السيولة الثقافية.. أزمة المعيار في عالم متغير
يتغير المشهد
الثقافي العالمي بسرعة تكاد تسبق قدرة الإنسان على استيعاب ما يجري حوله؛ فالأفكار
تعبر القارات في لحظات، والصور تتدفق عبر الشاشات بلا انقطاع، وأنماط العيش تنتقل
من مجتمع إلى آخر بضغطة إصبع، بينما تتعاقب الموضات والمصطلحات والرموز والقدوات
بوتيرة تجعل الإنسان يعيش في سنوات قليلة تحولات كانت تحتاج أجيالا كاملة حتى
تستقر آثارها في المجتمعات، وفي قلب هذا التدفق تتشكل ظاهرة أعمق من تغير الأذواق
والعادات؛ إذ تمتد الحركة إلى المعايير ذاتها، فتلامس تصورات الإنسان عن هويته
وأسرته وعلاقاته ونجاحه وسعادته، وعن الميزان الذي يحدد به المقبول والمرفوض،
والنافع والضار، والأصيل والعابر.
وقد اقترب عالم
الاجتماع زيجمونت باومان من توصيف جانب من هذا المشهد بمفهوم «الحداثة السائلة»،
مستعيرا صورة السائل الذي يتشكل بحسب الحيز الذي يحتويه، ليصف عالما أصبحت فيه
كثير من العلاقات والمؤسسات والأنماط الاجتماعية أكثر قابلية للتحول والتبدل، ومن
هذه الزاوية يمكن قراءة «السيولة الثقافية» بوصفها حالة تتسارع فيها حركة الأفكار
والقيم والصور، وتتداخل المرجعيات، ويغدو الإنسان معرضا بصورة مستمرة لأنماط
متباينة من تفسير الحياة وتحديد معاييرها.
لقد أصبح الهاتف
المحمول أشبه ببوابة مفتوحة على أكبر سوق ثقافية عرفها التاريخ؛ ففي شاشة واحدة
يلتقي المحلي بالعالمي، والجاد بالعابر، والعلم بالترفيه، والقيمة بالسلعة،
وتتعاقب أمام الإنسان تصورات مختلفة للجمال والجسد والأسرة والحرية والنجاح
والسعادة، وتضيف الخوارزميات إلى هذا المشهد قوة جديدة، إذ تعيد عرض ما يجذب
الانتباه وتضاعف حضوره، حتى يتحول التكرار إلى ألفة، والألفة إلى قبول نفسي، ثم
يشارك ذلك القبول المتراكم في تشكيل الذوق والرؤية والموقف.
وهنا تبلغ
السيولة الثقافية منطقتها الأكثر حساسية؛ فالثقافة أعمق من مجموعة معلومات نتلقاها
أو صور نشاهدها، لأنها تشارك في تشكيل الطريقة التي نرى بها الأشياء ونحكم عليها، والقدوة
التي تملأ الشاشة تسهم في رسم صورة النجاح، والمفهوم الذي يتكرر بكثافة يكتسب قوة
اجتماعية متزايدة، والاتجاه الذي يحصد ملايين المشاهدات يستطيع أن يفرض حضوره على
النقاش العام، وبهذا تنتقل سلطة التأثير تدريجيا من المؤسسات التقليدية وحدها إلى
شبكة واسعة تضم المنصة والمؤثر والإعلان والترفيه والخوارزمية والسوق.
وتتعانق هذه
الحركة مع النزعة الاستهلاكية التي جعلت التجديد المستمر جزءا من إيقاع الحياة
الحديثة؛ فالسلعة تتبعها سلعة، والصورة تخلي مكانها لصورة، والموضة تستدعي أخرى،
ثم يمتد منطق الاستبدال من عالم الأشياء إلى بعض مساحات المعنى، وعندئذ تصبح
الأفكار والعلاقات وأنماط الحياة عرضة لإيقاع الاستهلاك السريع، ويكتسب «الجديد»
قيمة إضافية لمجرد حداثته وانتشاره، بينما تحتاج المعاني التي تقوم على الوفاء
والاستمرار والمسؤولية والالتزام إلى وعي يحفظ مكانتها وسط هذا التسارع.
غير أن حركة
الثقافات وتبادل الخبرات تمثل في أصلها مجالا واسعا للإثراء الحضاري، وقد أسس
القرآن الكريم أفقا إنسانيا رحبا للتعارف بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم
مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13)، فالآية تجمع في بنائها بين الاعتراف بالتنوع الإنساني
وفتح مجال التعارف، ثم تضع التقوى معيارا للقيمة الإنسانية؛ وبذلك يلتقي الانفتاح
على الشعوب والثقافات مع ميزان أخلاقي يحفظ للإنسان وجهته.
وقد جسدت
الحضارة الإسلامية هذا المعنى في مراحل ازدهارها؛ فتفاعلت مع علوم أمم متعددة،
واستفادت من تجارب اليونان والفرس والهند وغيرهم في الطب والفلك والحساب والفلسفة
والإدارة والعمران، ثم مارست التمحيص والتطوير والإضافة في ضوء رؤيتها للإنسان
والكون والحياة، وهكذا أصبح التفاعل الحضاري قوة إنتاج، لأن العقل الذي يستقبل
الوافد كان يحمل معيارا يتيح له الانتقاء والنقد وإعادة البناء.
ومن هنا يظهر
الفارق الدقيق بين التجدد الثقافي والسيولة الثقافية، فالتجدد ينمو من أصل،
ويتفاعل مع الواقع، ويستوعب الخبرة الجديدة، ثم يضيفها إلى البناء الحضاري بصورة
واعية؛ أما السيولة التي تفقد معيارها فتجعل ضغط اللحظة والرواج قوة مؤثرة في
تحديد الاتجاه، ولذلك تشبه الثقافة الراسخة شجرة تضرب جذورها في الأرض وتفتح
أغصانها للشمس والهواء؛ فعمق الجذور يمنحها قدرة أكبر على الامتداد، والتفاعل مع
محيطها يزيدها نموا وخصوبة.
وفي الرؤية
الإسلامية تكتسب المرجعية هذه الوظيفة المعيارية بوضوح بالغ، يقول الله تعالى: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي
هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: 9)، ولفظ «أقوم» يحمل معنى الاستقامة والأرشد والأصلح،
فيضع أمام الإنسان ميزانا يتجاوز ضغط اللحظة وتقلب المزاج الاجتماعي، ويمنحه قاعدة
ينظر منها إلى المتغيرات ويزن بها الأفكار والاتجاهات، فالقرآن يصنع وعياً قادراً
على الحركة داخل العالم مع الاحتفاظ بمعيار الحكم عليه.
ولهذا جمعت
المنظومة الإسلامية بين رسوخ الأصول واتساع مجال الاجتهاد؛ فالثوابت الكبرى تحفظ
الوجهة، والمقاصد تكشف الغايات، والاجتهاد يتعامل مع الوقائع المستجدة، والعرف
الصحيح يستوعب خصوصيات المجتمعات، والمصلحة المعتبرة تصل الأحكام بحاجات الناس ضمن
أصول الشريعة وضوابطها، ومن هذا البناء نشأت قدرة حضارية تجمع الثبات في المرجعية
والمرونة في الوسائل، بحيث يصبح الثابت مصدر اتزان، ويصبح المتغير مجالا للإبداع
والعمران.
وتبدو أهمية هذا
البناء أشد وضوحاً في البيئة الرقمية؛ فالمنصات الحديثة تشارك في ترتيب ما يراه
الإنسان، وصناعة ما يبدو مهما في نظره، وتحديد المساحة التي تشغلها قضية أو شخصية
أو نمط حياة داخل وعيه اليومي، ولذلك أصبح الوعي الثقافي محتاجا إلى قدرة متقدمة
على الفرز بين الانتشار والقيمة، وبين الجاذبية والحقيقة، وبين ما يستحوذ على
الانتباه وما يستحق أن يستقر في العقل والوجدان.
وفي هذا السياق
تتضاعف مسؤولية الكلمة والصورة والمحتوى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا
إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا
إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» (صحيح
مسلم، 2674)، وإذا كانت الكلمة في زمن سابق تبلغ مجلسا أو مدينة، فإنها اليوم
تستطيع أن تعبر القارات وتبقى متداولة سنوات؛ وبذلك يصبح الأثر الرقمي مسؤولية
أخلاقية ممتدة، وتغدو صناعة المحتوى مشاركة فعلية في تشكيل الثقافة والذوق والوعي.
وتبدأ الاستجابة
العميقة لهذه التحولات من بناء الإنسان القادر على الفرز والاختيار؛ إنسان يعرف
أصوله ويفهم عصره، ويستقبل الأفكار بعقل ناقد ووجدان مستقر، ويمتلك من المعرفة ما
يساعده على التمييز بين التنوع الذي يثري التجربة الإنسانية والسيولة التي تربك
معيارها، فالهوية الواعية معرفة وانتماء وممارسة، وهي قدرة على فهم القيم ومقاصدها
وتحويلها إلى قوة حاضرة في تفاصيل الحياة.
وتقف الأسرة
والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية في قلب هذه المهمة؛ فالأسرة تغرس المعاني
الأولى للانتماء والمسؤولية والرحمة، والمدرسة تبني أدوات المعرفة والنقد،
والإعلام يصوغ جانبا كبيرا من الذائقة العامة، بينما أصبحت المنصات الرقمية شريكا
يوميا في تشكيل الوعي، ويحتاج تكامل هذه الدوائر إلى خطاب يقدم القيم بلغة العصر،
ويصل الأصول بأسئلة الواقع، ويمنح الأجيال قدرة على المشاركة والإبداع وهي تحمل
شخصيتها الحضارية بثقة.
كما تحتاج
الثقافة الإسلامية المعاصرة إلى حضور يتجاوز حماية الموروث إلى تفعيل طاقته في
صناعة المستقبل؛ فالأجيال التي تعيش في عالم الصورة والفيديو والمنصة تحتاج إلى
محتوى يجمع أصالة المعنى وجمال العرض وعمق الفكرة، ويقدم الإسلام باعتباره مرجعية
تهدي حركة الإنسان في الحياة، وتفتح أمامه آفاق العلم والتعارف والإبداع والعمران،
وقد أرشد القرآن إلى هذا التوازن في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143)، فالوسطية هنا تحمل معنى التوازن والاستقامة والقيام
بمسؤولية الشهادة، وهي منزلة حضارية تقتضي حضور الأمة في العالم بقيمها وعلمها
وأثرها.
وهكذا تضع
السيولة الثقافية الإنسان أمام معادلة دقيقة: عالم واسع تتدفق فيه الأفكار
والخبرات، ومرجعية راسخة تمنحه القدرة على وزن هذا التدفق وتوجيهه، وكلما ازدادت
سرعة التحول تعاظمت قيمة البوصلة، وكلما اتسعت النوافذ ازدادت الحاجة إلى وضوح
الرؤية، وكلما كثرت الخيارات أصبح المعيار أثمن ما يملكه الإنسان.
فالثقافة
الواثقة تتفاعل وتتعلم وتضيف، والهوية الراسخة تمنح صاحبها شجاعة اللقاء بالعالم،
والمرجعية الحية تجعل الانفتاح طريقا إلى المعرفة والإثراء، وفي عالم تتلاحق فيه
الموجات، تبقى القوة الثقافية الأعمق في أن يمتلك الإنسان ميزانا يزن به ما يعبر
إلى وعيه؛ فيأخذ من العالم بوعي، ويعطيه من قيمه وإبداعه، ويمضي وسط التحولات
ببصيرة تعرف الطريق والغاية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً