بشاشة بلا تهاون ووقار بلا عبوس.. محمد بن سيرين

عبدالله السيد

27 أكتوبر 2026

21

مشهد تعبيري يستلهم التوازن الذي عُرف به محمد بن سيرين بين البشاشة في مجالس الناس وهيبة رواية الحديث.

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة محمد بن سيرين(1)، عن مهدي بن ميمون، أنه رآه يحدث بأحاديث الناس، وينشد الشعر، ويضحك حتى يميل، فإذا روى الحديث المسند، كلح وتقبض(2).

هذه الصورة القصيرة التي حفظتها كتب التراجم عن محمد بن سيرين ليست وصفًا عابرًا لطباع رجل يضحك حينًا ويعبس حينًا، بل تكشف عن ميزان دقيق في شخصية واحد من أعلام التابعين؛ أن يعرف الإنسان لكل مقام حقه، فلا يحوّل التدين إلى عبوس دائم، ولا يجعل الألفة والمزاح بابًا يذيب هيبة العلم.

وقد أورد الذهبي هذا الخبر في ترجمة محمد بن سيرين في «سير أعلام النبلاء»، كما رواه أبو نعيم بمعنى قريب في «حلية الأولياء»، وفي روايته: أنه كان يتمثل الشعر ويذكر الشيء ويضحك، حتى إذا جاء الحديث من السنة «كلح وانضم بعضه إلى بعض».

ومن هذه المسافة بين «يضحك حتى يميل» و«كلح وتقبض» يمكن قراءة جانب عميق من منهج محمد بن سيرين في العلم والحياة: إنسانية لا تلغي الوقار، ووقار لا يلغي الإنسانية.

كيف فرق محمد بن سيرين بين المسامرة والرواية؟

لم يكن محمد بن سيرين صاحب شخصية أحادية لا تعرف إلا الجد، ولم يكن وقاره العلمي قائمًا على صناعة صورة متجهمة أمام الناس، فقد حفظت أخباره أنه كان صاحب دعابة وضحك، وكان يتمثل الشعر، ويجري في مجلسه شيء من أحاديث الناس، ثم يتغير حاله عندما يصل الكلام إلى سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهنا تكمن دلالة الموقف الأولى؛ فالضحك في مجلسه لم يكن نقيضًا للعلم، كما أن التقبض عند الحديث لم يكن نقيضًا لحسن العشرة، وإنما كان لكل شيء عنده موضعه.

إنها قدرة على الفصل بين المقامات؛ فأحاديث الناس تحتمل من الانبساط ما لا يحتمله مقام الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، والشعر والمسامرة ليسا كالقول الذي سيحمله طالب عن شيخ، ثم ينقله آخر عن آخر، وربما استنبط منه بعد ذلك حكم أو اعتقاد أو عبادة.

ولهذا تصبح هيئة محمد بن سيرين جزءًا من منهجه العلمي نفسه، فهو لا يقول لتلاميذه بلسانه فقط إن الحديث أمر عظيم، بل يجعلهم يرون عظمته في وجهه وجلسته وتغير حاله.

وفي الحياة المعاصرة كثيرًا ما تضيع هذه الفروق؛ فقد يدخل المزاح إلى مجال لا يحتمله، أو تتحول الجدية إلى طبع دائم يرهق الأسرة والطلاب وزملاء العمل.

الانتقال من مسامرة الناس إلى أمانة الوحي

الجواب الأقرب لا يحتاج إلى افتراض حالات نفسية معقدة؛ فمحمد بن سيرين نفسه ترك لنا مفتاحًا يفسر هذا السلوك حين قال كلمته المشهورة: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم».

وقد أخرج مسلم هذا القول عنه في مقدمة «الصحيح»، وهو قول لمحمد بن سيرين، لا حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

إذا كان العلم الذي يتصل بالوحي «دينًا»، لم تعد الرواية مجرد نقل معلومات، إنك حين تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنتقل من فضاء الحكاية البشرية إلى فضاء الأمانة.

وقد جاء التحذير النبوي شديدًا في هذا الباب: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»(3)، ولذلك نشأت عند المحدثين حساسية استثنائية تجاه النقل والإسناد واللفظ، وما يظهر على وجه محمد بن سيرين هو الوجه الإنساني لهذه الأمانة العلمية.

الهيبة الحقيقية تنبع من المكانة لا العبوس

من جمال هذا الخبر أن الراوي لم يقل إن محمد بن سيرين كان قليل الضحك ثم يسكت عند الحديث، بل رسم التباين بأقصى صوره: «يضحك حتى يميل»، ثم «كلح وتقبض».

هذا التقابل يمنع فهمًا شائعًا للوقار يجعل الفضيلة مرادفة للوجه العابس، فالرجل نفسه الذي عرف قيمة الإسناد، واشتهر بالتحري في العلم، كان قادرًا على أن يضحك مع جلسائه وأن ينشد الشعر.

وتتضح هذه الموازنة في وصف ضرار بن ضمرة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذ قال: «كان والله كأحدنا؛ يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه»، ثم ذكر هيبته، وأنه «إن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم»(4)، فقد جمع عليٌّ بين القرب من الناس والهيبة في نفوسهم؛ مما يدل على أن البشاشة لا تنافي الوقار، وأن الهيبة الحقيقية لا تحتاج إلى عبوس دائم، بل تنبع من مكانة الإنسان وما يحمله من معانٍ.

وهذا يعطي للوقار معنى أدق: الوقار ليس أن يحمل الإنسان ملامح الجد طوال يومه، وإنما أن يوجد الجد عندما يستدعيه المقام، ويمكن نقل هذا المعنى إلى الأسرة والتعليم والدعوة والعمل، فالمربي الذي لا يعرف إلا العبوس قد يزرع حاجزًا بينه وبين من يربيهم، كما أن المربي الذي يحول كل شيء إلى مزاح قد يفقد اللحظة التي يجب أن يدرك فيها المتعلم أن الأمر جاد.

تكليح الوجه كدرس عملي في تعظيم السُّنة

لم ينقل مهدي بن ميمون خطبة طويلة ألقاها محمد بن سيرين في تعظيم السنة، نقل شيئًا أبسط وأشد رسوخًا: تغير وجهه وجسده.

«كلح وتقبض»؛ التكليح تغير الوجه، والتقبض ضد الانبساط، وكأن جسد الرجل كله انتقل من حالة المؤانسة إلى حالة التركيز والاستحضار، وهذه من صور التربية بالمشاهدة، فالطالب لا يتعلم من ألفاظ شيخه وحدها، بل يلتقط أيضًا ما يعظمه شيخه وما يستخف به، وما يفرحه وما يخشاه، ومتى يمزح ومتى يتوقف.

وتظهر التربية بالمشاهدة كذلك في هيئة النبي صلى الله عليه وسلم حين حدّث الناس على المنبر عن عظمة الله تعالى، فقبض يده وبسطها، وجعل يتميل عن يمينه وشماله حتى ظن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن المنبر سيتحرك به(5)، فكما دلّ تغير وجه ابن سيرين على تعظيمه للسنة، جسّدت هيئة النبي صلى الله عليه وسلم عظمة ما يبلّغه؛ مما يبين أن المعنى قد يرسخ في النفوس بما يصاحبه من تعبير عملي، لا بالألفاظ وحدها.

وهو معنى يمتد إلى الأب الذي يفرق أبناؤه من طريقته بين المزاح وبين الحقوق، وإلى المعلم الذي يفهم طلابه من نبرته أن ما سيقوله الآن لا يقبل الاستهتار، وإلى المسؤول الذي يستطيع أن يكون قريبًا من فريقه من غير أن تصبح الحدود المهنية سائبة.

هل يعد تبدل الملامح تناقضًا في الشخصية؟

للوهلة الأولى قد يرى الناظر حالتين متعارضتين: رجل يضحك حتى يميل، ورجل يتقبض ويكلح، لكن الشخصية المتزنة ليست الشخصية التي تبقى على انفعال واحد، بل التي تستجيب لكل موقف بما يناسبه.

فالإنسان يحتاج إلى الأنس مثلما يحتاج إلى الجد، وإلى الراحة مثلما يحتاج إلى الانضباط، والمشكلة تبدأ عندما يطغى أحد الطرفين حتى يبتلع الآخر.

من يعيش في التوتر الدائم قد يحمل صرامته إلى مواضع الرحمة والمؤانسة، ومن يعيش في الاسترخاء الدائم قد يعجز عن استحضار الجدية عندما تكون الحقوق أو الأمانات على المحك، وفي محمد بن سيرين نرى صورة ثالثة: انبساط كامل في موضعه، وانقباض كامل في موضعه.

أخلاقيات تداول الحديث بين التثبت وحمى المشاهدات

لو نقلنا المشهد من مجلس في البصرة إلى هاتف في يد إنسان معاصر، لتغيرت الأشكال وبقي السؤال نفسه، فكم مرة ينتقل النص الديني اليوم في السياق نفسه الذي تنتقل فيه النكتة والصورة والإعلان؟ وكم مرة يعامل الناشر الحديث النبوي كما يعامل أي محتوى آخر: يختار الأكثر إثارة، ويختصر ما يشاء، ويحذف المصدر، ثم يرسله؟ إن موقف محمد بن سيرين يقترح أخلاقًا أخرى للنشر.

حين تتصل المادة بالوحي، ينبغي أن يتغير إيقاع الإنسان؛ يتثبت، ويسأل عن المصدر، ويميز الصحيح من الضعيف، ولا يجعل عدد المشاهدات مقدمًا على سلامة النقل.

كيف يضبط القائد حدوده دون خسارة فريقه؟

يمكن قراءة الموقف كذلك من زاوية القيادة؛ فالقيادة الناجحة لا تعمل بنبرة واحدة، هناك لحظات تحتاج إلى كسر الحواجز، ولحظات تحتاج إلى إعلان الحدود، ولحظات ينبغي فيها للقائد أن يكون قريبًا، وأخرى لا بد أن يشعر فيها الفريق بجدية القرار، ومن يخلط هذه المساحات يخسر إحدى قيمتين: إما الألفة وإما الانضباط.

ومشهد محمد بن سيرين يقدم قاعدة بسيطة؛ لا تجعل الحزم شخصيتك كلها، ولا تجعل اللين يبتلع الحزم، ويتضح هذا التوازن القيادي في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع خولة بنت ثعلبة، حين استوقفته في سكة المدينة، فأنصت لوعظها وعتابها، وقال لمن استعجله: «دعها.. والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها»(6)، فقد جمع عمر بين التواضع والرفق بالرعية والحزم في مواضعه؛ وهو ما يؤكد أن القيادة الناجحة لا تعني اللين الدائم ولا الشدة الدائمة، بل وضع كل منهما في موضعه.

وفي الإدارة والتعليم والأسرة يمكن لهذا الفرق الدقيق أن يصنع أثرًا كبيرًا؛ لأن الناس يحتاجون إلى قائد يمكن الاقتراب منه، كما يحتاجون إلى معرفة الخطوط التي إذا بلغوها انتهى المزاح وبدأت المسؤولية.

فقه الجمع بين متعة المباح وتعظيم الشعائر

لا تكتمل قراءة هذه الحكاية إذا أخذنا نصفها وتركنا نصفها الآخر؛ فمن أخذ «كلح وتقبض» وحدها ربما صنع من محمد بن سيرين صورة رجل دائم الانقباض، ومن أخذ «يضحك حتى يميل» وحدها ربما لم يفهم عمق هيبته للحديث، والصورة لا تظهر إلا بالجمع بينهما، وهذا سر جمال الخبر كله.

كان قادرًا على أن يعيش بشريته دون تكلف، وقادرًا في اللحظة نفسها على أن يعرف أن بعض الكلمات أثقل من بعض، كان يضحك، لكنه لم يضحك بكل شيء، وكان جادًا، لكنه لم يجعل الجد عبئًا دائمًا على من حوله.

ولعل حديث حنظلة رضي الله عنه يضيء هذا التوازن من جانب آخر؛ فقد خشي النفاق لما وجد من اختلاف حاله بين مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وملاعبة أهله وعياله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا حنظلة، ساعةً وساعة»(7)، فكما جمع ابن سيرين بين البشاشة وتعظيم الحديث، لا ينافي الاستمتاع بالحياة تعظيم الدين، ما دام لكل مقام حقه.

وفي زمن تختلط فيه المقامات بسرعة، قد يكون من أكثر ما نحتاج إليه أن نتعلم هذه القدرة: أن نعطي الإنسان حقه، ونعطي العلم حقه، ونعطي المقدس حقه، وألا نسوي بين الأشياء لأن الشاشة أو المجلس جمعها في مكان واحد.

ما وراء الوجه.. التمييز بين مراتب الكلام

لم يحفظ التاريخ عن محمد بن سيرين هذه اللحظة ليضع قاعدة في ملامح الوجه، وإنما لأنها كشفت ما وراء الوجه، فمن وراء الضحك نفس تعرف سعة المباح، ومن وراء التقبض قلب يعرف ثقل الرواية، ومن وراء الانتقال بينهما عقل يفرق بين مراتب الكلام، وهذه هي القيمة الباقية في المشهد.

لقد اختصر محمد بن سيرين في لحظتين متجاورتين منهجًا كاملًا في فقه الحياة؛ أن تنبسط حيث يحسن الانبساط، وأن تتوقف حين يجب التوقف، وأن تعرف أن للقلوب أنسها، وللعلم هيبته.

الهوامش
  • 1 محمد بن سيرين الإمام، شيخ الإسلام، أبو بكر الأنصاري، الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك، خادم النبي صلى الله عليه وسلم.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص612.
  • 3 متفق عليه ومتواتر المعنى عند أهل العلم.
  • 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج1، ص133.
  • 5 المرجع السابق، ج2، ص48.
  • 6 شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ص 142، قصة الظهار في السنة الحادية عشرة.
  • 7 رواه مسلم.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة