، أو قد ترى
الداعية معجباً بأسلوبه أو جماعته أو إنتاجه أكثر من إعجابه بظهور الحق.
وفي عصر الإعلام
الرقمي، قد يصبح عدد المتابعين أو الانتشار معيارًا للإنسان، فيصعب عليه التراجع
عن رأي تبناه أو تصحيح خطأ وقع فيه.
ومن هنا ندرك
أنه كلما زاد علم الإنسان وتصدره وظهوره احتاج إلى زيادة مراقبته لنفسه؛ لأن أخطر
ما يواجه النخب المتصدرة ليس الجهل فقط، بل الإعجاب بالفكر والرأي حتى وإن جانب
الصواب.
لماذا بدأ كعب الأحبار بالأحبار؟
لم يخاطب كعب
عامة الناس ابتداءً، بل اتجه إلى الأحبار؛ وذلك لأن تغيير القادة الفكريين قد يفتح
الطريق أمام تغير أوسع، فكل قائد له أتباعه، وكل معلم له مريدوه، وهذا يكشف فهمًا
لطبيعة التغيير الاجتماعي؛ فالأفكار لا تنتشر فقط بقوة الحجة، بل كذلك عبر
الشخصيات المؤثرة التي تحمل القدرة على نقلها إلى غيرها.
وقد بدا ذلك في
صدر الدعوة المحمدية، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على دعوة كبار قريش
ووجهائهم وذوي الرأي منهم، وقد جاء في سبب نزول صدر سورة «عبس» أن قوماً من أشراف
قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبدالله بن
أم مكتوم، فَكَرِهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه ابْنُ أُمِّ
مَكْتُومٍ كلامه، فعبس وأَعْرَضَ عنه فَنَزَلَتْ الآيات(4).
لقد كان الأحبار
يمسكون دفة التوجيه في مجتمعهم، ولذلك فإن وصول الحجة إليهم كان له أثر يتجاوز
أفرادهم.
وهنا يظهر جانب
من فقه الدعوة؛ أن تغيير الأفكار الكبرى يبدأ غالبًا من مراكز التأثير لا من أطراف
المجتمع، فأصحاب التأثير إذا تغيروا تغيرت معهم مساحات واسعة من الوعي، فالداعية
المخلص، والإعلامي المسدد، والمعلم المؤثر قد يغير حياة أجيال؛ إذا ما استطاعوا أن
يجعلوا من أنفسهم نماذج حية للفضائل والدفاع عن القيم.
كيف يسهم الدعم المجتمعي في استقرار التغيير الفكري؟
لم يكن إسلام
الأحبار مجرد لحظة عاطفية، بل احتاج إلى تثبيت اجتماعي يحفظ استقرارهم الجديد.
ويظهر في الخبر
دور معاوية رضي الله عنه حين فرض لهم العطاء، وهو تصرف يعكس إدراكًا سياسيًا
لأهمية دمج العناصر الجديدة داخل المجتمع المسلم.
وقد عرف القادة
الناجحون عبر التاريخ أن انتقال الإنسان من بيئة فكرية إلى أخرى لا يحتاج فقط إلى
قناعة داخلية، بل يحتاج إلى بيئة حاضنة، وإلا بقيت مجرد لحظات فردية قابلة
للتراجع.
نقل الواقدي عن
زيد بن أسلم عن أبيه، قال: «لما كان عام الرمادة، جاءت العرب من كل ناحية فقدموا
المدينة، فكان عمر قد أمر رجالاً يقومون بمصالحهم، فسمعته يقول ليلة: أحصوا من
يتعشى عندنا، فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وأحصوا الرجال المرضى
والعيالات فكانوا أربعين ألفاً، ثم بعد أيام بلغ الرجال والعيال ستين ألفاً، فما
برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل بهم يخرجونهم إلى البادية
ويعطونهم قوتاً وحملاناً إلى باديتهم، وكان قد وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم،
وكانت قدور عمر يقوم إليها العمال من السحر يعملون الكركور ويعملون العصائد»(5).
فالتصرف العمري
يؤكد أن النجاح الحقيقي ليس في لحظة التحول، بل في القدرة على حماية التحول
واستمراره، ولا يتحقق ذلك إلا برعاية مجتمعية مؤسسية بعد لحظة التغيير.
ضرورة التحقق من تنفيذ القرارات الكبرى
تكشف قصة
الأمانة التي أوكلها كعب بشأن الكتاب جانبًا من أهمية التحقق والمتابعة؛ فالأمور
العظيمة لا يكفي فيها حسن الظن وحده، بل تحتاج إلى اختبار التنفيذ، خصوصًا عندما
يتعلق الأمر بقضايا مركزية.
وهذا أصل عام في
الإدارة والقيادة؛ أنه كلما عظمت المسؤولية زادت الحاجة إلى المتابعة والتأكد
والتثبت، فالثقة لا تلغي الرقابة، بل تجعلها أكثر حكمة.
وهذا ما تم
اعتماده في عالم الإدارة الحديث، حيث تعتمد المؤسسات الناجحة على أنظمة المراجعة
والتدقيق ومؤشرات القياس والمتابعة عقب تكليف الموظف بالمهمة، ليستبينوا سبيل
الموظفين!
حين تنتهي كثرة العلوم إلى كلمة التوحيد
في خاتمة القصة
جاءت وصية كعب: «قولوا: لا إله إلا الله، ولقنوها موتاكم»؛ وهي عودة إلى الأصل
الأعظم الذي تقوم عليه الرسالات؛ توحيد الله.
فبعد رحلة طويلة
مع الكتب والمعارف، تنتهي الحقيقة الكبرى إلى كلمة التوحيد؛ لأنها جوهر الرسالات
وغاية العلوم، فكل العلوم والمعارف إن لم تكن سبيلاً إلى معرفة الحق من الباطل،
وطريقاً إلى الغاية العظمى التي أوجد الله لأجلها الخلق، فهي علوم زائفة.
تكشف قصة كعب
الأحبار عن نموذج مركب للعالم الذي جمع بين المعرفة السابقة واليقين الجديد، وقوة
العلم وخطورة العلم إذا انفصل عن الهداية.
فالموقف يعلّم
أن المرجعيات لا تُحفظ لمجرد قدمها، وأن المعرفة تحتاج إلى بصيرة تحدد موضعها
وأثرها، وأن القائد الناجح لا يكتفي بامتلاك الحقيقة، بل يعرف كيف يحميها، وكيف
ينقلها، وكيف يبني حولها مجتمعًا مستقرًا.
إن أعظم درس معاصر من هذه القصة أن الإنسان في زمن كثرة المعلومات يحتاج إلى ميزان يفرق بين ما يزيد اليقين وما يزيد التشويش، وما يخدم الحق وما يزاحم.
الهوامش
- 1 قال عنه الذهبي: هو كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر، الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله عنه، فجالس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان خبيراً بكتب اليهود، له ذوق في معرفة صحيحها من باطلها في الجملة، وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء. حدّث عنه: أبو هريرة، ومعاوية، وابن عباس، وذلك من قبيل رواية الصحابي عن التابعي، وهو نادر عزيز، سكن بالشام، وكان يغزو مع الصحابة، توفي بحمص ذاهباً للغزو في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه، فلقد كان من أوعية العلم. (سير أعلام النبلاء، 4/ 490).
- 2 ابن تيمية: منهاج السُّنة (6/ 66)، إسناده ثابت.
- 3 رواه البخاري (4987).
- 4 أسباب النزول للواحدي.
- 5 دور القيادة في إدارة الأزمة، سلوى حامد، ص 151.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً