الحركات الصهيونية الجديدة وجوه وأجندات (11)

«نتساح يهودا».. كتيبة صهيونية يشرف عليها الحاخامات

د. خالد سعيد

29 سبتمبر 2026

62

جنود إسرائيليون يقرأون من التوراة في موقع عسكري صحراوي

في 7 سبتمبر 2026م، عثر على جندي قتيل بالقرب من قاعدة عسكرية شمالي فلسطين المحتلة، وتبين لاحقًا أنه أحد جنود كتيبة «نتساح يهودا» المنضوية تحت لواء «كفير»، وهو رابع قتيل صهيوني خلال 48 ساعة فقط، آنذاك؛ ورغم عدم نشر الجيش لواقعة القتل، فإن الموقع العبري «0404» أكد أن عملية القتل تعود إلى حالة من التخبط الأمني والداخلي التي مر بها الجيش «الإسرائيلي»، ولم تُكشف ملابسات الحادث أو يحدد ما إذا كانت ناتجة عن عملية استهداف ميدانية أو أنها تندرج ضمن حالات الانتحار المتزايدة.

فتح خبر قتل الجندي الباب أمام التعريف بكتيبة «نتساح يهودا» المتطرفة، في ظل اعتبارها ووصفها بأنها وحدة عسكرية صهيونية خاصة، وأول كتيبة قتالية حريدية تخدم بالجيش «الإسرائيلي».

«نتساح يهودا».. النشأة والتأسيس

الموقع الإلكتروني للكتيبة، يؤكد أن كتيبة «نتساح يهودا» نشأت في العام 1999م، رغم وجود محاولات سابقة لتشكيل كتيبة حريدية لكن كلها باءت بالفشل، وهي وحدة عسكرية حريدية خاصة، تضم جنوداً من اليهود المتطرفين فقط، وتم تشكيلها على يد الجنرال يهودا دوفدفاني، مؤسس لواء غفعاتي، وذلك ضمن مشروع أشرفت عليه منظمة نتساح يهودا الدينية المتطرفة بالتنسيق مع وحدة الخدمات الاجتماعية بالجيش الصهيوني، وانطوت تحت جناح لواء ناحال في البداية، وفي العام 2002م أصبحت كتيبة مستقلة.

شارك في تدشينها مجموعة من حاخامات الحريديم من أجل دمج شباب هذه الطائفة في الجيش والمجتمع الصهيونيين، دون المساس بتقاليدهم الدينية، حيث يتم تصوير هؤلاء الجنود وهم يحملون الرموز الدينية وبإمكانهم إطالة لحيتهم وشعرهم بحسب الشريعة اليهودية، كما يمكنهم حمل لفائف التوراة داخل قواعدهم العسكرية المنتشرة في أماكن مختلفة، وذلك بحسب الموقع الإلكتروني العبري «هميكلال».

امتيازات دينية لجنود «نتساح يهودا»

ولفت الموقع الإلكتروني للكتيبة إلى تمتع جنودها بامتيازات خاصة تحافظ على معتقداتهم اليهودية المتطرفة، أهمها الالتزام الكامل بنمط حياة يهودي متطرف، وتواصل دروس التوراة مع أداء الصلوات في المينيان أو الصلاة في جماعة، مع طعام كوشير أو الطعام الحلال.

ويعود السبب الرئيس لتشكيل وتأسيس هذه الكتيبة، إلى حل مشكلة الشباب الحريدي الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاماً، ولم يستطيعوا الالتحاق بالنظام التعليمي الديني المتشدد يشيفا، والعمل على تمكينهم من الخدمة العسكرية والانخراط في الجيش بالتوازي مع الحفاظ على تقاليدهم الدينية، فيما زاد عددهم بعد حرب الإبادة الجماعية على غزة، حيث رأوا أنه يمكن تحقيق أغراضهم المتطرفة ضد الشعب الفلسطيني في القطاع.

من 30 جنديًا إلى كتيبة حريدية

تبعت الكتيبة عند تأسيسها لواء غور الأردن، وتكونت من 30 جنديًا فقط من الحريديم، وعُرفت آنذاك باسم «ناحال حريديم»، ثم أُطلق عليها فيما بعد اسم «نتساح يهودا»؛ وتعني عبارة نتساح الأبدي أو إلى الأبد، وكلمة يهودا نسبت إلى مؤسسها يهودا دوفدوفاني، وهي عبارة عن اختصار لـ«الشباب العسكري الحريدي» أو «يهودا الأبدي».

تنقلت «نتساح يهودا» أثناء تأديتها مهامها العسكرية بين الضفة الغربية والجبهة الشمالية في هضبة الجولان السورية المحتلة، وذلك نتيجة لطبيعة عملها العسكري القائم على القتل والعنف والترهيب، وهو ما لفت إليه الموقع العبري «هميكلال»، ومنذ مطلع العام 2024م تشارك في حرب الإبادة على قطاع غزة.

وحصلت الكتيبة في 17 سبتمبر 2025م، على وسام الاستحقاق أو التميز من الجيش الصهيوني على خلفية مشاركتها في حرب الإبادة على غزة، وهو ما ذكرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، بعدما خاضت قتالاً على مدى العامين الماضيين لهذا التاريخ في القطاع، لا سيما في شمال قطاع غزة.

ونقلت الصحيفة عن النقيب «ي» قائد الكتيبة الدينية المتطرفة، أنه قبل الحرب، كانت بعض العائلات تستنكر تجنيد أبنائها، أما اليوم فيفهم الآباء تمامًا سبب وجودهم هنا في غزة؛ ويعني ذلك أنها كانت الكتيبة الأكثر دموية وعنفًا في تعاملها مع المدنيين الفلسطينيين، بعدما حصلت على هذا الوسام العسكري من قبل قائد المنطقة المركزية اللواء آفي بلوت، ليثبت تورطها بجرائم حرب وانتهاك حقوق الإنسان، حيث رأت الصحيفة العبرية أن «نتساح يهودا» كانت واحدة من الكتائب التي شاركت في مقتل يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، في 6 أغسطس 2024م.

بينما رأى المقدم أفيغدور ديكشتاين، قائد كتائب الحريديم، أن مقاتلي الكتيبة نموذج يُحتذى به ومثال على كيفية التمسك بنمط الحياة الحريدي كمقاتل داخل وخارج الكتيبة، وأداء العمل المقدس في عملياتهم، إلى جانب تقديم مساهمة كبيرة في أمن شعب «إسرائيل» مع الحفاظ الكامل على نمط حياتهم، وذلك بحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت».

الأيديولوجيا الدينية للكتيبة

يقوم فكر الكتيبة المتشددة على التطرف والفكر العنصري القائم على العنف والتخريب والإرهاب وقتل الفلسطينيين، بدعوى أنها أسس عقائدية وسياسية راسخة، حيث يتبنون أفكار أرض «إسرائيل الكبرى»، في وقت تتعامل الكتيبة على أنها وحدة خاصة ذات عقيدة عسكرية مختلفة عن غيرها من وحدات الجيش الصهيوني العلمانية.

تفصل الكتيبة فصلاً تامًا بين الجنسين، حيث لا يسمح للمجندات بالانضمام للكتيبة، كما يمنح الجنود ساعات للصلاة، ويسمح لحاخاماتهم بتقديم دروس دينية يومية داخل قواعدهم العسكرية، ورغم بدايتها بـ30 جنديًا فقط، لكن «نتساح يهودا» تضم، حاليًا، حوالي ألف جندي، وتتبع لواء كفير، وهو جزء من الفرقة (99)، أو فرقة مشاة النار التابعة للجيش، فرقة تم تدريبها وتأهيلها بإمكانات قتالية عالية، بحيث تكون قادرة على القتال في الساحات المختلفة، في لبنان وسوريا وغزة.

ورغم مقتل 5 جنود وإصابة 14 آخرين من بين صفوفها في السابع من يوليو 2025م بغزة، في كمين نفذته «كتائب الشهيد عز الدين القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، فإن الكتيبة واصلت قتلها للشعب الفلسطيني في القطاع، وهو ما رصدته «القناة 14» العبرية، تحت مزاعم العودة إلى مهمة القتال، من أجل وجود دولة «إسرائيل».

عقوبات أمريكية بحق «نتساح يهودا»

في 26 من أبريل 2024م، أرجأت الإدارة الأمريكية تنفيذ قرار فرض عقوبات على وحدات الجيش «الإسرائيلي» التي انتهكت حقوق الإنسان في الضفة الغربية، وعلى رأسها كتيبة «نتساح يهودا»، وهي العقوبات التي بدأت لجنة خاصة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية في أواخر عام 2022م بالتحقيق بشأنها حيال الاتهامات الموجهة للكتيبة، وذلك بحسب صحيفة «هاآرتس» العبرية، في 26 أبريل 2024م، بعد ورود تقارير حول انتهاكها حقوق الإنسان، وقيامها بأعمال عنف ضد المدنيين الفلسطينيين، وكان أبرزها وفاة الأمريكي المسن، عمر أسعد ذي الأصول الفلسطينية، خلال الأحداث التي قامت بها عناصر الكتيبة في الضفة الغربية، قبل عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023م.

لم ينتظر الجيش «الإسرائيلي» فرض عقوبات رسمية على كتيبة «نتساح يهودا»، حتى أصدر بياناً في 21 أبريل 2024م، للدفاع عنها، قائلاً: مقاتلو «نتساح يهودا» هم ركيزة أساسية في العمليات العسكرية، وهو ما رصدته «القناة 12» العبرية، ويبدو أن واشنطن تراجعت في فرض تلك العقوبات.

دعوات لتفكيك الكتيبة

غير أن وسائل الإعلام العبرية رصدت دعوات داخلية نادت بتفكيك الكتيبة المتطرفة، منها الرئيسة السابقة لحزب العمل «الإسرائيلي»، ميراف ميخائيلي، بسبب سلوكها العنيف والفاسد لسنوات، حيث رأى الموقع الإلكتروني العبري «واللا» في التاريخ نفسه، أنه سبق أن دعا مسؤولون «إسرائيليون» إلى تفكيك الكتيبة للغرض نفسه.

ورغم ذلك ما تزال «نتساح يهودا» تحظى بمكانة مميزة داخل الجيش الصهيوني، حتى إن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أعرب عن استعداده لاستيعاب عناصرها في جهاز الشرطة ووزارة الأمن القومي، وإمكانية دمجها ضمن قوات حرس الحدود، أو المعروفة باسم مليشيات بن غفير.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة