القابلية للفساد في منظور القرآن الكريم
القابلية للفساد؛
ونقصد بهذا المفهوم الاستعداد والتهيؤ لقبول كل ما هو قبيح وضد السوية والصلاح
بحسب الشرع والعقل، وبحسب القرآن فإن القابلية للفساد تعني تغذيةَ للنفس الفاجرة
الأمارة بالسوء، وتدسيةَ للنفس المطمئنة واللوامة؛ قال تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
وَتَقْوَاهَا) (الشمس: 9).
والفسَادُ: خروج
الشيء عن الاعتدال، قليلًا كان الخروج أم كثيرًا، ويضادّه الصّلاح، ويستعمل ذلك في
النّفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة(1).
والفساد الأكبر
في منظور القرآن هو الشرك بالله، أو إنكار وجوده من حيث المبدأ وهذا هو الحنث
العظيم، وما يترتب على ذلك من إنكار للغيب وتكذيب للرسل والكتب، ثم ممارسة الظلم
والبغي والعدوان والطغيان على الناس في الأرض؛ فهذه متلازمات الفساد في القرآن.
الفساد في منظور
القرآن هو أيضًا كل حركة تخالف قانون الكون الذي خُلق عليه بغرض تمكين الإنسان من
ممارسة وظيفته في الكون والقيام بلوازم الاستخلاف، وما يتعلق بها من العمران
الإيجابي للنفس والكون.
فكل تخريب يمس
نفس الإنسان، أو زرعه أو غرسه، أو عقله أو وجدانه يدخل في باب الفساد الذي ينهى
عنه القرآن؛ (وَلَا
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) (الأعراف: 56).
وخص الأرض هنا
بالذكر لأنها مجال حركة الإنسان وممارسة الاستخلاف والعمران المكلف بهما الإنسان
منذ نزوله عليها.
مقومات القابلية للفساد في منظور القرآن
يلاحظ من خلال
الاستقراء العام للقرآن، أن هناك 3 مقومات أساسية تؤهل النفس لقبول الفساد، ودفع
الإنسان إلى ممارسته في الأرض، وهي: التقليد، والترف، والاستكبار، نتناولها بإيجاز
فيما يلي:
1- التقليد:
المقوم الأول في
بناء النفس القابلة لممارسة الفساد هو عامل التقليد، ونقصد به هنا تقليد السابقين
في رؤاهم وتصوراتهم وأحكامهم عن الكون والحياة، والجمود على ما ورثوه من آبائهم من
اعتقادات دون التفكر والتأمل فيها أو مراجعتها.
والنوع المراد هنا
النوع المذموم الذي لا يقوم على حجة أو بيان أو تفكر، وإنما يكون تقليدًا أعمى
للحصول على الامتيازات التي حصل عليها المُقلَّدُون قبلهم، وقد خص القرآن هذا
العامل بصورة ملحوظة؛ كونه مانعًا من قبول الحق والتفكر فيه، بل وسببًا في الصد
عنه وبذل الجهد لمواجهته؛ للمحافظة على المكتسبات المادية الموروثة عن جيل الآباء
والأجداد بصورة خاصة.
قال تعالى: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ
ضَالِّينَ) (الصافات: 69)؛ أي: عريقين في الضلال بما لا يخفى على أحد، ثم
ينكر القرآن على هؤلاء المقلدين بجهل وعمى فيقول عنهم؛ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ
اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ
أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (المائدة: 104).
فنفى القرآن عن
النماذج التي يقلدونها أن يكون لديها علم بما هي عليه من سلوك وحكم وتصور، أو أن
يمكنها ذلك من الاهتداء إلى الحق، بل والأشد سوءًا أنهم يمارسون الفواحش مستندين
إلى هذا التقليد، إذ يسجل القرآن ذلك عليهم بقوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا
آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) (الأعراف: 28).
إن مقولات أهل
التقليد الأعمى لم تُبنَ على حجج أو براهين؛ ولذلك كانت ممارستهم للفاحشة وباقي
الرذائل صادرة عن رغبة النفس وشهواتها، لا عن تفكير عقلي يقود إلى الاهتداء
والعلم.
كذلك فإن الأمم
التي تتخذ من التقليد نهجًا لها في مسيرتها الحضارية، إنما تقع في الفساد، ونقصد
بالجمود هنا: اكتفاء الأجيال اللاحقة بما ورثته من أسلافها من العلوم والمعارف؛
ظنًّا منها بكفايتها، على الرغم من أن هذا النتاج كان تعبيرًا عن مرحلة حضارية
تاريخية لتحسين واقعها والنهوض به وهو يخص ما اكتسبته تلك الأمة التي خلت.
إن هذا النوع من
التقليد يوقع الأمم في الجمود أو الفساد الفكري، كما أنه يترك آثاره على واقع
الناس، وحياتهم وثقافتهم وطرق عيشهم؛ بما يمكن وصفه بالتردي أو التخلف الحضاري.
2- الترف:
المقوم الثاني
الذي يهيئ النفس للفساد فكرًا وممارسة هو الترف، وربطت آيات سورة الواقعة بين الترف
والعناد الشديد في الشرك وإنكار الغيب، أي: مواجهة الرسل والرسالات؛ (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ
مُتْرَفِينَ {45} وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ {46} وَكَانُوا
يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (الواقعة).
والترف المقصود
هنا هو الذي قام على باطل؛ إما في مصدره عبر استغلال الثروات غير المستحقة للفرد
بالاستيلاء أو السطو، وإما ممارسة الطغيان وتجاوز الحدود والحقوق التي هي لله
وللناس للحصول على ما يشبع به هذه الملذات، وفي هذه الحالة فإن النفس تدفع صاحبها
إلى مزيد من ممارسة الفساد؛ لتحقيق هذا الإشباع بالباطل.
3- الاستكبار:
المقوم الثالث
الذي يشيع في النفس الفساد هو الاستكبار أو التكبر؛ وهو شدة الكبر، ومن لطائف
اللغة العربية -كما يذكر ابن عاشور- أن مادة الاتصاف بالكبر لم تجئ منها إلا بصيغة
الاستفعال أو التفعل؛ إشارة إلى أن صاحب صفة الكبر لا يكون إلا متطلبًا الكبر أو
متكلفًا له وما هو بكبيرٍ حقًا، وقيل: التكبر أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره،
والاستكبار طلب ذلك بالتشبع.
ويرى الغزالي في
«الإحياء» أن الكبر خُلقٌ في النفس وهو الاسترواح والركون إلى اعتقاد المرء نفسه
فوق غيره؛ فإن الكبر يستدعي متكبَّرًا عليه ومتكبرًا به، وخُلق الكبر عقيدة تقع في
النفس فيحصل فيها اعتداد وعزة وفرح وركون إلى ما اعتقد، وعز في نفسه بسبب ذلك؛
فتلك العزة والهزة والركون إلى تلك العقيدة هو خلق الكبر.
وفي الحديث: «لا
يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه
حسنًا ونعله حسنة، قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس»
(أخرجه مسلم، 91).
ويسجل القرآن أن
الاستكبار دافعٌ لاستمرار فساد التصورات، كأنه حجاب بين صاحبه وبين الحق، وفي ذلك
يقول: (إِنَّهُمْ كَانُوا
إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) (الصافات: 35)،
فالاستكبار -كما تشير الآية -حالة نفسية تأتي من شعور الإنسان بأنه خير من
الآخرين، فلا يستجيب لهم مهما كانت دعواهم التي يدعون إليها، ولكنه يستجيب لنفسه
التي تطلب التفاخر والتعاظم على الناس، وكان الشيطان أول المتكبرين على الإنسان،
وأول من منعه الكبر من قبول دعوة الحق، وأول نفس أُشرِبت فعل الفساد الناتج عن
التكبر: (وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ
وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة: 34)؛ حيث ظن أنه خير
من آدم عليه السلام، قيل في المعنى: أي صار إبليس كافرًا بعدم السجود؛ لأن امتناعه
نشأ عن استكباره على الله واعتقاد أن ما أمر به غير جار على وجه الحكمة.
ثم كانت من بعده
طوائف من البشر استكبرت على دعوة الأنبياء، وفي مقدمتها بنو إسرائيل: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ
بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ
وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) (البقرة: 87).
إن متابعة القرآن لمسيرة أصحاب هذه الصفات الثلاث: التقليد، والترف، والاستكبار؛ تُظهر كيفية إفسادها للنفس والكون، والزرع والحرث، وكيف مارست تلك الفئات الطغيان والبغي والتجاوز بكل أشكاله وصوره في حق الله وحق الناس، وهذه -كما أسلفنا- متلازمات الفساد التي ترتبط بالنفس الفاسدة التي تأهلت لممارسة كل أشكال الظلم والانظلام.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً