حين يصبح النفع معيار المكانة
علي بن الحسين.. لماذا اختار النفع على الوجاهة؟
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، بسنده عن هشام بن عروة، قال: «كان علي بن الحسين يخرج على
راحلته إلى مكة ويرجع لا يقرعها(1)، وكان يجالس أسلم مولى عمر، فقيل
له: تدع قريشًا، وتجالس عبد بني عدي! فقال: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع»(2).
يمثل هذا الخبر
صورة مكثفة من سيرة الإمام علي بن الحسين زين العابدين، فهو موقف قصير في ألفاظه،
واسع في دلالاته؛ إذ يجمع بين أدب الطريق، وتهذيب النفس، والتحرر من مقاييس الجاه
الاجتماعي، وتقديم العلم والنفع على الاعتبارات التي نشأ عليها المجتمع من تفاخر
بالأنساب والمكانة.
والقراءة
العلمية لهذا الموقف تستلزم وضعه في سياقه التاريخي؛ فقد عاش علي بن الحسين في
القرن الأول الهجري، في مرحلة كانت فيها المدينة المنورة مركزًا للعلم والرواية،
وكان المجتمع الإسلامي يشهد تداخلًا بين قيم الإسلام التي جعلت التقوى والعلم
ميزان التفاضل، وبين بقايا الأعراف القبلية التي كانت تعطي النسب والطبقة
الاجتماعية وزنًا كبيرًا.
كيف يصنع العلم والتقوى سيادة بلا نسب عند علي بن الحسين؟
كان علي بن
الحسين من أشرف الناس نسبًا، فهو من بيت النبوة، ومع ذلك لم يجعل هذا الشرف بابًا
للاستعلاء على الآخرين، بل جعله بابًا لمزيد من المسؤولية والتجرد، فالعظمة
الحقيقية في ميزان القيم الإسلامية ليست أن يعرف الإنسان قدر نسبه فقط، وإنما أن
يعرف قدر ما يحمله من علم وتقوى وخدمة للحق.
وهذا المعنى
ينسجم مع قول الله تعالى: (إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، فالآية لا تلغي
معرفة الأنساب أو فضل البيوت الفاضلة، لكنها تنقل معيار التكريم عند الله من مجرد
الانتماء إلى العمل والصفات التي يكتسبها الإنسان.
وإذا كان هذا هو
معيار التكريم عند الله، فإن أثره لا يقف عند الاعتقاد النظري، بل يظهر في نظرة
المجتمع إلى من يصنع مكانته بما يحمله من علم ودين، ولو لم يكن صاحب ميراث اجتماعي
رفيع؛ وهو ما يتجلى في خبر عبد الملك بن مروان، حين سأل الزهري عمّن خلفه يسود أهل
مكة، فذكر له عطاءً، فقال: «إن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يُسوَّدوا»(3).
وهنا ينتقل
المعنى من تقرير المعيار الشرعي إلى بيان أثره في الواقع الاجتماعي؛ فقد أصبح
العلم والديانة سببًا في السيادة والتقديم، لا مجرد النسب والمكانة الموروثة.
ومن هنا يظهر أن
موقف علي بن الحسين لم يكن مجرد تواضع شخصي، بل كان إعادة ترتيب لمفهوم الشرف
نفسه؛ فالشريف ليس من يحيط نفسه بأصحاب المكانة الاجتماعية فقط، وإنما من يبحث عن
الحكمة حيث وجدها.
لماذا أصبحت الفائدة العلمية ميزان اختيار الصحبة؟
حين عاتب بعض
الناس الإمام علي بن الحسين قائلين: «تدع قريشًا وتجالس عبد بني عدي»، لم يدخل
الإمام معهم في جدال طويل حول الطبقات الاجتماعية، ولم يدافع عن نفسه بمنطق النسب،
بل أجاب بكلمة جامعة: «إنما يجلس الرجل حيث ينتفع».
هذه العبارة
تكشف عن عقلية ترى الإنسان من خلال أثره وقيمته، لا من خلال الصورة التي يحملها
المجتمع عنه، فالمجالس في نظر الإمام ليست ساحات لإثبات المكانة، بل ميادين
لاكتساب الخير والعلم.
وفي هذا الموقف
درس تربوي عميق؛ فالإنسان قد يترك شخصًا نافعًا لأنه لا ينسجم مع توقعات المجتمع،
وقد يختار شخصًا أقل فائدة لأنه يمنحه شعورًا بالوجاهة، أما صاحب البصيرة فإنه
يسأل: ماذا سأتعلم؟ ماذا سأضيف؟ أين يوجد النفع؟
ويتجاوز هذا
المعنى مجرد اختيار الإنسان لمن يجالس إلى النظر فيمن يستحق أن يُرجع إليه طلبًا
للعلم؛ فقد قدم عبد الله بن عمر عطاء بن أبي رباح لأهل مكة حين اجتمعوا عليه، وقال
لهم: «تجمعون لي المسائل وفيكم عطاء بن أبي رباح؟!»(4)، فلم يجعل ابن
عمر المكانة الاجتماعية معيارًا لتقديم الأشخاص، بل وجّه الناس إلى من كانت عنده
القدرة على إفادتهم بعلمه؛ وبذلك انتقل معيار النفع من اختيار الفرد لمن يصحبه إلى
توجيه الناس نحو من يستحق أن يُطلب منه العلم.
وبذلك يصبح
اختيار الصحبة والمجالس قائمًا على سؤال جوهري: أين توجد الفائدة التي تستحق أن
أطلبها؟ لا: من الذي يمنحني مجلسه مزيدًا من الوجاهة؟
كيف يحمي الرفق بالأضعف من طغيان القوة؟
لم يكن الموقف
مقتصرًا على قضية المجالسة، بل ورد في الخبر وصف آخر يكشف جانبًا من شخصية الإمام
علي بن الحسين: «كان يخرج على راحلته إلى مكة ويرجع لا يقرعها».
ويكشف امتناعه
عن ضرب دابته عن رفقٍ بها وضبطٍ لنفسه في التعامل معها، وتتأكد دلالة ذلك حين نضعه
في سياق السفر بين المدينة ومكة وما فيه من طول الطريق ومشقته؛ فلم يكن ما يلقاه
من عناء سببًا في أن يفرغ تعبه فيها، وهذا السلوك يكشف أن الرفق عنده لم يكن
موقفًا عابرًا، وإنما كان حاضرًا حين تتوافر دواعي التعب والانفعال، فيبقى الأضعف
بمنأى عن أذى الإنسان القادر عليه.
وقد جاء في
السنة ما يرفع الرفق من مجرد سلوك محمود إلى خُلُق له منزلة عند الله، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ
مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ»(5)،
فالرفق في هذا التوجيه النبوي لا يقتصر على ترك الأذى، بل يتصل بطريقة التعامل
نفسها؛ إذ جعل النبي صلى الله عليه وسلم الرفق سببًا لمحبة الله ولخير لا يناله
العنف، فيكون ضبط الانفعال جزءًا من حسن التعامل، لا مجرد كفٍّ للأذى.
وعلى الجانب
الآخر، تكشف السنة خطورة إساءة استعمال القدرة حين يكون الطرف المقابل أضعف ولا
يملك دفع الأذى عن نفسه؛ فقد جاء الوعيد في امرأة حبست هرة حتى ماتت، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ
تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ»(6)،
فالمؤاخذة هنا لم تتعلق بمجرد امتلاك القدرة على حبس الحيوان، وإنما بطريقة
استعمال هذه القدرة حين أفضت إلى الإضرار بمن لا يستطيع الدفاع عن نفسه؛ ومن هنا
تتضح مسؤولية الإنسان عن طريقة استعمال قوته حين يكون الطرف الآخر أضعف منه.
وفي واقع الناس
اليوم، يظهر هذا المعنى في طريقة تعامل الإنسان مع أسرته، وموظفيه، ومن هم تحت
مسؤوليته؛ فالقوة ليست في القدرة على الضغط على الأضعف، بل في القدرة على ضبط
النفس مع امتلاك أسباب السيطرة.
لماذا يتفوق السلوك العملي للقائد على الشعارات؟
لم يكن علي بن
الحسين يقدم درسًا نظريًا في مقاومة الطبقية، بل قدمه من خلال سلوكه اليومي، فالقائد
الحقيقي لا يكتفي بالكلام عن المبادئ، وإنما يجعل حياته شاهدًا عليها.
وهذا المعنى
يتضح في موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سُئل عن ترقيع قميصه فقال: «يخشع
القلب، ويقتدي به المؤمن»(7)؛ فكان ينظر إلى سلوك القائد باعتباره
رسالة يتعلم منها من يراه، لا مجرد اختيار شخصي لا يتجاوز صاحبه.
أما زين
العابدين، فقد جعل هذا المبدأ حاضرًا في اختياراته اليومية؛ فكانت مجالسته لمن يرى
المجتمع أنهم أقل منزلة رسالة عملية بأن العلم لا يعرف طبقة اجتماعية، وأن الكفاءة
لا تختزل في الألقاب، وهذه قاعدة تحتاجها المؤسسات والمجتمعات المعاصرة؛ فكم من
موهبة تضيع لأن أصحاب القرار ينظرون إلى الاسم قبل النظر إلى القيمة.
ولا تكتمل هذه
القدوة بمجرد أن يرى الناس القائد ملتزمًا بما يقول، بل تمتد إلى طريقة تعامله مع
أهل الخبرة وإفساحه المجال لهم؛ فقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا عبيد أن
يستشير سليط بن قيس، وقال: «فإنه رجل باشر الحروب»(8)، فلم يكن موجب
الاستشارة هنا منصبًا أو منزلة اجتماعية، وإنما خبرة يحتاج إليها الموقف.
إن البيئة التي
يختار فيها القائد الاستماع إلى أصحاب الخبرة مهما كانت مواقعهم هي بيئة أقرب إلى
التعلم والتجديد، بينما البيئة التي تحصر الحوار في أصحاب المناصب قد تفقد كثيرًا
من فرص التطور.
كيف يواجه الفرد ضغط المجتمع للحفاظ على المبادئ؟
من أصعب
اختبارات الإنسان أن يخالف العادات التي يراها المجتمع أمرًا مسلمًا به، فالناس لا
يضغطون على الفرد دائمًا بالقوانين، بل كثيرًا ما يضغطون عليه بصورة القبول
الاجتماعي والخوف من كلام الآخرين.
وقد واجه زين
العابدين هذا النوع من الضغط بهدوء؛ فلم يحتقر قومه، ولم يهاجم مجالس قريش، لكنه
رفض أن يكون النسب وحده معيار الاختيار، وهذا النوع من الاستقلال في النظر لا يعني
رفض المجتمع، وإنما يعني ألا تتحول أعرافه إلى ميزان يحكم به الإنسان على الناس؛
وقد ظهر هذا المعنى في موقف أبي بكر الصديق حين عاتبه أبوه على إعتاق المستضعفين،
وقال له: «يا بني، إني أراك تعتق رجالًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالًا
جلداء يمنعونك ويقومون دونك»، فرد أبو بكر: «يا أبتِ، إني إنما أريد ما أريد لله»(9)؛
فلم يجعل القوة والمنعة معيارًا لمن يستحق العتق، بل احتكم إلى الغاية التي يريدها
لله.
فإذا كان هذا
الموقف يبين كيف يُستبدل المعيار الاجتماعي بمعيار قيمي أعلى، فإن مقاومة ضغط
المجتمع تظهر بصورة أخرى حين يُطلب من الإنسان أن يساير الجماعة في موقف لا يراه
صوابًا؛ ولا يقف الأمر عند رفض المعيار الاجتماعي، بل يتصل أيضًا بثبات الإنسان
حين يصبح موقفه نفسه محلَّ اقتداء؛ ولذلك ثبت سعيد بن المسيب رحمه الله أمام هذا
الضغط، ولما قيل له أن يتظاهر بما يوافق الناس، قال: «والله لا يقتدى بي أحد من
الناس في هذا»(10)، فلم يكتفِ برفض المسايرة لنفسه، بل استحضر أثر
موقفه فيمن قد يتخذه قدوة، واختار أن يتحمل تبعة الثبات على ما يراه صوابًا بدل أن
يجعل مسايرة الناس سلوكًا يُقتدى به.
وهذا يفتح بابًا
مهمًا في التربية؛ فالمربي الناجح لا يعلم أبناءه أن يرفضوا الناس، بل يعلمهم أن
يزنوا الأمور بالمعاني الصحيحة: العلم، والأمانة، والخلق، والنفع.
من النسب إلى الرسالة.. كيف يتحول الشرف إلى مسؤولية؟
كان من الممكن
لمن يحمل مثل نسب علي بن الحسين أن يجعل النسب مركز حياته، لكنه اختار أن يجعل
النسب بداية للتكليف لا نهاية للامتياز.
وهذا هو الفارق
بين من يرث المكانة ومن يصنع أثرها؛ فالمكانة الموروثة قد ترفع الإنسان في أعين
الناس، لكن العمل الصالح هو الذي يرفع قدره عند الله، ولا يقتصر هذا المعنى على من
يحمل النسب الشريف، بل قررته السنة في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بيته
وعشيرته، حين قال: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ
اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ
اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ
اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا
أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»(11)؛ فبيّن أن شرف القرابة لا يرفع
عن صاحبه مسؤولية العمل، وأن القرب من أهل الفضل لا يغني عن الإنسان ما يقدمه
بنفسه.
وإذا كان هذا
التوجيه النبوي يقرر أن شرف النسب لا يعفي صاحبه من العمل، فإن أثر هذا الفهم يظهر
في سيرة علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ فقد روي أنه «كان يسجد كل يوم
ألف سجدة»(12)، فلم تكن منزلته الموروثة باعثًا على الركون إليها، بل
اقترنت عنده بمزيد من العبادة والاجتهاد، حتى صار الشرف تكليفًا يظهر أثره في
السلوك.
ولهذا بقيت مثل
هذه المواقف حاضرة في كتب التراجم؛ لأنها لا تحكي فقط عن شخص عاش في زمن مضى، بل
تقدم نموذجًا إنسانيًا متكررًا: كيف يتعامل الإنسان مع القوة التي يملكها؟ وكيف
يمنع امتيازاته من أن تتحول إلى حاجز بينه وبين الحقائق؟
إن رسالة موقف زين العابدين في زماننا أن القيمة لا تسكن في المظاهر، وأن الإنسان الحكيم يبحث عن موضع النفع، ويجالس أهل الفضل، ويعامل الخلق بالعدل والرحمة، لأن رفعة الإنسان ليست فيما يملكه من ألقاب، بل فيما يقدمه من خير.
الهوامش
- 1 «لا يقرعها»: لا يضرب راحلته بالسوط ولا يحثها بالضرب، فيسير عليها برفق، قال ابن منظور في مادة «قرع»: وقرع راحلته: ضربها بسوطه، وقرع الشيء يقرعه قرعا: ضربه، لسان العرب: ابن منظور (8/ 263).
- 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 388).
- 3 كنز الكتاب ومنتخب الآداب: أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن الفهري المعروف بالبونسي (1/ 92).
- 4 ربيع الأبرار ونصوص الأخيار: جار الله الزمخشري (4/ 91).
- 5 أخرجه مسلم (2593).
- 6 أخرجه البخاري واللفظ له (3318)، ومسلم (2242).
- 7 الرياض النضرة في مناقب العشرة: محب الدين الطبري (3/ 213).
- 8 البداية والنهاية: ابن كثير (7/ 26).
- 9 مكارم الأخلاق: ابن أبي الدنيا (125).
- 10 سير السلف الصالحين: إسماعيل الأصبهاني (3/ 778).
- 11 متفق عليه، أخرجه البخاري (2753)، ومسلم واللفظ له (206).
- 12 الزهد: أبو داود (363).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً