وهْم المناعة أمام الفتن

عمران بن حطان.. دخل ليُصلح فانتهى إلى التأثر

رجل في زي عادي ولحية عادية وهو ينظر الى امرأة في لباس اسود ويبدوا عليها الجمال وهي تغطي جزءا من وجهها ويبدوا انه ينظر اليها في افتنان

يدرج الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن عمران بن حطان(1)؛ أن سلمة بن علقمة حدث عن ابن سيرين، قال: تزوج عمران خارجية، وقال: سأردها، قال: فصرفته إلى مذهبها، فذكر المدائني أنها كانت ذات جمال، وكان دميماً فأعجبته يوماً فقالت: أنا وأنت في الجنة، لأنك أعطيت فشكرت، وابتليت فصبرت(2).

ليست كل التحولات الكبرى في حياة الإنسان تبدأ بقرار واضح ومصرح به؛ فبعضها يبدأ بخطوة خطرة يظن صاحبها أنه يقف فيها على أرض صلبة من الإصلاح، ثم يجد نفسه بعد زمن يسير قد استُدرج إلى قلب الاتجاه الذي كان يسعى لتغييره، وتنبع أهمية هذه الواقعة من أنها تجاوزت إطار زواج رجل بامرأة؛ إذ كشفت عن قانون أصيل في النفس البشرية: أن القرب اليومي، والمودة الساكنة، والمخالطة النفسية قد تتسرب من خلالها الأفكار المنحرفة أشد مما تسري المناظرات والمجادلات.

كيف يفتح الاغترار بالنفس أبواب الشبهات؟

تختصر كلمة عمران بن حطان الأولى: «سأردها» تفاصيل الجانب النفسي الذي دخل به هذه التجربة؛ إذ لم يدخل العلاقة باعتباره باحثاً عن البدعة أو متشوّفاً للانحراف، بل دخلها بظن الراسي الذي يمتلك القدرة الكاملة على التغيير وتوجيه الآخرين.

وهنا تتجلى بؤرة الخطر المنهجي؛ فبعض السالكين لا يستشعرون الخوف من مخالطة مواطن الشبهات ومجالسة حملة المقالات الشاذة، اتكالاً على ما يحملونه من رصيد المعرفة أو الأمان الإيماني، وهذا الاستهانة بالفتنة قد تكون ذاتها التغفيل الذي ينفذ منه الانحراف؛ لأن المرء إذا ظن في نفسه عدم التأثر قلل الاحتياط، ومنح المخالف مساحة من الألفة لا يمنحها في الأحوال العادية.

وقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم نهياً صارماً عن التعرض لمواقف الفتن والمجالات المشتبهة ظناً بالحصانة الذاتية، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أَوْ «لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»(3).

إن القلوب سريعة التقلب، وغالباً ما ينتقل المفتون من موقع الناقد الموجه إلى موقع المتبني والمدافع دون أن يشعر بوهن الخطوات؛ ولأجل ذلك كان تحذير السلف شديداً من التساهل في ورود بؤر الفتنة؛ لأن الألفة والتأثر النفسي يسبقان في كثير من الأحيان قناعات العقل ورسوخ الأدلة.

لماذا تضعف العاطفة مقاومة العقل للمخالفة؟

تكشف الرواية التاريخية عن جانب إنساني دقيق في القصة؛ حيث كانت المرأة بارعة الجمال وكان عمران بن حطان دميماً، فوقع بينهما ذلك الانجذاب والألفة النفسية، ولا يقتصر التفسير هنا على تأثير الشكل الظاهري، بل يمتد ليعري حقيقة التأثير الفكري: أن الشبهة لا تنتقل دائماً جافة في صيغة حجج ومناظرات، بل تتسلل عبر علاقة قريبة، وشخصية محبوبة، وإحسان عاطفي يملك قدرة سحرية على تليين ممانعة العقل.

إن الطبيعة البشرية جُبلت على الاستئناس بقائل الكلام قبل النظر المجرد في القول نفسه، فإذا امتزج الإحسان العاطفي بالقرب اليومي وحسن العرض، ضعفت المقاومة الفكرية لدى الإنسان مهما بلغ من العلم.

ولهذا الشأن راعت الشريعة الإسلامية الطبيعة البشرية وسدت الأبواب التي يستغل منها الهوى والعاطفة لضعف الإنسان أمامها؛ قال الله تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) (النساء: 28).

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من افتتان الرجال بالنساء وما ينشأ عن القرب العاطفي من صرف القلوب عن الحق، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ، مِنَ النِّسَاءِ»(4).

فإذا اجتمعت المودة العاطفية القريبة مع التهاون في إحكام بوابات التلقي، صارت مدافعة الفكرة المنحرفة شديدة المشقة على النفس، وهو ما يفسر كيف استطاعت امرأة ببيانها وقربها أن تقلب رأي عالم محدث وشاعر فحل ليصير من رءوس الخوارج.

كيف تُعرض الشبهات بأسلوب المدح والتزكية؟

كان من أشد الألفاظ دلالة في الرواية قول المرأة لعمران: «أنا وأنت في الجنة، لأنك أعطيت فشكرت، وابتليت فصبرت».

فلم تقدم له مذهب الخوارج في قالب منفر أو عبر دعوة مباشرة لمفارقة السُّنة، بل قدمته في ثوب التزكية والثناء والارتباط بمعاني الشكر والصبر والرضا بالقضاء، وهذه المقاربة تعد من أخطر وسائل التغيير العقائدي؛ أن تُغلف البدعة أو الشبهة بشعارات الفضيلة وألفاظ الشرع المحبوبة إلى النفوس.

فالإنسان لا ينقاد إلى الخطأ الصريح لعينه، ولكنه ينخدع به إذا دُثر برايات براقة مثل: التعبد، ونصرة الدين، والزهد، والغيرة على الحق، ولذلك فإن سلامة الأفكار والمذاهب لا تُوزن بجمال اللفظ وزينة الشعارات، وإنما بصحة الاتباع ومطابقة المنهج المعصوم.

قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف:103-104).

وقد حفظت التراجم والسير قصصاً بالغة العبرة في تسلل الفتنة من أبواب الهوى والقرب غير المحسوب؛ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ»(5) أَنَّ هَذَا الشَّقِيَّ -يعني إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمٍ الْفَقْعَسِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَالصَّلَاحِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ كِنْدَاجَ نَائِبُ الْجَزِيرَةِ وَكَانَ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَقَامَ بِمَا كَانَ إِلَيْهِ وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ، وَيَازَامَانُ نَائِبُ طَرَسُوسَ جَاءَهُ حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ مِنْ بَلْدَةٍ كَانَ يُحَاصِرُهَا بِبِلَادِ الرُّومِ، فَمَاتَ مِنْهُ، وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِطَرَسُوسَ، فَوَلِيَ نِيَابَةَ الثَّغْرِ بَعْدَهُ أَحْمَدُ الْعُجَيْفِيُّ بِأَمْرِ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْ قَرِيبٍ بِابْنِ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ طُولُونَ، وَعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَبَّحَهُ اللَّهُ- كَانَ مِنَ الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ كَثِيرًا فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ وَالْمُسْلِمُونَ مُحَاصِرُونَ لِبَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، إِذْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ فَهَوِيَهَا، فَرَاسَلَهَا: وَمَا السَّبِيلُ إِلَيْكِ، فَقَالَتْ: أَنْ تَتَنَصَّرَ وَتَصْعَدَ إِلَيَّ، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، فَمَا رَاعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَهَا، فَاغْتَمَّ الْمُسْلِمُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً عَظِيمَةً، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ مَرُّوا عَلَيْهِ وَهُوَ مَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا فُلَانُ مَا فَعَلَ قِرَاءَتُكَ؟ مَا فَعَلَ عِلْمُكَ؟ مَا فَعَلَ صِيَامُكَ وَصَلَاتُكَ؟ فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنِّي أُنْسِيتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ إِلَّا قَوْلَهُ: (رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ {2} ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر:1-2)(6).

إن أخطر صور الزيغ أن يظن المبتدع في نفسه غاية الصلاح والجهاد بينما هو يسير في مسار ينقض أصول الملة، وهو ما وقع فيه عمران حين اقترن فكره بشعارات التزكية والصبر فتوهم أنه على الحق المبين.

انتقال الأفكار عبر الأنس والمعايشة اليومية

لم يكن تحذير أئمة السلف من مخالطة أهل البدع والأهواء نابعاً من مجرد البغض الشخصي أو ردود الفعل السياسية، بل قام على دراية واعية بكيفية سريان الشبهة داخل النفوس؛ فالأفكار المنحرفة لا تسري بالكتب والمجادلات فحسب، بل تنتقل بالصحبة والمخالطة والمعايشة اليومية.

ولهذا صاغ الإمام محمد بن سيرين –وهو الراوي لواقعة عمران نفسه– القاعدة العظمى في صيانة مصادر المعرفة فقال: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»(7).

ولم تقتصر هذه القاعدة على أسانيد الحديث النبوي، بل شملت كل المؤثرات التي تصنع الوعي والتصورات، فالإنسان حين يساكن صاحب رأي منحرف أو يداوم على الاستماع إليه، يبدأ برؤية الأشياء عبر زاويته بالتدريج، وتغدو الألفاظ التي كان يستنكرها مألوفة، والتأويلات الشاذة قريبة، ثم يترقى من موقع المستمع المحايد إلى موقع المدافع المناضل.

وهذا ما يفسر كون المعايشة الدائمة أشد خطراً من اللقاءات العابرة؛ لأن التكرار اليومي يعيد هيكلة البيئة النفسية والعقلية للمتلقي، ويضعف مع الوقت حاجز الممانعة الذاتية.

لماذا لم يعصم الحفظُ عمران بن حطان من الفتن؟

تقدم تجربة عمران بن حطان تبياناً لما يمكن تسميته بـ«وهم المناعة العلمية»؛ حيث يستشعر صاحب المعرفة وحافظ النصوص أن رصيده العلمي يمنعه من الافتتان أو الزلل، في حين أن العلم مجرداً لا يعصم صاحبه ما لم يصحبه توفيق إلهي وتقوى ومحاسبة مستمرة للسريرة.

فليس كل من روى الآثار أو عرف وجوه الاستدلال نجا من الفتن، وليس كل من ملك أدوات البلاغة سلم من تزيين الهوى؛ فالانحراف الفكري قد يتسرب من أبواب الخفاء: كالعاطفة، والبيئة، والمصانعة، وسوء التقدير.

ولهذا الحذر كان خيار الأمة وأئمتها يشتدون خوفاً على أنفسهم من الزيغ، ويكثرون من الالتجاء إلى الله لطلب الثبات والاعتصام بالحق؛ قال الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) (آل عمران: 8).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه بالثبات حذراً من تقلب القلوب وورود الفتن، فكان يكثر من قوله: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، ففي حديث أم سلمة الذي حدث به شهر بن حوشب قَالَ: قُلْتُ لِأُمِّ سَلَمَةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ دُعَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، لَيْسَ مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، مَا شَاءَ أَقَامَ، وَمَا شَاءَ أَزَاغَ»(8).

إن الثبات على الصراط المستقيم ليس نتاج الحفظ البارد ولا كثرة المرويات، بل هو ثمرة العلم المقرون بالتواضع لله، والفرار من مواطن الشبهات، ومداومة الاستعانة بالمعصوم.

كيف تصنع المنصات شبكة للتأثير الفكري؟

إن القوانين النفسية التي أدارت تحول عمران بن حطان في شبكة علاقاته الاجتماعية القديمة هي ذاتها التي تحكم التأثر الفكري في الواقع المعاصر؛ فالوسائط قد تطورت بصورة هائلة ولكن طبيعة النفس البشرية ظلت ثابتة لم تتغير.

ففرد اليوم قد لا يتأثر فقط بزوجة أو جليس في بيته، بل يقع تحت التأثر اليومي للمتابعة المستمرة عبر المنصات الرقمية، والشبكات الاجتماعية، والمحتوى الموجه، وكما كانت الخلطة القريبة سبباً في تحول بعض الناس قديماً، فإن الإدمان على متابعة الشخصيات المؤثرة والخطباء المفتونين اليوم يخلق ارتباطاً نفسياً وتأثيراً خفياً يجعل المتلقي يتقبل آرائهم وشبهاتهم بغير نقد ولا تمحيص.

ومن هنا، فإن بناء حصانة الأجيال لا يتحقق بمجرد حشو الأذهان بالمعلومات والتعاريف، بل بتدريب العقل على اختيار مصادر التلقي الصافية، والتمييز الجارم بين براعة العرض وحسن البيان وبين صحة المضمون ومطابقته للحق والدليل.

لماذا لا تكفي النية الحسنة للنجاة؟

لا تقدم سيرة عمران بن حطان الإنسان كائنًا مسلوب الإرادة تنقله الأقدار بغير اختيار، ولا تظهره مبرأ من مسؤولية قراراته ومساراته؛ فالمرء قد يملك فضائل ومحاسن في أبواب، ثم يقع في خطل كبير في أبواب أخرى.

لكن الدرس الأعظم الكامن في هذه الواقعة يقرر أن سلامة النية ومجرد إرادة الخير لا يكفيان لحماية السالك؛ فقد كان عمران يرغب -بحسب ظنه- في رد زوجته إلى السُّنة، غير أن مسلك الإصلاح كان يقتضي منه الفقه بطبيعة النفوس والتحسب لأبواب الفتن قبل الإقدام.

ويتحصل من هذا أن من أراد هداية غيره وإصلاح الواقع يتوجب عليه أولاً تحصين مقامه وثبات قدمه، وأن دخول مواطن الفتن والشبهات يستلزم أقصى درجات الحذر والتقوى والأخذ بالأسباب الشرعية، لا الاعتماد على ثقة مجردة بالذات أو شجاعة نفسية غير محسوبة.

كيف تسبب الباب الآمن بسقوط العالم؟

تظل سيرة عمران بن حطان وثيقة تاريخية بالغة الدلالة على أن المرء قد يخسر موقع مذهبه وفكره لا بسبب قصور في الذكاء أو قلة في المرويات العلمية، بل بسبب تساهله في باب ظن أنه منه آمن.

فهو لم يفتح باب الخلطة باسم البحث عن الضلال، وإنما فتحه تحت شعار الإصلاح والهداية، ولم تتبدَّ له الفتنة في صورة صراع أو عداء، وإنما أتت ممتزجة بالمودة والجمال والتقدير.

وهذا ما يطبع سيرته بطابع الدرس الدائم في فقه النفوس وصيانة القلوب؛ فكما يتوجب على المسلم معرفة أدلة الحق ومواطن الهداية، يتوجب عليه كذلك معرفة منافذ الضعف في نفسه، والوعي بأن القلب يسرق من خلطائه وجلسائه، وأن السلامة الحقيقية لا تنال بالثقة بالنفس، بل بالفرار من مواطن الفتن وحسن اختيار البيئات والعلاقات التي تقرب إلى الله.

خلاصة الدروس التزكوية من سيرة عمران

تلخص قصة عمران بن حطان الزاوية الفكرية والتربوية التي أردنا التركيز عليها؛ خطورة الانحراف الفكري عندما يتسلل عبر أبواب القرب العاطفي والمودة اليومية، والاستهانة بمجالسة أهل الأهواء تحت دعوى الإصلاح والتغيير، لقد كشفت هذه الواقعة أن كثرة العلم وقوة البيان لا تكفيان لوحدهما لوقاية المرء ما لم يقترن ذلك ببصيرة منهجية، وفرار حازم من بؤر الشبهات، وإدراك أصيل لضعف النفس البشرية أمام المؤثرات القريبة.

الهوامش
  • 1 عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي الشيباني: تابعي، كان في أول أمره من أهل الحديث والسُّنّة ثم صار من أئمة الخوارج القعدية وشعرائهم، واشتهر بالفصاحة والشعر والجهاد ورواية الحديث عن جمع من الصحابة كعائشة وابن عباس، سكن البصرة وتنقل في البلاد فاراً من الحجاج حتى توفي سنة 84هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 214).
  • 3 سنن أبي داود (4/ 116/ 4316).
  • 4 اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (3/ 235/ 1744).
  • 5 يقصد المنتظم في تاريخ الملوك والأمم.
  • 6 البداية والنهاية (14/ 641).
  • 7 مسند الدارمي (1/ 398/ 438).
  • 8 الإيمان، ابن أبي شيبة (8/ 56).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة